جريدة الشاهد اليومية

الشيخة حصة الحمود السالم الصباح

الشيخة حصة الحمود السالم الصباح

الإسراء والمعراج لم يكن مجرد حدث تاريخي عابر محاط بالخصوصية من المولى سبحانه وتعالى بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن هو حدث استثنائي فريد مليء بالدروس والعبر الملهمة للناس جميعا ولنا كمسلمين بالتحديد وخاصة في أيامنا هذه التي نعيش فيها نكسة حضارية واخلاقية لا تليق بخير أمة أخرجت للناس.
والحقيقة ما أحوجنا لأن نحتفل ونستلهم دروس الاسراء والمعراج لاعادة الروح لجسد قد جيف من فرط التفريط في نعم الله وفضله علينا وقد أصبحنا فرقاً وطوائف لا يقبل بعضنا البعض فضلا عن عدم قبول الآخرين بالطبع من أتباع الديانات الأخرى، ولا شك أن صلاة رسولنا الكريم بجميع الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى هي لتأكيد المعنى الحقيقي للرسالات السماوية بعبادة الله وحده لا شريك له ولكي يقوم الناس جميعا بالقسط والعدل والتراحم والتعارف فيما بينهم وعمارة الأرض واقامة خلافة الله عليها ليست خلافة على طريقة مجرمي التنظيمات المتطرفة حيث القتل والتفجير وهدم الانسان بنيان الرب ولكن خلافة الله في الأرض هي منهج ترقي لبنيان الله في الأرض وهو الانسان حامل الأمانة.
في ذكرى الاسراء والمعراج علينا أن نتذكر المغزى والهدف من هذه الرحلة الأرضية السماوية حيث الترقي في منازل وعلى درجات القرب من الله سبحانه وتعالى أو كما يقول السلف الصالح أن الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق وبما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قمة هرم الموجودات وأحب خلق الله اليه كانت الرحلة على قدره ومقداره العظيم والتي علينا جميعا أن نتدبرها ونفر إلى الله في هذه الأيام المباركة ونتوب ونعود اليه قبل فوات الأوان.
من المؤسف أننا لا نزال في هذه المحنة التي نعيشها حيث انتشرت ثقافة الارهاب والقتل والتفجير وحيث لا حرمة للأشهر الحُرُم ولا لدور العبادة ولا حرمة للنفس البشرية وأصبحنا وأمسينا في خطر عظيم، هي محنة وبلاء نحتاج فيها للحكماء والمفكرين والمستنيرين من رجال الدين وأصحاب الفضائيات وإعلاميين كبار أن ينتفضوا لوقف هذه الجرائم التي ترتكب باسم الدين تارة وباسم المذهب تارة أخرى والحقيقة أنه قتال وتآمر من أجل الهيمنة السياسية وصراع النفوذ على الثروات فقط لا نرى إلا سيلاً من الأكاذيب التي لا يتوقف عند حد بل يزيد الفتق على الراتق وتتضاءل فرص الأمن والسلام في المجتمع الدولي وخاصة في الشرق الأوسط.
في ذكرى الاسراء والمعراج فرصة أن ينهض المسلمون من سباتهم ويستلهموا الأخلاق المحمدية في التعامل مع من يخالفهم في العقيدة لأن الدين لله والأمن والسلام والحرية للجميع تحت مظلة انسانية تليق بالرسالة العالمية للإسلام وهي الرسالة التي خذلها المسلمون منذ زمن بعيد حينما انسحبوا من عملية صناعة الحضارة وتطبيق دينهم بحق في الرحمة والعدل والمساواة بل وحتى فشلوا في الوحدة فيما بينهم واستبدلوا رسالتهم العالمية برسالة مذهبية اقصائية حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وأصبح كل حزب بما لديهم فرحون، بالله عليكم كم من مناسبة عظيمة وفرصة تمضي ولا تعود أضعناها في العودة إلى الله وتقواه حق تقاته.
لماذا هذا الصد عن سبيل الله حتى أصبح العالم ينظر إلى الإسلام من نافذة من أساؤوا اليه، لماذا نصر على أن نحمل أبناءنا في المستقبل فاتورة باهظة الثمن لا لشيء إلا لكي ننتصر لمنهج شيطاني في الفرقة والبغضاء، إنه من المحزن أن نرى أتباع الأديان الأخرى تركوا صراعاتهم منذ زمن ولم يتبق إلا المسلمون يتقاتلون وهم خير أمة أخرجت للناس، لهدايتهم،ليكون أصحاب الرسالة العالمية قدوة للناس جميعا، لماذا هذا الكبر والعناد والتقليد الأجوف والتمرد بلا قضية حقيقية نافعة، وماذا ننتظر من نتائج لهذا الصراع والدمار الذي سيحرقنا جميعا بلا استثناء.
الحقيقة أنه لا سبيل لنا في النجاة إلا باستعادة الإسلام المحمدي القرآني وأن نترك الصراع المذهبي البشري التراثي التاريخي، علينا أن نستغل هذه المناسبة العظيمة وهذه الأيام المباركة لنستدرك ما فرطنا فيه وأن نفتح صفحة جديدة يكون عنوانها «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، فالناس صنفان أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، لا نريد أكثر من ذلك.

مشكلة العمالة  الزائدة من الوافدين أو كما تسمى العمالة السائبة أو الهامشية مشكلة حقيقية وأزمة تتزايد مع الوقت ولا شك انها تؤثر على التركيبة السكانية ليس للكويت فقط ولكن في دول خليجية أخرى مستقبليا.
ولكن حقيقة لم تعجبني الطريقة التي يتم بها نقاش هذه المشكلة في مجلس الأمة وبعض الوسائل الإعلامية والتي تعودنا منها دائما تحميل المشكلة للوافدين وانهم سبب الأزمة باستثناء بعض الحكماء في بلدنا الحبيب والذين انصفوا الوافدين بواقعية نحن جميعا نعيشها، لأن هؤلاء الوافدين متواجدون بطريقة قانونية وليس من العدل ان يدفعوا فاتورة تجار الإقامات من المواطنين الذين يتكسبون رزقهم بالتحايل على القانون واستغلال ثغراته، فضلا عن ان الوافدين جميعا يقومون بأعمال مقابل أجر ويدفعون من قوتهم للإقامة والتأمين الصحي والسكن والمواصلات ويقومون بأعمال لم ولن يفكر المواطن حتى في عملها.
 لذلك اذا أردنا حل المشكلة فيجب علينا أن نحدد بدقة موطن الخلل ومصدر المشكلة لكي نعالجها تماما، فالعمالة السائبة هي عرض لمرض الطمع والجشع لتجار تأشيرات العمل وعلينا ان نبحث في حلول سريعة وحاسمة لتغيير وتعديل بعض القوانين الخاصة باستقدام العمالة الوافدة حتى وان لزم الأمر إلى وقف اصدار تأشيرات العمل لبضع سنوات لترتيب الأمور داخليا وتفعيل دور الرقابة وتطبيق القانون بصرامة بالسجن والغرامة المشددة على هؤلاء المتاجرين بأمن واستقرار الوطن.
اما اذا انتقلنا إلى مشكلة البطالة فأيضا هي من المشاكل التي يتم النقاش فيها بطريقة سطحية وساذجة امتدادا لمشكلة العمالة الزائدة وهي مناقشة بعيدة كل البعد عن طبيعة المجتمع الكويتي وثقافته المعيشية، لأننا جميعا نعلم أن العمل ثقافة وارادة واختيار وليس سد فراغات، فما الفائدة التي تعود على الوطن من مواطن يأخذ راتباً لكي لا يصبح عاطلا، هذه مسكنات وليست حلولاً.
المسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطن، ولا يوجد تنسيق وضبط لحاجة سوق العمل الكويتي من الخريجين، والسؤال هنا للحكومة: أين الخطة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لشباب الخريجين؟ وهل تعتقد الحكومة ان الشركة الكويتية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة تقوم بهذا الدور على النحو المطلوب؟ ولماذا لا نأخذ الأمور بجدية وتخطيط ونستعين بخبراء في الأمور الفنية والادارية والتسويقية من دول تقدمت اقتصاديا بفضل هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة مثل كوريا الجنوبية والهند وايطاليا على سبيل المثال؟ وندرِّس لأبنائنا الطلبة هذه التجارب في المرحلة الثانوية وفوائدها على الفرد والدولة، ونعلمهم ان عدم وجود حافز وهدف للمستقبل يجعلهم فريسة للاكتئاب والاحباط ورفقاء السوء.
 ان سياسة ذر الرماد في العيون أو دفن الرؤوس في الرمال من الحكومة والتي تقابلها سياسة الصياح وحب الظهور من تيار المعارضة لن تخدم وطننا في شيء بل تعقد الأزمات وتبعدنا عن الحلول الواقعية والمنطقية التي يجب أن تتم بدراسة ومنهجية علمية بعيدا عن النعرات الطائفية والحزبية والقبلية، نحن فقط نحتاج إلى جرأة في التخطيط العلمي المدروس ثم التنفيذ، لأن الأيادي المرتعشة والقرارات المهتزة لن تبني مستقبلاً لوطن.
 

السبت, 25 مارس 2017

كونوا مع الصدق صادقين

جوهر الحياة وقيمتها يكمن في المثل والمبادئ الأخلاقية العظمى, فلا حياة بلا قيمة سواء أكانت مادية أو معنوية ولكن ثمة فارقا كبيراً بين القيم المادية والمعنوية لصالح الأخيرة بالطبع .
ولن ندخل في التفاصيل واتساع الهوة بينهما فحتما كل ما هو مادي إلى فناء وكل ما هو معنوي إلى بقاء، تفنى المادة ولا يفنى المعنى، بقاء المعاني والقيم الأخلاقية هو السر الساري في جسد الأمة والمجتمع الواحد ويصدق احمد شوقي في قوله «إنما الامم الاخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا».
ولعل أعلى وأرفع القيم الأخلاقية وأكثرها فاعلية وترجمة على أرض الواقع هي قيمة «الصدق» وهي جوهرة تاج القيم الأخلاقية والإنسانية وهي التي بها يتقوم الاعوجاج في كل شيء، يقول النبي صلى الله وعليه وسلم  «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا».
وللصدق معاني ودرجات وتفصيلات أكبر لا يدركها إلا أصحاب الذائقة المعرفية الإيمانية من الصالحين فالصدق لديهم هو ألا يكذب اللسان والصديقية هي ألا يكذب القلب بمعنى أن الكذب لا يخطرعلى قلوب من هم موصوفين بالصديقية.
وإذا نظرنا الى عظماء كل أمة من فلاسفة ومفكرين وقادة سياسيين واجتماعيين وإلى هذا الكم الرهيب من الإنجازات التي حققوها علميا وسياسيا واجتماعيا نجد أن قوة الدفع لديهم لتحقيق ذلك في زمن طال أو قصر هو الإيمان بالله والصدق والثقة بالنفس وهو الذي يجعل هؤلاء الصفوة من البشر في خدمة البشرية في كل زمان ومكان.
ونحن وإذ نتربع في زمننا هذا على قمة الهرم المعرفي وذلك بفضل تكنولوجيا المعلومات الحديثة وهذا الكم الضخم من الإنتاج الثقافي والعلمي نتعجب من بعض العلماء القدامى كابن النفيس وابن سينا وابن تيمية وابن حيان والرازي وأئمة الفقه والحديث والفلاسفة كيف قاموا بتصنيف هذا الكم الرهيب من المصنفات في ظل ظروف وإمكانيات ووسائل بسيطة ومحددة ولا أجد تفسيرا لذلك إلا انهم صدقوا مع الله ومع أنفسهم والإيمان بقدراتهم على تحقيق ما صدقوا فيه،وهو درس قوي لكل كسول عن معرفة ذاته بأن الصدق هو المنهج الحق والأوحد للنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة.
ونختم مقالنا عن قيمة الصدق وهو كلام لا ينتهي بمقولة لثابت بن قرة «الصدق ربيع القلب وزكاة الخلقة وثمرة المروءة وشعاع الضمير»، جعلنا الله وإياكم من الذين يتبعون أحسن القول وأن يرزقنا الصدق قولا وعملا وأن يثبتنا بالكلمة الصادقة الطيبة والعمل الخالص لوجهه الكريم.

الأحد, 19 مارس 2017

الأم.. الكأس المقدس

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم مبينا مقام ورفعة شأن الوالدين «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ اِلاَّ اِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَانًا اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» صدق الله العظيم، وكذلك الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة والتي تحض على برالوالدين والاحسان لهما وما ينتظر بار والديه من الثواب والأجر العظيم عند الله جل وعلا، والحقيقة أنه لا يسعنا المقال لذكر كل الآيات والأحاديث والمواعظ والحكم في بر الوالدين وخاصة الأم والتي يحتفل العالم العربي بعيدها في أول ايام فصل الربيع 21 مارس من كل عام.

ولكن يبقى السؤال الأهم،  هل نحن حقا نشعر بهذه القيمة والمكانة للأم في قلوبنا طوال العام كما ينبغي وكما يجب أن يكون؟. هل نحن نحب الأم ونقدرها ونعلم حقوقها علينا وتضحياتها بلا قيد أو شرط لهذا الحب؟
في الواقع وللأسف الشديد هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في مخيلتي بعد أن انتشرت ظاهرة عقوق الوالدين وخاصة عقوق الأم وهي ظاهرة خطيرة تهدد بنسف القيم الأخلاقية وتنزع الرحمة من القلوب ويتحول معها المجتمع من مظاهر الرحمة واللين إلى القسوة والغلظة، وكارثة عقوق الوالدين ليست شأنا خاصا كما يتوهم البعض ولكنها جريمة مستمرة في حق الوفاء وصلة الرحم وكل مظاهر التماسك الأسري والمجتمعي والتي تكون لها تبعات خطيرة على المجتمع بأكمله، ولذلك صدق قول الشاعر حافظ ابراهيم في بيته الشهير عن فضل الأم «الأم مدرسة اذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق» الأم لا تحتاج يوما كل عام لتكريمها والاحتفاء بها ولكن تحتاج أرواحا تحلق في فضاءات وفائها ورياض جنتها ولا يدرك ذلك المعنى إلا البررة الناجون من جحيم قسوة القلوب وتحجرها، هؤلاء أصحاب القلوب النظيفة والقيم الاخلاقية العليا الذين يعلمون يقينا أنه مهما حاولنا أن نرد الدين للأم فلم ولن نقدر على اختراق حدود قدسية مكانتها الجليلة لأنها الوعاء الأقدس الذي تُنفَخُ فيه الروح لتحيا نفسٌ جديدة وحياة قادمة لخلق جديد وهي الغذاء والحضن الأول، وهي من تجعلنا من فرط حبها لأبنائها نشعر بأنها لا تفارقهم لحظة حتى وان فارقت الحياة الدنيا تظل روحها تظلل معاني غرستها قبل الرحيل في القلوب والوجدان.
ان حب الأم للأبناء يفوق أي حب آخر هو حب مفعم بالحنان والارتباط النفسي الشديد الذي نحن جميعا نعايشه ونعلمه بصدق، لذلك أتعجب من هؤلاء القساة الغلاظ الذين يعقون من كانت سببا في وجودهم وتربيتهم ومنبع ثقافتهم المجتمعية، وهنا يأتي دور المؤسسات الدينية والهيئات المدنية والوزارات المختلفة ووسائل الإعلام في توعية النشء والشباب وأن نترك هذه البيروقراطية والكلام الممل المكرر ونبتكر طرقاً جديدة ومختلفة لتنشيط الوعي ولم شمل الفرقاء وليكن على سبيل المثال برامج تلفزيونية خارج الاستديوهات المغلقة تبحث هذه المشكلات على أرض الواقع ومسابقات في المدارس والجامعات كمقالات وقصائد شعرية عن الأم وفضلها وأيضا في المساجد تكثيف الخطب والمواعظ ولو مرة شهريا في خطب صلاة الجمعة وكذلك الأعمال الفنية السينمائية والدرامية والغنائية وليكن الاحتفال بالأم وتكريمها عمل دائم ومستمر طوال العام وليس في يوم واحد كما جرت العادة، فهذه القسوة ليست من فراغ ولكنها وليدة الاهمال في الوعظ والارشاد وتبيان الحقوق والواجبات، وأيضا هي فرصة للآباء والأمهات في مراجعة أساليبهم التربوية للأبناء حتى ينشأوا أسوياء ولا ينكروا حق وفرض طاعة الوالدين.
وختاما أتوجه إلى كل أم بالتهنئة والدعاء إلى الله بأن لا يحرمها الأجر والثواب العظيم وطاعة الأبناء وحبهم ووفائهم.

تنتهي الاحتفالات بالعيد الوطني وذكرى التحرير ولا ينتهي أبدا حب الوطن الذي يملأ نفوسنا عزة وفخراً وانتماء لهذا التراب العزيز تراب الكويت الغالية، ونجد أنفسنا مقبلين على ذكرى أخرى من ذكريات البطولة والمجد والتي سطرها أبطال هذا الوطن من أجدادنا العظماء وهي ذكرى معركة الصريف، هذه المعركة التي كانت بقيادة حاكم إمارة الكويت في مطلع القرن الماضى الشيخ مبارك الصباح وأخيه الشيخ حمود الصباح وبالتحالف مع عبدالرحمن بن فيصل آل سعود وكانت بالتحديد في 17 مارس 1901 وهي معركة ضد آل الرشيد الطامعين في الاستيلاء على الكويت لإيجاد منفذ بحري لتلقي الدعم من الدولة العثمانية وأيضا لتوقيع إمارة الكويت اتفاقية الحماية البريطانية 1899، وعلى أية حال وبدون ذكر تفاصيل المعركة ومقدماتها ونتائجها والتي تحتاج منا مقالات عديدة إلا أنها أحداث وحدت الجميع على قلب رجل واحد وشهدت من أعمال البطولة والتضحية والفداء ما يجعلنا نفخر بأننا نحن الكويتيين من هذه السلالة الطيبة لرجال لا يقبلوا المهادنة والزيغ في سبيل وحدة ورفعة الوطن.
لقد شهدت أرض الكويت مبايعة القبائل للشيخ مبارك الصباح وأخيه شهيد المعركة البطل الشيخ حمود الصباح على الانضمام تحت لواء الجيش الذي وصل قوامه الى 12 ألف مقاتل من ضمنهم من تطوع للقتال من أبناء بعض العوائل اليهودية والمسيحية التي عاشت في الكويت مع إخوانهم المسلمين تحت سماء وطن واحد يجمعهم نفس المصير وتحت راية حمراء واحدة بلون دمائهم تجمعهم، بدون النظر الى أعراقهم وديانتهم ومذاهبهم وألوانهم فالجميع كانوا من خيرة رجال الوطن والذين اختاروا أن يكون الهجوم خير وسيلة للدفاع وإن لم يتحقق النصر في المعركة إلا أن الهدف تحقق بعدم انتظار العدو داخل الأرض حتى وإن كان الثمن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم ليخلدهم التاريخ كأبطال ونماذج وطنية تاريخية نستمد منها روح البطولة والحب والانتماء.
هذه الذكريات العظيمة التي تتجلى فيها هذه الروح الوطنية العالية والبطولة النادرة وهذه الوحدة بين القبائل للدفاع عن الوطن والكرامة هي المصابيح التي تضيء لنا طريق المستقبل ليس فقط للكويت وحدها ولكن لكل أبناء الخليج لأننا أصحاب تاريخ عريق وثقافة وهوية مشتركة ومصير واحد يجمعنا في فترة عصيبة وأمام تحديات مصيرية تحتاج لبذل كل الجهد وإنكار الذات لرفعة واستقرار شعوب دول الخليج، هذه الذكريات العظيمة يجب ألا نستحضرها من باب الترف الفكري أو الفخر القبلي، كما ألاحظ ذلك للأسف في بعض التعليقات وخاصة بين شبابنا من داخل الكويت أو خارجها، ولأن أبناءنا هم ثروة الوطن وذخيرته وعدته وعتاده لذا وجبت علينا جميعا هذه المسؤولية التاريخية لإبراز أهمية هذه الأحداث التاريخية من منظور إيجابي حقيقي، وأنا هنا أقصد حكماء دول الخليج من القادة والمفكرين والإعلاميين والأدباء والوزارات والهيئات والمجالس المختلفة وذلك يحتاج إلى خطة دائمة لإحياء القيم التراثية وربط الماضي بالحاضر لترسيخ مفهوم الهوية والثقافة الخليجية المشتركة والمصير الواحد الذي يجمعنا، كذلك أناشد السادة المسؤولين في بلدي الحبيب تخليد ذكرى شهيد معركة الصريف البطل قائد الجيش الكويتي الشيخ حمود الصباح والذي بقي لنهايتها رافضا الاستسلام حتى استشهاده، وذلك بأن يتم إطلاق اسمه على شارع أو معلم من معالم الوطن الحبيب  تكريمًا لمن ضحى بأغلى ما يملك مع إخوانه أبطال المعركة لكي نبقى نذكرهم بفخر وعزة وكرامة ولكي نعلم أبناءنا أن الوطن لا ينسى فرسانه الذين صنعوا مجده وحفروا اسمه في الوجدان ليبقى عزيزا في شموخ حتى وإن كانت نعمة الحياة هي الثمن المدفوع.
حفظ الله الكويت قيادة  وشعباً.

التربية والتعليم والرمز «القدوة».. ثلاث مراحل تتوالى وتتكامل في حياة كل إنسان وهي الترمومتر الحقيقي لتقييم المجتمعات والحضارات منذ القدم ، ثلاثة محاورللمعادلة الأخلاقية التي لطالما تميز مجتمع عن آخر وحضارة عن أخرى. ولا شك بالطبع أن قوة وتماسك ورفاهية وأمن وأمان أي مجتمع أو حضارة يتوقف على التعامل مع هذه المحاوربشكل إيجابي لكي تصبح ثقافة شعبية مكتسبة تضمن الحفاظ على قوة المجتمع وتماسك مكوناته وذلك من خلال الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المهنية والاتحادات والروابط المختلفة التي تزداد قوة ومعرفة بالحقوق والواجبات والتوعية والإرشاد عندما تنشأ في مناخ صحي وطبيعي فيه الاحترام والتقدير المتبادل بين جميع أفراد المجتمع.
ولكن دعونا نعود إلى نقطة البداية في الموضوع عن المحاور الثلاثة المهمة في حياتنا والتي أقصد بها الجانب الأخلاقي في المجتمع وهي محاور ثلاثة كما ذكرت سالفا لكل فرد منذ مولده وإلى أن ينطلق في دروب الحياة مع تقدمه في مراحل العمر المختلفة وهكذا دورة الحياة، وفي الواقع دور الأم في الأسرة وتأثيرها في نفوس الأبناء هو الأقوى في الحياة في كل زمان ومكان أو كما قال حافظ إبراهيم «الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيب الأعراق» وتهميش دور الأم جريمة في حق المجتمع وسباحة ضد تيار السنن الإلهية والفطرة السوية وحتما هو تهميش يؤدي إلى سقوط الأسرة وبالتالي المجتمع بأكمله في هوة سحيقة من الرجعية والتخلف لأن الاهتمام بالأم وتكريمها ليس سلوكا رسميا فقط في يوم أو احتفالية ولكن هي ثقافة مجتمعية لمن يبحث عن مجتمع إنساني حقيقي.
فالأم هي أول مستودع للنفس البشرية والمربية والحاضنة الأولى بحنانها الغريزي الذي لا يتغير إلى نهاية العمر وهي أجندة المواسم والمناسبات وذاكرة الأسرة وخزينة أسرارها وخصائصها ويمكن تلخيص ما نعجز عن تفصيله في فضل الأم على المجتمعات الإنسانية ونهضتها بأنها أصل الحضارة الإنسانية.
وإذا انتقلنا إلى المحور الثاني في المعادلة الأخلاقية لأي حضارة إنسانية وهو التعليم أو المدرسة نجد أن دور المعلم هو تكملة لدورالآباء في الأسرة من حيث التنشئة السليمة للصغار وتهذيب سلوكياتهم.
وللأسف نفتقد في زمننا هذا المعلم القديم في أزمنة مضت وهو المعلم الذي قال عنه أحمد شوقي في بيته الشهير «قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا». وتغييب هذا المعلم القديم يعود إلى عدم تقدير دور التعليم والمعلمين حتى كاد يكون التعليم مهنة من لا مهنة له حيث طغت على المهنة ثقافة التربح على حساب الرسالة والواجب والذي أثر بشكل كبير على العملية التعليمية والأخلاقية في المنطقة العربية والذي أدى إلى غياب الجامعات العربية عن قائمة أفضل 500 جامعة على مستوى العالم مع تغييب دور القدوة أو الرمز للمجتمع بأكمله وهو المحور الثالث في المعادلة الأخلاقية والذي يتمثل في تهميش دور كبار المفكرين والعلماء وهي نتيجة منطقية وحتمية لتغييب أهمية ومكانة ومهابة المعلم والتعليم منذ الصغر.
وفي فضل العلم والعلماء يقول الجاحظ:
طيب العيش أن تلقى حليماً
غذاه العلم والرأي المصيب
ليكشف عنك حيلة كل ريب
وفضل العلم يعرفه الأريب
ويمكننا بوضوح أن نلاحظ المناخ العام في منطقتنا العربية وهو مناخ غير علمي بالمرة لا يهتم إلا بالتفاهات التي تجلب الأموال مع غلبة الثقافة المادية وعدم التأسيس النفسي والروحي السليم، وقد تكلمنا من قبل عن عالمة النانو تكنولوجي السعودية د.غادة المطيري وكيف يتجاهلها الإعلام ولا يكاد يعرفها أحد من شعوب المنطقة المشغولة ببرامج المسابقات الغنائية!
فمن أراد أن يبني حضارة ومجتمعا على أسس صحيحة عليه ببناء الإنسان في مختلف مراحله العمرية وعدم تغييب المعادلة التعليمية والأخلاقية، لأن العلم والأخلاق وجهان لنفس العملة ومهما طال بنا العمر سنظل تلاميذ في مدرسة الحياة، ولكن التنشئة السليمة هي الأساس أو كما يقال «التعليم في الصغر كالنقش على الحجر».

هلا فبراير.. جملة تحمل لمن يعيش على أرض الكويت معنى له تأثير لا يوصف بكلمات ولكن هي مشاعر يلمسها من نشأ وترعرع على هذه الأرض الطيبة المحبة للأمن والسلام.. فبراير الذي تولى فيه الراحل سمو الشيخ عبدالله السالم حكم البلاد والذي تحررت في عهده الكويت من الاستعمار البريطاني وأول من وضع دستور مدني ديموقراطي هو الأقوى والأكثر ثباتاً في المنطقة والذي جعل الكويت نموذجاً يحتذى به ديموقراطيا وإلى الآن.. فبراير والذي بدأت فيه بشائر الخير بوجود النفط في حقل برقان عام 1938 والذي فتح البلاد لاحقا للوافدين  والمستثمرين والثقافات المختلفة للإفادة والاستفادة في شتى مناحي الحياة.. فبراير هو شهر التحرر والتحرير من كل القيود والمآسي لشعب كان ولا يزال محتضنا الجميع بالحب والخير والسلام ليمتزج الجميع في مجتمع إنساني يجمع بين الحقوق والواجبات.
نحن لا نتحدث من فراغ عن عظمة الكويت حكومة وشعبا،والأحداث التاريخية وذكرياتها فرصة لإثبات مصداقية هذا الكلام وأيضا فرصة لتجديد العهد بالإنتماء والتضحية ولتذكير الأجيال المتلاحقة بالكفاح المشرف للآباء والأجداد لكي يحيا الأبناء والأحفاد في عزة وكرامة ولكي يسلم كل جيل الراية لمن بعده، فما يحدث على أرض الكويت من النزول للشوارع والاحتفالات العفوية التي يشارك فيها الجميع حكومة وشعبا ووافدين على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم ومراحلهم العمرية هو قرار شخصي منبعه الاحساس بالحب والفرح والأمان الذي يغمر الجميع لأن الكل مدين لبلدنا الحبيب التي ترحب على أرضها بقيم العدل والمساواة والإنسانية وترفض كل أشكال التفرقة والعنصرية ومن ينزل للشوارع ويرى أعلام الوطن الحبيب ترفرف في أيدي الجميع والسعادة على الوجوه يتيقن بأنه أمام حدث فريد من نوعه يتكرر سنويا بمشاركة كل الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والوزارات المختلفة وعلى رأسهم إخوننا رجال الأمن الذين يتحملون أعباء إضافية وثباتاً إنفعالياً لا نملك تجاهه إلا خالص الحب والشكر والتقدير.
إن الكويت طوال تاريخها المشرف وتحت القيادة الرشيدة لحكامها الأجلاء لطالما وقفت وساندت المجتمع الإقليمي والدولي في أزماته كانت تستحق أن يفزع العالم لأجلها يوم العدوان الغاشم الغادر، الكويت التي قدم أبناؤها وفي مقدمتهم شهداؤها الأبرار أروع صور النضال والتضحية للدفاع عن أرضها تستحق أن تحيا مرفوعة الرأس وتستحق أن تفرح وتفخر وتبجل كل ما هو من شأنه أن يرفع الظلم عن المظلومين، فاختيار الأمم المتحدة للكويت كمركز إنساني هو أصدق تعبيرعن طيبة وكرم وأصل شعبها المتلاحم تحت راية الوطن، واختيار حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أمير البلاد حفظه الله ورعاه رجل الإنسانية هو تكليل لتاريخ طويل مشرف لبلد عظيم كان ولا يزال وسيبقى مركزا للقيم الأخلاقية العظيمة ومنبعاً للرجال تحت قيادة حكيمة لحضرة صاحب السمو وولي عهده الأمين، وإلى الله نتوجه بالدعاء أن يحفظ الكويت قيادة وشعبا وكل من يعيش على أرضها المباركة وأن يجعل كل أيامنا أيام فرح وسرور وأمن وسلام.

العباقرة والمبدعون هم الثروة الحقيقية لأي مجتمع وتبرز قيمتهم بمقدار ما يتركوه من بصمة على مجتمعاتهم وعندما نتحدث عن العبقرية والابداع لا شك أن أول ما يقفز إلى أذهاننا هم رواد البحث العلمي الطبيعي في مختلف تخصصاتهم لما يقدموه من خدمات عظيمة للبشرية أجمع.
ونحن إذ نشعر بالفخر عندما نجد «عقولاً» عربية تشارك في هذا المحفل الحضاري العلمي العالمي  إلا أن شعورنا بالفخر يزداد عندما نجد بينهم شابة سعودية هي الدكتورة غادة المطيري والتي تعمل كبروفيسور في النانو تكنولوجي بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو وهي من أسرة نشأت على حب العلم والمعرفة حيث أتمت غادة دراستها الثانوية في جده ثم هاجرت مع أسرتها إلى الولايات المتحدة لتبدأ في تحقيق أحلامها في مجال الكيمياء الحيوية وهندسة النانو حتى وصلت إلى فوزها بجائزة الابداع العلمي من أكبر منظمة تهتم بالبحث العلمي في أميركا وهي منظمة اتش أي ان حيث فازت الدكتورة غادة بالجائزة الأولى من عشرة آلاف بحث مقدم بالاضافة إلى اختيار بحثها العلمي من الكونغرس  الأميركي كواحد من أهم أربعة أبحاث علمية في عام 2012 هذا الاكتشاف العظيم باختصار هو نقلة كبيرة في عالم الطب حيث سيكون العلاج واجراء العمليات بدون جراحة وسيتم استبدال مبضع الجراح بتسليط الضوء عن طريق شرائح رقيقة من شعاع الفوتون إلى المنطقة المصابة لعلاجها وهي تتميز عن الليزر بأن هذه التقنية الحديثة لن تسبب أي ضرر للخلايا المحيطة بالمنطقة المصابة كما يفعل الليزر.
وعلى الرغم من سعادتنا وفخرنا بهذا الإنجاز إلا أن ذلك يضعنا نحن الأمة العربية والإسلامية أمام حقائق ووقائع محزنة نعيشها في هذه المنطقة بجغرافيتها وتاريخها وعاداتها وتقاليدها التي تأبى الا ان تضع تصنيفا وتمييزا وفرزا غير منصف وغير عادل لأبناء الوطن الواحد على أساس العرق والمذهب والجنس وغيرها من التصنيفات التي لا تتوقف عند حد والتي تحرمنا من تهيئة المناخ العلمي والمعرفي والثقافي الذي يجب أن ينشأ عليه أبناؤنا حتى لا نحرم من اسهاماتهم ويستفيد بها الآخرون.
في الوقت الذي يكرم فيه العالم المتقدم الدكتورة غادة بترجمة أبحاثها ومنحها الجوائز وعقد المؤتمرات العلمية ننشغل نحن كالعادة بالصراعات السياسية والحزبية والطائفية والعنصرية بكل ألوانها ونكتفي بتوجيه اللوم للعالم بأنه يتآمر علينا ونحن في غنى عن ذلك لأننا نفعل في انفسنا ما لم يفعله فينا غيرنا إنجاز العالمة السعودية الشابة غادة المطيري كشف لنا بوضوح مدى تأثير الخرافة والتعصب على العقل العربي حتى أصبحنا لا نحرك أي ساكن في القضايا المهمة التي يوجه الينا النقد فيها مثل حقوق الإنسان والمرأة والحريات في العالم العربي بل ونتبجح بنظرية المؤامرة أي مؤامرة أيها الراقدون تحت التراب؟

الأحد, 12 فبراير 2017

رؤساء يقودون الأمم

لا تزال أصداء قرار الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بحظر مواطني سبع دول إسلامية تلقي بظلالها على وسائل الاعلام المختلفة حول العالم وعلى دوائر صنع القرار السياسي لدول عديدة وخاصة الاتحاد الأوروبي بل وفي الداخل الأميركي أيضا حتى أنه ولأول مرة يتم تسييس الأجواء السينمائية لحفلة جوائز الاوسكار وفاعليات كثيرة يشعر المتابع لها بالتجهيز المسبق والتوجيه للرأي العام بالشحن ضد رئيس يتحدث عن وقائع وحقائق ويتخذ تدابير من شأنها تعزيز الأمن القومي لبلده فالرجل لم يمنع مواطني هذه الدول الخروج من بلادهم ولكن يمنعهم من دخول وطنه وهو المسؤول الأول في الدولة العقلاء الواقعيون يتفهمون منطق ترامب جيدا لأنه وكما يقول إن الأجهزة الأمنية في هذه الدول ليست بالكفاءة المطلوبة.
هذا الهجوم الاعلامي على ترامب يمكن تفهم دوافعه اذا علمنا أن الحكومات ووسائل الاعلام الأوروبية وبعض المؤسسات الأميركية تحكمها توجهات يسارية وحقوقية تتظاهر كذبا بحقوق الإنسان وبمخالفة ترامب للدستور الأميركي الذي يمنع التمييز العرقي والديني وهي لا تهتم بالشعوب التي فتكت بها تنظيمات متطرفة بقدر الحفاظ على بريستيج حقوقي لا يقدم شيئاً على أرض الواقع في مواجهة هذا التطرف الخطير الذي ينتشر ويفجر الأبرياء تحت ستار فريضة الجهاد الإسلامي والإسلام يبرأ من هذه الأفعال عندما اختار دونالد ترامب حظر الهجرة لبلاده بشكل مؤقت اختار سبع دول فقط لا تمثل 10 % من تعداد المسلمين والسبب واضح وهو منع تسرب متطرفين من هذه الدول التي منها من هو يرعى الإرهاب ومنها من وقع فريسة للتطرف سياسيا وفكريا وفي كلتا الحالتين هو محق في اتخاذ هذا القرار السيادي الذي يري فيه اجراء مؤقت يناسب الظروف التي يتسلم فيها مقاليد الحكم.
دونالد ترامب والذي يتحدث بوضوح للعالم عن سياسته الخارجية والتي يهدف منها اصلاح ما أفسدته الأنظمة السابقة في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى باسقاط أنظمة ومحاولة فرض بدائل والتي يرى ترامب أنها سياسة أدت إلى ظهور تنظيمات متطرفة تستهدف الأبرياء ولا تخدم السياسة الأميركية أو الشعب الأميركي في شئ الرجل يفكر في التعاون مع المعسكر الشرقي بقيادة روسيا والصين في اطار المصالح المتبادلة وعدم الهيمنة التي لا تعود بالنفع هذه الهيمنة والتي رأيناها في سياسات سابقيه بوش الابن وأوباما والتي فشلت في تحقيق مبتغاها وأدت إلى مزيد من الاحتقان الطائفي والفوضي التي تحرق الجميع بلا استثناء.
لقد عانينا هنا في دول الخليج العربي من العمليات الإرهابية مثلما حدث في الكويت والسعودية والبحرين وما نراه من استهداف لأمننا واستقرارنا فهذا الأمر لا يجب أن نتهاون فيه وهي مسؤولية تقع على عاتق الجميع حكومة وشعبًا وأننا يجب أن نطرق على الحديد وهو ساخن قبل فوات الأوان لا قدر الله لذلك أنا أطالب المسؤولين باستغلال قرار ترامب وردود الأفعال العالمية على هذا القرار باعادة النظر في دخول بعض الجنسيات والتي ربما يشكل وجودها في مجتمعاتنا خطرًا محتملا وهي فرصة أيضا لحكومات هذه الدول المحظورة في اظهار الجدية وحسن النوايا في محاربة الإرهاب حتى يكون تطبيع العلاقات على كافة المستويات له ما يبرره على أرض الواقع لأن الأمن القومي لا ينبغي أن يكون فيه مماطلة ومواءمات ولذلك نحن على ثقة أن حكامنا الأجلاء في منطقة الخليج لن يتأخروا في دعم أي قرار من شأنه تحقيق الأمن والسلام الدولي وذلك كما فعل رئيس الوزراء الياباني والذي وصف قرار ترامب بالقرار السيادي ومؤخرا سار على نهجه وزير النفط السعودي خالد الفالح ووزير الخارجية الاماراتي عبدالله بن زايد واللذان وصفا القرار أيضا بالسيادي الذي يخص الشأن الداخلي الأميركي ونحن ننتظر المزيد من الدعم الدولي لهذا القرار على المستوى الرسمي حتى يتم محاصرة لإرهاب وتحجيمه والقضاء عليه بشكل نهائي.

يهل علينا خلال أيام مهرجان الجنادرية الـ31 والذي تنظمه المملكة العربية السعودية كعادتها السنوية في موسمه الشتوي/ الربيعي وتنطلق فعالياته هذا العام يوم الخميس الموافق 2/2/2017 ويستمر لمدة 15 يوماً ينتهي بحفل الختام يوم الجمعة الموافق17/2/2017،وقد قام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بتوجيه الدعوة شخصياً وبرسالة خطية لأخيه سمو الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير البلاد حفظه الله ورعاه وذلك لحضور المهرجان السنوي لسباق الهجن وهو أحد أنشطة المهرجان الغني بكل ملامح وتفاصيل تراث منطقة الخليج وما يعبر عن ثقافتها وهويتها، ويأتي هذا المهرجان امتدادا لمهرجان آخر لا يقل أهمية عنه وهو مهرجان القرين الثقافي الـ23 والذي تنظمه سنويا دولة الكويت في نفس التوقيت الشتوي من كل عام والذي انتهى يوم السبت 28/1/2017.

حقيقة لا أجد كلمات أعبر بها عن شعوري بالسعادة وأنا أعيش هذه الأجواء من كل عام ولفترة طويلة والتي تمتزج فيها برودة الجو بحرارة الحنين للأصالة وتعزيز مشاعر الانتماء لتراث وتاريخ الآباء والأجداد، في أجواء مهرجان القرين والذي لا يكتفي فقط بإنعاش الروح التاريخية للكويتيين وضيوفهم من دول الخليج ولكن باستضافة فرق شعبية أوروبية تقدم تراثها الشعبي من رقص وموسيقى ومسرح وذلك بهدف مد جسور التواصل الحضاري والشعبي كمسؤولية تاريخية والتزام أخلاقي يتحمله بلدنا الحبيب الكويت كمركز للعمل الانساني تحت رعاية قائد الإنسانية سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد حفظه الله.
هذا التنوع والزخم التراثي والمعرفي من فنون ومسرح وشعر وعرض للمقتنيات الأثرية وندوات فكرية وأدبية وجوائز للمبدعين وعرض كل ما هو مستجد من اكتشافات أثرية أو أعمال فنية أدبية يبرز لنا بوضوح الاهتمام الذي يوليه حكام دول الخليج بهذه الفعاليات العظيمة بهدف ربط الماضي بالحاضر بالمستقبل ولترسيخ قيم الانتماء في نفوس الشباب والنشء وتنمية روح الإبداع لديهم في أعمال مفيدة لهم ولأوطانهم.
مهرجان القرين الثقافي ومهرجان الجنادرية وغيرهما من المهرجانات الثقافية التراثية هي الدماء الحقيقية التي تجري في عروق الهوية الخليجية وعلى الإعلاميين بمختلف تخصصاتهم دور كبير في إعطاء مساحة كافية لإبراز أهمية هذا النوع من الفعاليات والتي تساعدنا كثيرا في الحفاظ على الهوية الخليجية وما تواجهه من تحديات في المستقبل وذلك الذي لمسته بنفسي من خلال الدور الرائع الذي يقدمه معهد البحرين للتنمية السياسية والذي شرفت بتكريمه لي في المنتدى الخليجي الرابع للإعلام السياسي في نوفمبر الماضي وكانت دورته تحت عنوان الإعلام والهوية الخليجية، أقولها بوضوح وصراحة إننا في أشد الاحتياج في هذا التوقيت العصيب وفي ظل ثقافة التغريب التي تهيمن على حياتنا إلى ما يؤصل فينا قيمنا وتراثنا وثقافتنا التي لطالما كانت مصدر الإعزاز والفخر لنا جميعا، فتراثنا وحضارتنا الحصن الحقيقي الذي يحمينا من متغيرات الزمن، هذا الحصن هو بمثابة الجهاز المناعي لجسد الأمة الخليجية والذي يحتاج دائما إلى ما ينشطه لكي لا يذبل الجسد ويصبح عرضة لثقافات دخيلة تثبط الهمة والعزيمة في مواكبة الحياة وتطورها وتقلبات الدهر ودواهيه. على أي حال نحن على ثقة بأن هذه النسخة الاستثنائية من مهرجان الجنادرية ستخرج بشكل رائع ومشرف يليق بعراقة المملكة وحنكة قائدها الحكيم الملك سلمان وبحضور شخصي للوالد سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد حفظهما الله ورعاهما وسدد على طريق الحق والخير خطاهما.

الصفحة 1 من 6