كيف انتقل الاقتصاد الأميركي من النمو المطرد إلى التهديد بالانهيار؟

طباعة

b_100_56_16777215_0___images_1-2018_E1(89).pngما المعضلة الأهم للرأسمالية؟.. هل هي ظهور الفقر المدقع في بعض حالات، أم الانحياز السياسي الدائم لأصحاب الثروات لما يتمتعون به من نفوذ ولقدرتهم على عمل مشاريع تساهم في النمو، أم أنها غياب العدالة في التوزيع، أم تراجع سيطرة الدولة على الاقتصاد لصالح الأفراد؟
«آلان ناصر» أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة «إيفر جرين» في واشنطن يرى في كتابه «اقتصاد أكثر من ناضج: معضلة الرأسمالية والديمقراطية في الولايات المتحدة» أن مشاكل الرأسمالية تبدأ في الظهور بمجرد أن يحقق النظام الاقتصادي هدفه، أي تحقيق نمو مستمر بأعلى المعدلات، وهو ما حدث من قبل في الولايات المتحدة التي يضرب بها المثال وسيحدث بها مجددًا قريبًا.

«اقتصاد المستقبل»
ويقدم «ناصر» استعراضًا لتاريخ الولايات المتحدة الاقتصادي لتبيان التغير الكبير الذي حدث في بنية الاقتصاد هناك، ويعتبر أن العامل الأساسي الذي تغير وأدى لحدوث اختلافات كبيرة هو الاستثمار.
ففي القرن التاسع عشر شهدت الولايات المتحدة أعلى معدلات النمو الاقتصادي، وعلى الرغم من أنها ليست مسجلة بشكل دقيق، إلا أن «ناصر» يعتبر أنها قد تتجاوز معدلات النمو الصيني القياسية «10-12%»، ولاسيما في فترة التصنيع المكثف بين عامي 1860-1899، والتي شهدت نموًا مدفوعًا برغبة المستثمرين في التوسع بسبب الفرص المتاحة.
وفي تلك الفترة التي يصفها بـ «التاريخية» كان النمو غير مدفوع بالطلب، ولكن بالرغبة في الاستثمار، حيث إن المشروعات كانت تتم قبل الطلب، فشركات الصلب كانت تنتجه بغض النظر عن كم الطلب عليه، وخطوط السكك الحديد كانت تمتد عبر البلاد في استثمار من أجل المستقبل وليس من أجل حصد الأموال بشكل عاجل.
وعلى الرغم من مزايا هذا النوع من الاستثمار على المدى الطويل، إلا أنه لم يخل من مشاكل للمستثمرين أنفسهم، ولعل أبرزها أن نصف الشركات الخاصة المشاركة في بناء السكك الحديدية بعد عام 1860 أفلست بسبب تأخر العائدات، وأن أكثر من ثلث مصانع الصلب أغلقت أبوابها لعدم قدرتها على تصريف منتجاتها التي أغرقت السوق، لأن الطلب لم يواكب معدلات الإنتاج.
ويلاحظ «ناصر» أنه على الرغم من معدلات النمو العالية للاقتصاد خلال هذه الفترة بشكل عام، إلا أنها كانت متذبذبة للغاية، فبين عامي 1867 و1900 مر الاقتصاد بـ199 شهرًا شهد خلالها نموًا، و197 شهرًا شهد تراجعًا، أي أن الأمر كان بمثابة شهر نمو يقابله شهر انكماش، غير أن اتجاه النمو كان الأقوى بشكل عام.

اقتصاد الطلب
وكانت أشهر التراجع بمثابة «آلام النمو الطبيعية»، وفقًا لـ «ناصر»، الذي شدد على أن اقتصار الاقتصاد على الاستثمار المدفوع بالطلب فحسب يقلص من إمكانية تحقيق معدلات نمو عالية، لأن الاستثمار يكون للمدى المنظور، وببساطة فهو الحصول على قروض بأسعار فائدة أقل من معدلات الربح المنتظرة، وتحقيق أرباح تفوق بقية الفرص البديلة للاستثمار في نفس الوقت.
ويختلف «ناصر» في تقدير الأسباب التي أدت لوقوع «الكساد الكبير» في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث نما الاقتصاد بشكل كبير خلال العشرينات قبلها، بسبب ارتفاع إنتاجية العامل بين عامي 1920-1930 بنسبة تقترب من الـ50% لتطور وسائل الإنتاج، حتى أنه في صناعة مثل صناعة السيارات زادت المخرجات بنسبة تقترب من 260% وإنتاجية العاملين بنسبة 96%.
ومع انتهاء الطفرة العارضة في النمو في الإنتاجية لم يعد من الممكن أن تستمر معدلات النمو، لا سيما أن الإنتاج وقتها كان موجهًا للاستهلاك بشكل مباشر، ولم يكن استثمارًا في المستقبل، بل كان استثمارا قصير المدى، وهو ما أدى لحدوث الركود الكبير في بداية الثلاثينيات كرد فعل طبيعي على توقف عوامل النمو عن العمل.
ثم أتى النمو الكبير بين عامي 1933-1937، ولم يكن بسبب الاستثمار أو طبيعته هذه المرة، ولكن بسبب الارتفاع الكبير في الطلب من المستهلكين نتيجة العديد من العوامل لعل أهمها انخفاض الأسعار بسبب الركود لفترة طويلة، وثانيها بعض التغيرات السياسية الإيجابية، وثالثها بدء عجلة الاقتصاد في الدوران بما انعكس على تراجع البطالة وبالتالي زيادة طبيعية في الطلب مع ارتفاع نسب التشغيل.

اقتصاد البنوك
وتحول الأمر مع مرور الوقت من استثمار في المستقبل البعيد إلى آخر في المدى المنظور إلى ثالث آني، من خلال شراء السندات والأسهم والمضاربة فيها، فما الذي أحدث هذا التحول؟