جريدة الشاهد اليومية

عويد الصليلي

عويد الصليلي

الثلاثاء, 20 يونيو 2017

كلنا فاسدون !

في خضم الرياح العاتية للوهم العربي - كما اسماه سمو الأمير حفظه الله ورعاه - كان الجميع من نواب سابقين واحزاب وتيارات سياسية وانصارهم، وجماعة مع الخيل ياشقرا، يصيحون بأعلى أصواتهم مطالبين بمحاربة الفساد، ولكن الكثير منهم كانت مطالبهم بالإصلاح لا تغادر حناجرهم.
وفي كل منتدى وديوانية كلمة الفساد تعلو ولا يعلى عليها، فالجميع متذمر، متسخط، ونظرته للمستقبل نظرة سوداوية، ويصب جام غضبه على فساد الحكومة وفساد الوزراء وكبار التجار الذين يستحوذون على نصيب الأسد من مناقصات الدولة.
لكن الجميع بلا استثناء ينزه نفسه من تهم الفساد التي يوزعونها كيفما يشاؤون؟
وكان هناك من ينتقدني ويصفني -بالحكومي - لاني مدافع شرس عن النظام والذي على رأسه ويمثله سمو الأمير حفظه الله ورعاه، والقضاء، ورجال الأمن،  ولاني من الرافضين وبشدة للفوضى التي أحدثتها المظاهرات والمسيرات!
والسؤال الذي يفرض نفسه على هؤلاء، وكنت أوجهه لهم ومازلت ولا أجد له إجابة؟ هل الفساد مختص بالحكومة والتجار فقط؟  ام انه باب واسع يلج فيه الجميع؟!
معجم أوكسفورد الإنكليزي يعرف الفساد بأنه «انحراف النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة».
وهو تعريف دقيق نستطيع من خلاله معرفة الخيط الأبيض من الأسود للفاسد ومن يشمله الفساد.
فالوظائف العامة تشمل جميع موظفي الحكومة - والحكومة هنا ليس فقط مجلس الوزراء كما يظن الكثيرون - بل تشمل مجلس الوزراء ووزراءه وأكثر من 330 ألف موظف وموظفة يشرفون ويديرون وزارات وهيئات ومرافق الدولة.
فالموظف الصغير الذي يحابي في وظيفته لأجل مصالح مادية أو انتخابية أو غيرها  هو وفقا للتعريف يمارس الفساد!
والموظف الذي يعطل معاملات المراجعين ويتكاسل عن خدمة المواطنين هو فاسد!
والمسؤول والمدير والوكيل الذي يظلم الموظفين من خلال الشللية في الترقيات وسعيه الدؤوب للسيطرة على اللجان والمهمات الخارجية لزيادة مدخوله الشهري هو فاسد.
والتاجر الذي يدفع الرشوة لأجل الحصول على المناقصات ومن ثم يقوم ببيع المناقصة بالباطن لشركات صغيرة غير مصنفة تتسبب بتعطيل المشاريع وتخفق في الإنجاز هو فاسد.
والوزراء حين يجاملون النواب في كسر هيبة القانون، وعند قيامهم بتعيين الوكلاء ومدراء الهيئات عديمي الكفاءة مجاملة ومصلحة لدى أصحاب النفوذ على حساب مصلحة الوطن هم وزراء فاسدون.
والنواب الذين يخالفون القانون ويسلبون حقوق الآخرين عن طريق التوسط لناخبيهم بالباطل، هم والناخبون مشتركون في الفساد.
الأمثلة لا تعد ولا تحصى، فالفساد يعم الجميع، وطريق الإصلاح الحقيقي يبدأ بالفرد نفسه قبل أن يقذفه على الآخرين، فإذا صلح الفرد صلح المجتمع ، وإذا صلح المجتمع صلحت الدولة ونهضت، والمثال واضح وجلي في الغرب.
قال الله تعالى «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»
باختصار.. كلنا فاسدون ما لم نصلح انفسنا.

الغيبة أو ما يسمى محليا بـ«الحش» من العادات السيئة المنتشرة في المجتمعات العربية والخليجية بشكل واضح، وهي سبب رئيسي في تشويه سمعة الناس وإعطاء صورة نمطية سلبية عنهم مخالفة للواقع، ولا يكاد يسلم منها أحد ، فلا تجد شخصا يجلس في مجلس ثم يهم بالخروج حتى توجه له سهام النقد وكشف العيوب دون سبب واضح أو منطق.
وهذا ما حصل معي بالضبط .. ففي احد الايام وأنا متجه إلى مكتبي في جريدة الشاهد، التقيت بالصدفة أحد الضيوف لدى الشيخ صباح المحمد رئيس التحرير، والذي للتو خرج من ضيافة مكتب الشيخ، ليبادرني بالسلام والثناء على برنامجي الذي اقدمه في تلفزيون الشاهد وهو برنامج ديوان الصحافة، فشكرته على حسن الاطراء، ولكنه فاجأني بسؤال مباغت، وقال لي: تسمح لي بسؤال يقرقع بقلبي؟ قلت له: تفضل.
قال: كيف تتحمل العمل مع الشيخ صباح المحمد وهو شخص يكره الدين والمتدينين؟
فصدمني بثقل دمه وجرأة سؤاله!
قلت له: سؤالك يحتاج إلى إجابة شافية ووافية فاسمع لي..
أما أن الشيخ يكره الدين فذلك غير صحيح، وأنا اشهد بأنه رجل يصلي ويحج ويعتمر ويصوم رمضان ويتصدق ويساعد المحتاجين وراعي فزعة، ولا يخلو من العيوب، مثله مثل باقي البشر، فكيف يكره الدين؟
ولكن، نحن نحكم على الأشخاص من خلال السماع فقط دون المعشر والمخبر، وهذا بحد ذاته جريمة وبهتان بحق الناس.
أحرج وتلعثم بالكلام، ثم قال: اقصد انه يكره المتدينين وليس الدين!
قلت له: حتى بهذه لا أسلم لك، فلو كان كذلك لما استمررت انا شخصيا في العمل بمؤسسة الشاهد كل تلك السنوات وأنا أحظى بدعم وتأييد وتشجيع منقطع النظير من الشيخ نفسه، لكن أعتقد أنك فسرت انتقادات الشيخ الإعلامية ضد التيارات الإسلامية بفهم خاطئ، وسأوضح لك ذلك.
صباح المحمد رجل اعلامي وسياسي يتعاطى مع السياسة ويتعامل مع السياسيين ولديه خبرة بالتيارات السياسية سواء إسلامية أو ليبرالية، وأغلب تصرفات تلك التيارات ومنهجها في العمل السياسي الانتهازية والبراغماتية لتحقيق مصالح وأجندات تلك الأحزاب الضيقة على حساب مصلحة الوطن والمواطن.
فرجل الاعلام والسياسة يعرف خفايا الأمور ودهاليز السياسة أكثر من رجل الشارع البسيط.
وبالمثال يتضح المقال، فحينما هل علينا «الخريف العربي» ورياحه العاتية التي دمرت الكثير من الدول العربية وحولت حياة الشعوب إلى جحيم ومآس، تحركت في الكويت مجاميع من النواب السابقين وسكرتاريتهم ومفاتيحهم الانتخابية، الذين تضررت مصالحهم نتيجة صدور مرسوم الصوت الواحد، للدفع بالشباب للنزول إلى الشارع، فكان المحرك والوقود الحقيقي لما سمي زورا وبهتانا كرامة وطن -وهي بالحقيقة «دمار وطن»-  بيد التيارات والأحزاب الإسلامية وخصوصا الإخوان المسلمين وبعض التيارات الليبرالية، والتي ركبت موجة الفوضى وقادتها، فكادت البلاد تدخل في نفق مظلم لولا رعاية وحفظ الله ومن ثم حكمة سمو الأمير حفظه الله ورعاه.
ماذا تريد من الشيوخ، والشيخ صباح المحمد أحدهم، أن ينظروا ويقيموا تلك التيارات والأحزاب والتي كانت تدعم وبقوة المظاهرات والفوضى، وتسب وتشتم النظام وأبناء الأسرة الحاكمة؟
باختصار هناك فرق بين التدين وهو أمر محبوب ومرغوب من الجميع وهو بين العبد وربه، وبين ركوب صهوة جواد الدين على شكل أحزاب وتيارات سياسية لتحقيق أجندات ومصالح ضيقة وهو أمر مرفوض شرعا قبل أن يكون مرفوضا عرفا وقانونا.
قال الله تعالى «ولاتكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون».
نظر إلي وهو يريد الهروب ثم قال: ما شاء الله، لا استطيع مجاراتك اشكرك على التوضيح، فسلم وولى دبره دون ان اعرف اسمه او عمله او صفته.

رسالة شكر:
حينما تحظى الكويت بمقعد في مجلس الأمن بموافقة 188 دولة في الأمم المتحدة تشعر بالفخر والاعتزاز، وتقدم الشكر لله ومن ثم لربان السفينة سمو الأمير حفظه الله ورعاه لجهوده وحكمته التي أوصلت بلدنا الصغير بحجمه، الكبير بأفعاله، إلى مصاف الدول الكبرى.