هل «تصمد» تجارة التجزئة «التقليدية» في مواجهة التجارة الإلكترونية؟

طباعة

b_100_109_16777215_0___images_1-2018_E2(112).pngلا يكاد أي مجال من المجالات الاقتصادية إلا ويتأثر بالطفرات التكنولوجية المتسارعة لعالمنا المعاصر، ومن بين أكثر المجالات التي شهدت تأثرات واضحة تجارة التجزئة، التي أصبحت بصورتها التقليدية المباشرة مهددة تهديدًا جديًا من التجارة الإلكترونية التي تشكل بديلًا أكثر حداثة وإن كان مثيرًا للجدل في الكثير من الأحيان.
فالتجارة الإلكترونية تسجل أربعة أضعاف معدلات النمو التي تسجلها تجارة التجزئة التقليدية، ففي الوقت الذي تنمو فيه تجارة التجزئة التقليدية بمعدلات تقترب من 4% خلال عامي 2016 و2017 تحقق التجارة الإلكترونية معدلات نمو تناهز 16% خلال نفس الفترة، لذا فإن كانت الريادة في التجارة حاليًا لا تزال للتجارة المباشرة إلا أن تلك الإلكترونية ستتفوق في غضون 10 أعوام على الأكثر.
وتتسبب الأسواق النامية في تراجع نسبة التجارة المباشرة باستمرار، ولا سيما الأسواق ذات معدلات النمو الاقتصادي العالية، مثل الهند، إذ إن معدل نمو تجارة التجزئة الإلكترونية في البلد الآسيوي مثلًا هو ضعف معدله العالمي، بسبب مرور السوق هناك بمرحلة النمو وليس الاستقرار النسبي كما هو الحال في الدول المتقدمة.
بل وتسجل تلك التجارة المعتمدة على تطبيقات الجوال ضعف معدلات النمو التي تسجلها تلك الإلكترونية بشكل عام، وتشير التوقعات الى وصول التجارة باستخدام الجوال إلى نصف قيمة التجارة الإلكترونية بحلول عام 2020 إذا ما استمرت في معدلات نموها الحالية.
والسبب الرئيس وراء زيادة اعتماد المستهلكين على التطبيقات الإلكترونية، ولا سيما تلك الخاصة بالجوال، ومنه ما كشفته دراسة حول قضاء الشخص ثلاث ساعات في المتوسط يوميًا مستخدمًا لأجهزته الإلكترونية المتصلة بالإنترنت، سواء الجوال أو «التابلت» أو الحاسب الآلي «الشخصي وليس الخاص بالعمل»، بما يجعل 64% من المستهلكين يؤكدون شعورهم بأن شراء الأشياء عبر الهاتف النقال «أسهل» بل و«أرخص» سعرًا من شرائها مباشرة كما هو معتاد، ويعتقد ثلثا المستخدمين أنها توفر عروضًا وتخفيضات أكبر وأكثر.
وبطبيعة الأمر في التعامل مع ما يسمى بـ «سلع الاستقراب»، أي تلك السلع المتشابهة في أي مكان مثل الأغذية المحفوظة أو الملح وغالبية منتجات البقالة وبعض الملابس وبعض الأجهزة الإلكترونية أيضًا، فإن العميل يتجه للسعر الأقل وللمنفذ الأقرب للحصول على المنتج، ولا شك أن الإنترنت أصبح «الأكثر ألفة» للكثير من المستهلكين، فضلًا عن استفادة البائعين عبر الإنترنت من وفورات «الحسومات والتنزيلات» بما يدعم قدرتهم للبيع بأسعار تفضيلية وعلى سبيل المثال فإن تطبيق الشراء الإلكتروني الذي أعدته «وول مارت» لتجارة التجزئة يستغرق 4.1 ثوان فحسب للبحث عن المنتج المطلوب، ونفس الزمن لإقرار عملية الشراء، وهذا أسرع كثيرًا من أي من أشكال التجارة التقليدية دون شك.
وبسبب تلك المزايا المتعددة من عروض وأسعار فيها وفرة وسهولة الوصول والتوصيل المجاني، تعاني تجارة التجزئة التقليدية في العديد من الدول من تراجع كبير، وتذكر صحيفة «تلغراف» في هذا الصدد اضطرار 1100 متجر تجزئة في المملكة المتحدة لإغلاق أبوابه بسبب عدم قدرته على منافسة التجارة الإلكترونية التي تتوسع باستمرار.
وفي الولايات المتحدة يشير تقرير لغرفة التجارة الاميركية إلى أن متاجر التجزئة في حالة «ثبات» منذ عام 2015، حيث لم تشهد أعدادها الكلية زيادة أو تراجعا بسبب تساوي عدد المتاجر المفتتحة مع تلك التي تغلق أبوابها، على الرغم من استمرار أعدادها في النمو لقرابة 4 عقود قبل ذلك، بما يؤشر لاحتمالية تراجع أعدادها مستقبلًا.
وعلى الرغم من التوسع المستمر في التجارة الإلكترونية يبقى للتسوق المباشر «رونق» مختلف حيث إن ثلثي المستهلكين المستخدمين للتسوق الإلكتروني يؤكدون عدم قدرتهم على الاستغناء «نهائيًا» عن شراء السلع بشكل مباشر من آن لآخر، وذلك لرغبتهم في «التواصل البشري» وأيضًا لرفض بعضهم شراء الملابس أو الأجهزة الكهربائية أو حتى بعض أنواع المأكولات دون تجربتها ورؤيتها رؤية العين.
بل تكشف دراسة لـ «بيزنيس إنسايدر» ارتفاع نسبة «المرتجع» «أو السلع التي تُعاد إلى البائع» في التجارة الإلكترونية، ولا سيما تلك التي تتم باستخدام تطبيقات الجوال، بما جعل نسبة الذين توقفوا عن الشراء باستخدام تلك التطبيقات تصل إلى 60% من المستخدمين، بما يؤشر لأن نمو السوق الكبير في المبيعات باستخدام تطبيقات الجوال قد يكون غير مستقر أو دائما أو واضح المعالم بشكل كامل لحين استقرار الخدمة بصورة أكبر.
ويثار التساؤل باستمرار حول ما إذا كان من الممكن أن يفتتح أحدهم متجرًا صغيرًا لبيع الأغذية أو الملابس أو غيرها من سلع بطرق التجزئة التقليدية، في ظل كل تلك التغيرات التي يشهدها القطاع، ليحقق نجاحًا يذكر؟
ووفقا لدراسة لكلية «هارفارد» لإدارة الأعمال فهذا ممكن بعدة شروط، أهمها الاستفادة من الميزة النسبية للمتجر الصغير وهي المرونة الكبيرة الناتجة عن قلة المصروفات، بما يمكنه من عمل عروض كثيرة لسلع يبيعها بأسعار تقترب من سعر التكلفة دون قلق من حسابات التكلفة الثابتة والمتغيرة كثيرًا كما هو الحال للمتاجر الكبرى والتجارة الإلكترونية.
ويستلزم هذا بطبيعة الأمر الانتباه إلى نقطة الضعف الأهم للمتاجر الصغرى وهي محدودية التمويل بما يحتم ضرورة الانتباه إلى ضرورة «تجنب الخطأ» في نوعية السلع التي يستثمر فيها المتجر، لأنه «لا يمكن تعويضه» لمحدودية الموارد.