جريدة الشاهد اليومية

د.علي الزعبي

د.علي الزعبي

الأحد, 19 نوفمبر 2017

وداعاً يحيى الربيعان

غيب الموت رائدا من رواد الثقافة والأدب في الكويت المغفور له بإذن الله الاستاذ يحيى الربيعان، والذي كان له فضل كبير في نشر الثقافة والادب في الكويت والعالم العربي من خلال «مكتبة الربيعان»، التي كان له الفضل في انشائها واستمرارها رغم صعوبات عملية النشر في عالمنا العربي.  لقد كان الاستاذ الربيعان ايضا مؤلفا ذكيا ورصينا وموضوعيا في الكتب التي ساهم بتأليفها في مجالات عدة لعل اهمها مجالات التاريخ والسيرة الذاتية والثقافة.
كانت حياة الاستاذ الربيعان حافلة بالمواقف الوطنية، ناهيك عن تبوئه لمناصب هامة عدة.  ففي عام 1961، واثناء ازمة عبدالكريم قاسم والتي نادى فيها بضم الكويت إلى العراق، انخرط يحيى الربيعان بالجيش الكويتي بعد أن قطع تعليمه الثانوي.  ثم عمل موظفا في مجلس الوزراء بالعام 1964، ثم انتدب للعمل في مكتب سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر الاحمد الصباح في العام 1967، ثم عمل مقررا للجنة الفنون والاداب التابعة لمكتب سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وعند انشاء المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب تم تعيينه رئيسا لقسم الشؤون المالية والادارية، ثم مراقبا للشؤون الثقافية، ثم شغل بعد ذلك منصب المدير العام لمعرض الكويت للكتاب العربي، واستمر مديرا لمعرض الكتاب العربي أحد عشر عاماً بعدها استقال.
سياسيا، كان استاذنا يحيى الربيعان من المنخرطين في التيار الوطني الكويتي،
إذ إنه كان عضوا بارزا في المنبر الديمقراطي الكويتي، فالشأن السياسي المحلي والعربي والعالمي لم يكن أبدا غائبا عن ذهن الاستاذ الربيعان، والذي كانت له اطروحات فكرية متميزة نظرا لما يملكه من عمق في التحليل للاحداث التاريخية سواء الماضية
أو الحالية.  شخصيا، لقد استمتعت لأكثر من مرة بالحديث مع الفقيد الربيعان الذي يعتبر غيابه خسارة كبيرة على المستوى الشخصي والثقافي.
رحم الله استاذنا الكبير يحيى الربيعان، وغفر الله له وتجاوز عنه، وعظم الله أجر أهله ومحبيه، وأحسن الله عزاءهم،
لا إله إلا الله، «إنا لله وإنا إليه راجعون».

الخميس, 16 نوفمبر 2017

نورت بقدومك الدار يا غالي

تزينت الكويت فرحة وبهجة .. بعودة سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الصباح سالما معافى .. نسأل الله العلي القدير أن يمده بالصحة والعافية وأن يطيل بعمره ذخرا وسندا وعضداً لحضرة صاحب السمو أمير البلاد.
الشيخ نواف الاحمد له مكانة خاصة في قلوب الكويتيين .. وهو قريب منهم في أفراحهم وأتراحهم .. فعندما قيل عن تعرض سموه لوعكة صحية ارتفعت الأكف بالدعاء تضرعا الى المولى العلي القدير أن يشفيه ويعافيه ويرجعه سالما.
إن لأبي فيصل بصمات واضحة في مسيرة الكويت السياسية والإنمائية والاجتماعية والثقافية في نهضة الكويت الحديثة، حيث تبوأ العديد من المناصب القيادية والوزارية خلال مشوار حياته، وكان نبراساً للصدق والوفاء وخدمة الكويت وأهلها ولَم يتوان يوما أبدا في تقديم كافة أنواع الدعم والمساندة للكويت والكويتيين وهو ما نلمسه عن قرب من خلال المحبة المتبادلة التي لا تحتاج إلى دليل أو برهان بين الشيخ نواف وأهل الكويت جميعا.
هذه العلاقة المميزة في الكويت بين الحاكم والمحكوم هي التي تجعلنا نتفاخر بين دول العالم جميعا بحكامنا ومحبتهم .. وتجعلنا دائما نبتهل إلى العلي القدير أن يحفظهم ويحرسهم ويحمي الكويت بهم في ظل حمى صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت حفظه الله ورعاه .
لقد كان مشهدا إنسانيا عظيما ومؤثرا حين استقبل سمو الأمير أخاه وولي عهده على باب الطائرة فور عودته من العلاج .. هذا المشهد للتكاتف والتعاضد والمحبة .. هو الذي يعكس تلك الصلابة لمقومات الحكم وديمومته .. سائلين المولى عز وجل أن يحمي الكويت وشعبها وأميرها وولي عهده من كل مكروه.

الأحد, 12 نوفمبر 2017

المنطقة على صفيح ساخن!

الحرب شر وضرر... لا منتصر بها والكل مهزوم، وما هي إلا دمار على النفس والزرع والبناء، وما نتائجها إلا كوارث تبقى جراحها سرمدية الألم في أفئدة الناس.  والحرب ليست نزهة، أبدا لم تكن كذلك في أي حدث تاريخي كبيراً كان أو صغيراً! إنها وباء من نوع آخر، تذبل فيه الارواح حتى وإن كان خفقان قلوبها لايزال ينبض، فهي وباء شرس يقتلك وأنت حي، ويحولك إلى جثة تتغذى الحزن القاتل ليل نهار!  إن الحرب، وفي عز النهار، تجعل من الحياة ظلاماً حالكاً جدا جدا.
دعونا نتحدث بكل واقعية... من يعتقد بأن الحرب امر هين غلطان، ومن يعتقد بأن الحل يكون بالحرب غلطان أيضا.  فالحرب، وكما قال احدهم، «هي كفتح باب غرفة مظلمة لن تعرف أبداً ما الذي سيحصل عند فتح هذا الباب».  ونضيف على ذلك القول إنه من المؤكد أننا لا نعلم ما سيخرج من ذلك الظلام، ولكنه أبدا لن يخرج شيئاً حسناً أو جميلاً، بل ستخرج لنا الاشياء الخطرة والمميتة والمحزنة والمؤلمة، وستتزايد بها الخسائر المعنوية والمادية بكافة أشكالها! ذات مرة قال إلبرت انشتاين: «أنا لا أعرف السلاح الذي سيستخدمه الإنسان في الحرب العالمية الثالثة، لكني أعرف أنه سيستخدم العصا والحجر في الحرب العالمية الرابعة». وهذا معناه أن أي حرب عالمية مقبلة سوف تعود بنا إلى العصر الحجري القديم! والحرب المقبلة إن حدثت فهي، لمن لا يعرف، ستكون حرباً عالمية جديدة وليست اقليمية ومحدودة كما يتصورها البعض!
أفشوا الحب والعلاقات الطيبة والمحترمة بين شعوب المنطقة، ودعوا عنكم «قرع طبول الحرب» التي لن تفيدنا بشيء يذكر.  يقول جلال الدين الرومي: «إنهم مشغولون بالدماء، بالفناء.. أما نحن فمشغولون بالبقاء.. هم يدقون طبول الحرب، نحن لا ندق إلا طبول الحب»، ويقول غاندي: «إننا سوف نكسب معركتنا لا بمقدار ما نقتل من خصومنا و لكن بمقدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل». أتمنى أن نتجاوز هذه المعضلة الخطرة وأن تتجنب المنطقة حرباً سوف تفتك بالجميع ودون استثناء. حمانا الله واياكم من شرور الحروب ومخاطرها ومصائبها وآلامها.

الأحد, 05 نوفمبر 2017

16 مقابل 50 ... وماذا بعد؟!

كثيرون يعتقدون أن مشكلة التشكيل الوزاري في الحكومات السابقة تعود، وبالدرجة الاولى، إلى طبيعة آلية اختيار الوزراء ذاتها والتي تقوم على المحاصصة الفئوية بكافة اشكالها، وهو أمر اختلف معه تماما .. لأن الاشكالية أبدا ليست بطبيعة الآلية ذاتها .. بقدر ما هي اشكالية متجذرة في طبيعة دستور عام 1962 والذي ارتكب فيه المشرع خطأ فادحا في عملية تشكيل السلطة التنفيذية من جهة، وفي طبيعة تعاملها مع مجلس الامة من جهة أخرى. حتى لو يتم اختيار حكومة «تكنوقراط» وبشخصيات ذات كفاءة مهنية ونظافة يد وسمعة طيبة .. فإن الوزارة ذاتها لن تسلم من أي دمار أو ضرر، بل إن سقوطها سيكون اسرع مما نتخيل!
كان على المشرع ألا يذهب إلى خيار الـ 16 وزيراً في مقابل الـ 50 نائبا لأن هذه المعادلة تضعف من قوة السلطة التنفيذية في مقابل السلطة التشريعية من جهة، وتجبرها على الخضوع لمطالب ومتطلبات السلطة التشريعية من جهة اخرى! كان على المشرع أن يلجأ إلى واحد من الحلول التالية:  التوسع في عدد الوزراء كأن يكون عددهم 25 وزيرا بدلا من 16، أو رفع عدد الوزراء إلى 20 وزيرا شريطة أن تكون نسبة توزير النواب في مجلس الوزراء لا تقل عن 50 % من عدد اجمالي الوزراء، أو كان على المشرع إجازة نظام الاحزاب الوطنية ومنح الحزب الفائز بالاكثرية النيابية حق تشكيل الحكومة.  أو أي حل آخر .. كان من شأنه أن يحل هذه الاشكالية.  وطالما أن المشرع لم يفعل ذلك فإنه يفترض اللجوء إلى عملية تنقيح جزئية لهذه المسألة وبأسرع وقت.
قد يتفق البعض منكم أو يختلف معي في الرأي سالف الذكر، وهذا حق ولا ضير فيه.  إن ما يشغل بالي هو أن «مشكلتنا» السياسية، وخاصة فيما يتعلق بالصراع الحكومي-النيابي، ستظل كذلك ما حيينا، ولن يكون هناك حل لها مهما كانت النوايا طيبة وحسنة.  يزعجني كثيرا من يعتقد أن «النوايا» ذاتها هي التي تحدد طبيعة العمل السياسي وتضمن استقراره أو عدم استقراره، وهذا امر فيه تجاهل شديد للمعايير الصارمة التي هي بالعادة ما تضبط طبيعة العمل السياسي وتجنبه مخاطر المزاج السياسي سواء من تيارات سياسية أو من السياسيين ذاتهم أو من الشارع.  فالمعايير الصارمة في الولايات المتحدة الاميركية مثلا هي التي لا تزال تحمي الرئيس ترامب من مزاج السياسيين أو مزاج الشارع الاميركي، رغم وجود توجه عارم ضد الرئيس ذاته.  وهذا للاسف ما نفتقده في الكويت.
مهما كان شكل حكومة سمو الشيخ جابر المبارك السابعة .. فإن خطر عدم استمراريتها يظل واقعا وليس هاجسا فقط .. وبالتالي سنعود مرة أخرى إلى المربع الاول .. والذي سيتمثل مستقبلا في حل للبرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة والتي سيظهر معها تشكيل جديد للحكومة، وهكذا ستظل الكويت تدور في دائرة حل البرلمان والحكومة كل ثمانية أشهر .. وكأن المسألة اشبه بدوري كرة قدم .. وللأسف!!

الخميس, 02 نوفمبر 2017

إعادة تشكيل الفرد

في جميع المجتمعات الانسانية، سواء في الشرق أو الغرب، دائما ما يكون هدف السلطة السياسية يتمحور حول تشكيل الفرد بما يتماشى وأهداف وغايات وسياسات ورغبات هذه السلطة.  ويبدو أن هذا الامر لا يعتبر امرا طارئا في تاريخ البشرية، وإنما هو نزعة يعود تاريخها لآلاف السنين، ومن الممكن ملاحظة ذلك في إلياذة هوميروس الاغريقية والتي هي في الاساس تأصيل وتأسيس للطبيعة الاجتماعية والسياسية والاخلاقية للفرد ذاته في المجتمع الاغريقي!  وشخصيا، أرى أن هذا الامر هو المهمة الاساسية لأي سلطة سياسية، ولكن بالمعنى الايجابي لعملية «تشكيل الوعي» وليس بالمعنى السلبي لها.  فنحن لسنا بالطبع مع السلطة السياسية التي تستهدف في سياساتها خلق «الانسان الهش»، والضعيف، والساذج! كما كان يفعل مثلا نظام «ستالين» في الاتحاد السوفيتي السابق.  فالانسان الروسي في تلك الحقبة تم تهيئته نفسيا واجتماعيا على الاعتراف بارتكاب أي جريمة تدعيها السلطة عليه لأنه لا خيار له سوى التعذيب حتى الموت!! وبالتالي يرى العديد من الباحثين النفسيين في روسيا الحالية أن «تشكيل الوعي» في حقبة ستالين ساهم في خلق الفرد «الهش» الذي يخشى من كل شيء في حياته اليومية.
طبعا هذا النوع من انواع «تشكيل الوعي»، والتي اعتبرناها امرا سلبيا، هو النوع المرفوض لأنه لا يصنع الانسان الجيد والقادر على المساهمة في صناعة تطور مجتمعه. أما النوع الايجابي من «تشكيل الوعي» فله امثلة كثيرة حدثت على مر تاريخ الانسانية في السابق والحاضر.  فالاسلام عندما برز ارتكز في عمليات التنشئة الاجتماعية على مفاهيم هامة جدا تمثلت في «العدالة» و»«المساواة» و«العلم» و«احترام الاخر» وغيرها، وما كانت «قيم» الطاعة إلا لله سبحانه وتعالي.  هذه المفاهيم والقيم هي التي اوصلت الاسلام إلى مشارق الارض ومغاربها، ومع تراجع هذه المفاهيم والقيم، واستبدالها بمفاهيم التوحش وقيم المادة والتي تختفي بها الرحمة والانسانية، سرعان ما تحولنا إلى مجتمعات متخلفة متصارعة لا فائدة منها على خريطة الارض!!
إن علينا في الكويت أن ننتبه إلى اهمية «تشكيل الفرد» الآن وقبل أن يفوتنا قطار هذه الفرصة الهامة، فالانسان الكويتي المعاصر تم تشكيله وللاسف وفق مفاهيم وقيم ليس بمقدورها أبدا خلق الانسان المفكر والمبدع والمنتج!! إن ثقافة النفط خلقت الانسان الممتلئ بـ «الربادة»، والذي استقرت حياته على «طلب» ما يحتاجه من «ماما حكومة»، وبالتالي دائما ما نجده يعارض ويوالي «ماما حكومة» حسب ما تقدمه له أو ما تحرمه من قائمة المتطلبات التي يقدمها بين الفينة والاخرى.  هذا النوع من الانسان لن يستطيع الصمود في عالم الغد، والذي لن يكون للنفط فيه دور مؤثر، وبالتالي فإن إعادة صناعة «تشكيل الفرد» الكويتي لتعد امرا هاماً وضروروياً.  والذي يفكر في صعوبة هذا الامر نقول له انظر إلى تجارب اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وغيرها، والتي نجحت بتغيير واقعها السيئ إلى واقع يعد مضرب مثل على مستوى عالم اليوم!! وضعنا بالكويت افضل بمليون مرة من وضع اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا عندما بدأت كل واحدة منها في مشروعها البنيوي الحضاري والانساني، ولا اعتقد أن في الامر صعوبة مطلقا، ولن يرى صعوبة هذا الامر سوى المستفيدين من الواقع المعيش أو أولئك الذين لا يملكون القدرة الذهنية والعملية على منافسة الاخرين.

الأحد, 29 أكتوير 2017

مشكلتنا في «غياب الوعي»

تعرف الباحثة غادة الحلايقة «الوعي» على أنه تعبير عن حالة العقل في حالة الإدراك، وعلى تواصله المباشر مع المحيط الخارجي عن طريق نوافذ الوعي المتمثلة بشكلٍ عام بحواس الإنسان الخمس. إضافةً إلى هذا فإنّ الوعي يمثّل الحالة العقليّة للإنسان، والتي تميّزه بملكات المحاكمة المنطقيّة الذاتيّة، والقدرة على الإدراك الحسّي للعلاقة التي تربط الكيان الشخصي بمحيطه الطبيعي. أما الفيلسوف يوهان فريدريك هيربرت فقد وصف حالة الوعي على أنها الحالة التي تتصف فيها الأفكار بالكثافة أو الجودة، ويمكن للأفكار أن تنهي بعضها أو تعمل على دعم وتسهيل بعضها البعض، كما يمكن للأفكار أن تنتقل من حالة واعية «واقعيّة» إلى حالةٍ مزاجيّة لا إراديّة «لا وعي»، ويوجد خطٌ فاصل بين كلتا الحالتين يسمّى «عتبة الوعي». ويبدو والله العالم.. إنا في الكويت، وفي العقد الاخير، كنا ولا نزال «نتمرجح» بين حالة اللاوعي وعتبة الوعي!!
بالفعل نحو «متمرجحون» وغير «موزونون» في حالة الوعي التي نعيشها، فلا نحن نعلم ماذا نريد .. ولا نعلم –ايضا- ماذا لا نريد؟ ويمكن القول إننا –جميعا وبدون استئذان- نعاني من طول الوقوف على «عتبة الوعي»، ودون أن نصل إلى مرحلة تجاوز هذه العتبة، ويبدو أن الوضع سيستمر هكذا، وقد يكون أسوأ في المستقبل مع «القوقليون» الذين – وكما طالب أحدهم من احد وزراء التربية- لماذا تدرسوننا جدول الضرب ولدينا الآلة الحاسبة؟! واردف قائلا.. تسألوننا عن قصيدة امرؤ القيس وبامكاننا ان نحصل عليها من غوغل بأقل من 5 ثوان! هذا الجيل الجديد قد –والعياذ بالله من رجم الغيب- يجعلنا نتسمر على «عتبة الوعي» حتى يرث الله ما على الأرض!!
إن الخروج من أزمتنا يحتاج إلى بناء قيمي جديد من شأنه أن يتغلل إلى ذهن الافراد ليؤسس وعيا جديدا من شأنه أن يجعلنا نفهم ذواتنا أولا.. وندرك محيطنا ثانيا، حتى نكون قادرين على تحديد ماذا نريد في هذه الحياة.  وبالطبع لا يمكن لهذا البناء القيمي أن يحقق نجاحا إن لم يكن هناك تناغم شديد بينه وبين المناهج التربوية والسياسات الاعلامية في الدولة.  هذا المثلث هو حجر زاوية خلق الانسان الجديد الذي يختلف في سلوكياته ونزعاته ورؤاه عن الانسان الذي يعيش فينا والذي لا جدوى منه، والله من وراء القصد!

الخميس, 26 أكتوير 2017

مجموعة «بشر»

في حياتي التي وصلت إلى منعطف الخمسين عاماً.. مررت بمواقف عدة تتعلق بأصلي وفصلي.. ومن أين أتيت وكيف تشكلت.. وهلم جرا.  ففي رواية أميركية، وبعد أن تلقيت رسالة في العام 1997 من «شركة» أميركية تدعي أنها تملك اوراق ادارة الهجرة الأميركية في نيويورك قبل اكثر من مئة عام، وإن من يريد أن يعرف «اصله» عليه ارسال فقط 20 دولاراً.  ولأنني «عبثي» بطبعي.. ارسلت لهم المبلغ، ووصلني بعدها بأقل من اسبوعين شهادة منشأ اسرة «الزعبي»، والتي تعود اصولها إلى ويلز! وفي مطار مدريد في العام 2001، ادعت امرأة من نيجيريا، بعد ان اتت للسلام علي وهي فرحة جدا، بأنني من اصول فرعونية وقالت إنها هي من كان يعتني بي عندما كنت فرعونا صغيرا، وأن هذا الامر حدث قبل 6000 سنة بالضبط!! ولم يتوقف الامر عند هذا.. ففي العام 2014 قال لي رجل مسن في مدينة ماسترخت «هولندا» -وهو غاضب جدا - شيئا لم أفهمه.. فقال لي بائع الآيس كريم: انه يقول: لماذا عدت لمكان أنت وعائلتك مطرودون منه منذ زمن طويل؟!
طبعاً، هذه القصص لها جانبان.. جانب مادي يتمثل في حالة الخداع التي تمارسها بعض الشركات بقصد إيهام الناس بتتبع جذورهم الاجتماعية.. وهي مشكلة يعاني منها «الغرب» عامة.. وتجد لها صدى واسعا بين قطاعات الشعب، بغرض الاشباع النفسي والذاتي.  وجانب عقائدي منتشر بين الديانات الوثنية، إذ تدخل هذه الحالة تحت مسمى «الريا-كارنيشن» «البعث»، والتي تعني في الميثالوجيا اليابانية القديمة عودة الشخص للحياة بعد مئات أو آلاف السنين مرة أخرى.  وتكون طبيعة العودة «هوية الشخص ومكانته الاجتماعية» مرتبطة بما كان يفعله في حياته السابقة.  فإذا كان طيبا، ويضحي من اجل الامبراطور والشعب والمجتمع، فإنه يعود على هيئة افضل، وإذا كان فقيرا.. يعود على هيئة أمير أو غني.  وهناك طبعا تفسيرات اخرى تختلف باختلاف الثقافات الانسانية!!
طبعاً، رغم أنني لا أؤمن بمثل هذه الخزعبلات.. إلا أنني أرى انها تعكس شيئا من المتعة الفكرية خصوصاً وأنها تجعلنا نتبحر أكثر في مثل هذه الاعتقادات وأبعادها الثقافية. ولكنني في الوقت نفسه أتمنى ألا يخرج لي رجل أو امرأة ليقول لي: متى أتيت من كوكب عطارد؟!

الأحد, 22 أكتوير 2017

شكراً مرزوق الغانم

ما قاله رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم في البرلمان الدولي ضد الوفد الإسرائيلي، والذي تسبب في خروج الاسرائيليين من القاعة تحت تصفيق معظم الحضور، هو قول يمثل معظم أهل الكويت، ومعظم أهل الخليج، ومعظم العرب والمسلمين.  أما القلة من الكويتيين والخليجيين والعرب الذين ازعجهم كلام الغانم فهو أمر متوقع جدا , فقد قال الشاعر السعودي الكبير خلف بن هذال ذات مرة: «من بد صهيون... بذتنا صهاينا»! وما أكثر «صهاينتنا» هذه الايام.
إن اسرائيل دولة احتلال وستظل كذلك ما حيينا، وإن فلسطين عربية وستعود بمشيئة الله لأهلها يوما ما، وما الاسرائليون إلا خصوم حتى يوم الدين .. وما الفلسطينيون إلا اخوة لن نحيد عن نصرتهم أبدا.  إن نصرة فلسطين واهلها هو دين في رقبة كل عربي ومسلم, سواء في جهاد جسدي أو مادي أو لفظي,  ولذلك كتب علينا كعرب وكمسلمين الايمان بأهمية وضرورة «صراعنا» مع العدو الصهيوني حتى وإن كانت اثاره أكثر ضررا علينا في الوقت الحالي! وما عداوة الصهاينة إلا أمر تربينا عليه من قبل الاباء ونقلناه للابناء والذين سينقلونه للاحفاد وهكذا حتى يوم الدين.
أما من يسمون ما فعله مرزوق الغانم بأنه «تهور عاطفي» ونزعة «قومجية» أكل عليها الدهر وشرب، وغيرها من العبارات التي تدل على ارتفاع درجة «الصهينة» في عالمنا العربي والاسلامي بين بعض المثقفين والساسة، فأقول لهم: ليكن موقفكم كما تشاءون,ولكن التفاعل الايجابي من قبل الكويتيين وملايين العرب والمسلمين مع ما قاله الغانم يعكس  ما في قلوب الجميع من تضامن شعبي عارم مع قضيتنا الاولى دائماً .. القضية الفلسطينية، والتي لن نتوقف أبدا عن دعمها ومساندتها ما حيينا.
شكراً أخي مرزوق فقد كان موقفك موقفا مشرفا لنا جميعا, للكويت ولشعبها خاصة وللعرب عامة . وهو موقف لا يستطيع أن يقوم به الكثيرون ممن انتقدوك، والذين أعتقد أن شجاعة موقفك اصابهم بألم وحسرة . لأنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا ذلك لا في العلن ولا في الخفاء!

الخميس, 19 أكتوير 2017

الانحراف الصحي

التقى لينين بمجموعة من الشعراء الشباب فسألهم: هل تقرأون للشاعر بوشكين؟ فردوا –وبطريقة تنم عن الغضب- إنه برجوازي ونحن لا نقرأ إلا لشاعر الثورة مايكوفسكي، فرد عليهم: أنا افضل بوشكين الشاعر على مايكوفسكي الشاعر. في هذا الصدد، يقول سعد رحيم في كتابه «المنطقة المحرمة»: هذا ما تفعله الدوغمائية بالحس الجمالي النقي! إن الاندفاع حول ومع المعتقد «فكرا، دينا، سياسة» وأدواته «المفكرين، الشعراء، رجال الدين، الساسة»، دائما ما يكون هدفا للمسيطرين سواء كانوا يمثلون سلطة سياسية أو جماعة حزبية أو فكرية أو فرقة طائفية أو قبلية، وبقصد السيطرة على «العامة» لإسقاطها في مستنقع «الدوغمائية».  والدوغمائية، لمن لا يعرفها، هي التعصب لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته، أو كما هي لدى الإغريق الجمود الفكري. باختصار، هي التشدد في الاعتقاد الديني أو المبدأ الأيديولوجي، أو موضوع غير مفتوح للنقاش أو للشك.
وأرى أن قراءة الآخر المختلف لنا – فكريا، دينيا، ثقافيا، سياسيا- هي نقطة مفصلية في تطوير افكارنا وتوجهاتنا.. وقد تخرجنا من وهم قداسة ما نحب ونفضل. بل قد تجعلنا نطور من افكارنا الذاتية أو الجماعية لما هو افضل واحسن.  بل إن الاختلاف الثقافي، وكما وسمه بعض الانثروبولوجيين، هو الذي ساهم –وبصورة سريعة- جدا في تطور حياة الانسان. يذهب جوردن تشايلد، مثلا، إلى أن التقاء بعض الاعراق الانسانية في فلسطين وسيناء للحصول على الغذاء الوفير من هجرة الحيوانات من افريقيا إلى اوروبا وآسيا  والعكس... قد ساهم في تحول الانسان من نمط استهلاك الغذاء الذي يوجد في البيئة إلى نمط انتاج الغذاء، وهو ما ساهم فيما بعد في استقرار تلك الجماعات في سنة 13000 قبل الميلاد، ومع الاستقرار نهضت الحضارة الانسانية بسرعة البرق.
كما لا ننكر ايضا أن انحراف الذهن عن الطرق المعتادة.. قد يفتح المجال لخلق آفاق جديدة غير مطروقة من ذي قبل. ونحن هنا نتحدث عن «الانحرافات الايجابية» التي يكون جل مقصدها البحث عن الافضل للمجتمع والانسان .. وليس ذلك الانحراف السلبي الذي دائما ما يكون مقصده البحث عن «الاثارة» وزعزعة استقرار المجتمع وخلق حالة من التراجع الفكري والاجتماعي والاقتصادي، وهكذا.  رغم أن بعض الانحرافات السلبية قد تنتج عنها فوائد جمة.
اقرأوا للغير، واطلعوا على ثقافات الغير، واستوعبوا قيم الغير، ثم اخرجوا منها بما هو لصالح الانسان والمجتمع.  أما إن استمررتم في دوامة الانعزال والانغلاق، وفي تصوير الآخر على انه خطر جم... فلا تغضبوا إن اصبحتم في ذيل قائمة الأمم.

أبداً لست ضد استخدام أداة الاستجواب، والتي هي حق اصيل لكل نائب، ولا يمكننا الاعتراض على اداة نص عليها الدستور صراحة، وعلى اهميتها في اصلاح عمل السلطة التنفيذية.  إلا أن هذه الاداة القيمة قد تم «اضعافها» في السنوات العشرة الاخيرة بسبب سوء الاستخدام وبقصد «الابتزاز» من قبل بعض النواب ولتحقيق مصالح خاصة! ولم تكتفِ هذه الفئة من «النواب» في تسطيح أداة الاستجواب، بل انهم تمادوا في «توسيع» دائرة الابتزاز من خلال هذه الاداة الدستورية، إذ أنهم طوعوها لصراعاتهم «النيابية- النيابية» بسبب خصوماتهم الشخصية مع بعضهم البعض، أو لحماية طرف حكومي مقرب من النائب ذاته.
عندما نرى مثل هذا «التعاظم» في سوء استخدام أداة مهمة مثل أداة الاستجواب، وعندما يتحول الدستور والبرلمان إلى «ساحة» للتصرفات النيابية غير الجيدة، فإن توقع حالة «التشريع» المستقبلية لن تبشر بالخير مطلقا.  لقد وجد البرلمان للرقابة والتشريع، وبالتالي فإن تحول هذا المتنفس «السياسي الشعبي» إلى حلبة «مصارعة» للمصالح الشخصية وغير الوطنية، يعد مؤشرا خطيرا للتراجع الشديد في حياتنا السياسية والاقتصادية والخدماتية، وهو وضع يصعب فيه المطالبة بالتعليم الجيد والصحة الجيدة والرخاء الاجتماعي السليم. 
إن الكويت بلد يعتمد اقتصاده وبنسبة 95 % على النفط، وفي ظل تراجع القوة الاقتصادية للنفط، فإن البلد يعيش الآن في «قلق وكأن الريح تحته»!! فالوضع الاقتصادي في الكويت مقلق جدا بسبب الاعتماد الشامل على النفط والذي يعتبر «مصدر ناضب»، في الوقت الذي يفتقر فيه البلد إلى سياسات ناجعة بمقدورها تحقيق بعض  من التنوع في مصادر الدخل! وطالما أن الحكومة مشغولة في «تضبيط» ربعها من نواب وتجار وسياسيين لضمان سلامتها، وطالما أن النواب يتصارعون فيما بينهم ولمصالح شخصية غير دستورية ووطنية، وطالما أن الاستجوابات ذات غايات ذاتية لا علاقة لها بقضايا لا تهم البلاد والعباد، فإن التطورات التنموية ستظل حبيسة الادراج والاحلام، وستستمر حالة البلد في الدوران في حلقة مفرغة دون أي تطور يذكر... إلى ان يقضي الله أمراً كان مفعولا.

الصفحة 1 من 19