جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا من قد علمت ورأيت محبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني بمكان الأب والعم، قالا له: ويحك يا زيد! اتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحداً أبداً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، أخرجه إلى الحجر فقال: «يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني أرثه ويرثني»، فلما رأى ذلك أبوه وعمه، طابت نفساهما وانصرفا، فدعي زيد بن محمد منذ ذلك اليوم حتى جاء الإسلام ثم زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ابنة عمته «زينب بنت جحش» فلما طلقها زيد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم الناس في ذلك، وقالوا: تزوج امرأة ابنه، فنزل قول الله تعالى: «ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً» الأحزاب 40.
يقول حارثة بن شراحيل وهو يبحث عن ابنه زيد بأبيات أشبه ما تكون بالنوح:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل
أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل
فوالله ما أدري وإن كنت سائلاً
أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة
فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها
وتعرض ذكراه إذا غربها أفل
وإن هبت الأرواح هيّجن ذكره
فيا طول ما حزني عليه ويا وجل
سأعمل نصّ العيس في الأرض جاهداً
ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي
وكل امرئ فانٍ وإن غره الأمل
سأوصي به قيساً وعمراً كليهما
وأوصي يزيداً ثم من بعده جبل
وكان زيد قد قال لقومه حين رآهم في مكة قبل قدوم أبيه:
ألكني إلى قومي وإن كنت نائياً
بأني قطين البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم
ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة
كرام معد ّ كابراً بعد كابر
روى الواقدي بسنده عن أسامة بن زيد أنه قال: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين زيد عشر سنين، رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منه. استشهد زيد بن حارثة في معركة مؤتة وهو أمير على الناس في السنة الثامنة للهجرة ابن خمس وخمسين سنة، أما ابنه أسامة فأمه أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم وقد توفي سنة 54 هـ.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

كل إنسان في هذه الدنيا عرضة للبكاء، إلا من نزع الله تعالى من قلبه الرحمة، ولا يبكي المرء إلا إذا تأثر تأثراً شديداً، فمن الباكي هذا؟ ومن المبكي عليه؟ دعوني أتحدث عن المبكي عليه فهو الأهم في هذا السياق، إنه الصحابي الوحيد الذي ورد اسمه في القرآن مجرداً «حب رسول الله صلى الله عليه وسلم» ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، أبو أسامة، يقول المولى عز وجل: «وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً» الأحزاب - 37. أيها السادة كان لزيد بن حارثة منزلة عالية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ان أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها كانت تقول: «لو كان زيد بن حارثة حياً لعهد إليه رسول الله بالخلافة ممن بعده»، وكان زيد أيضا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة عظيمة.
وإليكم صورة من صور هذه المحبة: كان زيد حراً عربياً صريحاً أبوه حارثة بن شراحيل، وأمه سعدة بنت ثعلبة، وهي من معن بن طيء، فأغارت خيل لبني القين قبل الاسلام على ديار أمه وهو معها غلام صغير، فأسر زيد وبيع في سوق عكاظ، وكان الذي اشتراه «حكيم بن حزام» فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة رضي الله عنها، وهبته له، وكان أبوه حارثة يبحث عنه في كل مكان فلم يعثر له على أثر، ثم حج أناس من قبيلة زيد فرأوه في مكة المكرمة وعرفهم وعرفوه، وعندما عادوا إلى ديارهم أخبروا حارثة بمكان ابنه زيد، فخرج سريعا إلى مكة ومعه كعب أخوه، يريدان فداءه، فقدما مكة وسألا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهما إنه في المسجد، فدخلا عليه وقال له حارثة: يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا فإنا سنرفع لك في الفداء، قال: «من هو؟» قالوا: زيد بن حارثة، فقال لهم: «فهلا غير ذلك؟» قالوا: ما هو؟ قال: «دعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي اختار على الذي اختارني أحداً»، قالوا: قد زدتنا على النصفة وأحسنت، فدعاه وقال له: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي.
يتبع

ونكمل ما بدأناه، فقد كان معاوية بن أبي سفيان صديقاً لعبدالله بن جعفر بن أبي طالب، فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه يزيدا به، وقال له: إن لي خليلاً من أهل المدينة فأكرمه، فقال يزيد: ومن هو؟ قال: عبدالله بن جعفر. فلما توفي معاوية زار عبدالله بن جعفر يزيد بن معاوية في دمشق، فسأله يزيد: كم كانت جائزة أبي لك كل عام يا أبا جعفر؟ قال: ألف ألف درهم، قال: قد ضاعفناها لمحبة أمير المؤمنين لك، قال عبدالله: بأبي أنت وأمي، فقال: ولهذا جعلناها ثلاثة آلاف ألف درهم «انتهى»، فانظروا كيف تنفع الصحبة حتى بعد الممات.
يقول أبو تمام:
ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... ووصفت ما وصفوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... وإذا المودة أقرب الأنساب
لنتعرف الآن على هذا الشاعر الذي صاغ لنا هذين البيتين اللذين صارا مثالا ومثلا للناس، أبو تمام اسمه حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، من أشهر شعراء الدولة العباسية، ولد بقرية جاسم، وهي من قرى محافظة حوران بسوريا سنة 188 هـ في خلافة هارون الرشيد، وصف بأنه كان أسمر طويلاً فصيحاً حلو الكلام مع تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من اراجيز العرب غير القصائد، مع ذكاء مفرط وسرعة بديهة، أما شعره ففي النهاية، غواص على المعاني شاعر فحل متقدم على شعراء زمانه، وهو صاحب البيتين الرائجين:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل
كان يمتهن قبل شهرته بيع الماء وسافر إلى مصر، ثم ذاعت شهرته فطلبه محمد المعتصم بالله فجاء إلى بغداد، ثم سار المعتصم إلى عمورية فنهاه المنجمون عن ذلك فلم يطعهم وسار بجيشه وانتصر انتصاراً كبيراً، وفي ذلك يقول أبو تمام:
السيف أصدق انباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية بل أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
وله عدة مؤلفات من أشهرها: ديوان الحماسة، فحول الشعراء، مختار أشعار القبائل، نقائض جرير والأخطل، وأهمها كلها حماسته، تولى بريد الموصل سنتين ثم مات في خلافة المتوكل على الله جعفر سنة 231 هـ رحمه الله تعالى.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

ليس بالضرورة ان يكون قريبك مصافيا لك، فما أكثر الأخوة المتخاصمين، وأبناء العم المتباعدين، انظر ما يقوله الصحابي الزبرقان بن بدر التميمي لابن عمه علقمة بن هوذه:
لي ابن عم، لا يزال
يعيبني ويعين عائب
وأعينه في النائبات
ولا يعين على النوائب
تسري عقاربه إلي
ولا تدب له عقارب
لاه ابن عمك لا يخاف
المحزنات من العواقب
وقال ذو الاصبع العدواني على نفس السياق:
لي ابن عم على ما كان من خلق
مختلفان فأقليه ويقليني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني ولا أنت دياني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسبغة
ولا بنفسك في العزّاء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي
فإن ذلك مما ليس يشجيني
لولا أواصر قربى لست تحفظها
ورهبة الله في من لا يعاديني
اذا بريتك بريا لا انجبار له
إني رأيتك لا تنفك تبريني
وهذه الأبيات لا تجعلنا نعتبر هذا الأمر قاعدة، فهذا الدارمي التميمي ربيعة بن عامر يقول:
أخاك أخاك، ان من لا أخا له
كساع إلى الهيجاء بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه
وهل ينهض البازي بغير جناح
ومع ذلك فرب أخ لك لم تلده أمك، يقول حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «القرابة تقطع، والمعروف يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب» وقال حكيم العرب أكثم بن صيفي التميمي: «القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج الى قرابة». وسئل بزرجمهر حكيم الفرس: من أحب اليك، أخوك أم صديقك؟ قال: «ما أحب أخي إلا اذا كان لي صديقا»، وأقرب مثال في هذا الجانب نستطيع ان نستشهد به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة فقد كان أبوبكر رضي الله عنه اقرب الناس اليه، صدقه بما جاء وواساه بنفسه وماله، حتى قال فيه: «إن من أمنّ الناس علي في صحبته وماله، أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر» صحيح البخاري، ونجد في الجانب الآخر عمه وصنو أبيه أبي لهب «عبدالعزى بن عبدالمطلب»  يكذبه ويؤذيه، ويكيد له المكائد حتى أخزاه الله ومات ميتة سوء، فهل نفعت القرابة هنا؟ بالطبع لا، ومن صور الوفاء للأصحاب أنه عندما احس عبدالرحمن بن عوف الزهري بدنو أجله أوصى بماله وصايا كثيرة منها ان يعطي كل من بقي ممن شهدوا بدرا اربعمائة دينار، وهم أصحابه الذين قاتل وإياهم من أجل رفع راية الإسلام، فأخذها من بقي من أهل بدر ومن بينهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وزيد بن عمرو وغيرهم.
(يتبع)
دمتم سالمين، في أمان الله

ولشهرة الحلاج هذا فقد ترجم له ابن الجوزي في تاريخه والذهبي والقاضي ابن خلكان وابن الأثير وهو القائل:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له:
إياك إياك ان تبتل في الماء
وكان يقول قبل أن يصلب:
طلبت المستقر بكل أرض
فلم أر لي بأرض مستقراً
أطعت مطامعي فاستعبدتني
ولو أني قنعت لكنت حراً
أما قوله:
إلهي ليس للعشاق ذنب
ولكن أنت تبلو العاشقينا
فلا أفتي بجوازها من عدمه فأنا كاتب ولست مفتياً، وانما لكل امرئ مانوى، مثلما يقول الأجداد: النية مطية، وهذه الأبيات ليست بعيدة عن قول عمر الخيام:
أتدري لماذا يصبح الديك صائحاً
يردد لحن النوح في غرة الفجر
ينادي لقد مرت من العمر ليلة
وها أنت لم تشعر بذاك ولا تدري
يقولون حور في الغداة وجنة
وثمة أنهار من الشهد والخمر
إذا اخترت حوراء هنا ومدامة
فما البأس فيه وهو عاقبة الأمر
وهذا عمر الخيام هو صاحب الرباعيات، عمر بن إبراهيم المولود سنة 1048م، والمتوفى سنة 1131م، العالم في الرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ وقد لقب بالخيام لأن أباه كان يصنع الخيام، وهو أول من اخترع حساب المثلثات والمعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، كما صنع تقويماً سنوياً بالغ الدقة، أما الأشعار التي تشبه ما قلته في البداية فكثيرة ومنها:
خلقت الجمال لنا فتنة
وقلت لنا يا عبادي اتقون
وأنت جميل تحب الجمال
فكيف عبادك لا يعشقون
وقد رد على هذين البيتين الشاعر عمر بهاء الدين الأميري فقال:
خلقت الجمال لنا نعمة
وقلت لنا يا عباد اتقون
وان الجمال تقى والتقى
جميل ولكن لا يفقهون
وهذا الشاعر سوري من أهل حلب كان سفيراً ووزيراً مفوضاً ثم سفيراً لبلده في المملكة العربية السعودية، صوفي النزعة توفي سنة 1992، وكانت ولادته سنة 1915، وهو من أسرة مشهورة جداً، وبعد هذه الاستفاضة السؤال الموجه لكم: هل للعاشق ذنب إذا عشق؟ وإن كان مذنباً فما جزاؤه؟ اللهم اسألك ألا نعشق ولا نعشق، دمتم سالمين وفي أمان الله.

سؤال يطرح نفسه: هل للعاشقين ذنب؟ ربما لا تعجبكم إجابتي عن هذا السؤال، ولكن أقول: نعم العاشق ذنبه معلق برقبته مثل الطوق، ما الذي أجبرك على العشق، إن قلت: ليس الأمر بيدي فأنت كاذب!! أليس لك عقل تفكر به؟ وإن زعمت أنك لا تملك زمام أمرك فأنت مجنون أو غير سوي، وإن وقعت بالعشق وقوعاً فالنجاة النجاة،
من العاشق، وما العشق، العاشق في اللغة الشديد الحب الولهان، وإذا عشق المرء الشيء هواه وتعلق قلبه به وأحبه حباً شديداً، وجمع العاشق العشاق والعاشقون، أعاذنا الله وإياكم من العشق، وإذاعشق الإنسان امرأة أولع بها، ومؤنث العاشق العاشقة، يقول بشار بن برد:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحياناً
إذن فالعشق هو الحب الشديد والتعلق.
تعالوا نتأمل هذه الأبيات:
إلهي ليس للعشاق ذنب
ولكن أنت تبلو العاشقينا
فتخلق كل ذي وجه جميل
به تسبي قلوب الناظرينا
وتأمرنا بغض الطرف عنهم
كأنك ما خلقت لنا عيونا
هذه الأبيات أقرب ما تكون إلى الصوفية، لن تتعجبوا من هذه الأبيات، إذا عرفتم قائلها، فهو: الحلاج الحسين بن منصور، وكان هذا الرجل قد اتهم بالزندقة، وأفتى العلماء والقضاة بقتله، فأمر المقتدر بالله العباسي بقتله فقتل في الرابع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 309 هجري، وكان يدّعي التصوف ويعد الحلاج من أكثر الرجال الذين اختلف الناس في أمرهم، إلا أن الدولة أفتت بكفره وإلحاده وهو القائل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرته أبصرتني
وإذا أبصرته أبصرتنا
وقد أورد ابن الخطيب صاحب تاريخ بغداد قصيدة له في غاية الجودة يقول فيها:
من سارروه وأبدى كل ما ستروا
ولم يراع اتصالاً كان غشاشا
إذا النفوس أذاعت سر ما علمت
فكل ما خلته من عقلها حاشا
من لم يصن سر مولاه وسيده
لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وعاقبوه على ما كان من زلل
وأبدلوه مكان الإنس ايحاشا
وجانبوه فلم يصلح لقربهم
لما رأوه على الأسرار نباشا
يتبع

أيها السادة، لقد عرفت قبيلة بارق بالهمة والصبر وحسن البلاء في الجاهلية والإسلام، وبارق أكثر القبائل العربية عدداً، وأعزها نفراً وأعظمها أثراً، وكان لها دور بارز في الفتوحات الإسلامية، وهم اليوم من أكبر القبائل العربية في تهامة وبطونها كثيرة منها: حميضة، آل موسى بن علي، آل سباعي، آل جبلي وغيرها، وأجمع النسابة والمؤرخون أن بارق هو: «سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ»، وأقرب القبائل العربية نسباً لقبيلة بارق خزاعة ويليهم الأنصار ثم الغساسنة، ومن أعلامهم في الإسلام عرفجة بن هرثمة، حذيفة بن محصن، عروة البارقي، أما سراقة بن بارق فهو أحد شعراء صدر الإسلام والعصر الأموي، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وشارك في معركة اليرموك 15 هـ، عرف بوسامته وظرفه وسرعة بديهته وحضور ذهنه، وذكائه مما جعله قريباً من أمراء عصره يحبون مجالسته، وقعت بينه وبين جرير بن عطية الشاعر مهاجاة، مما جعله يقف إلى جانب الفرزدق ضد جرير، ولد في السنة الثانية من الهجرة، وقد أتى سراقة على كل فنون الشعر كوصف ومدح وفخر ورثاء وهجاء وحكمة وغيرها، ومن أشهر قصائده «لاميته» التي يفخر بها بقومه بارق وقوم أهله الأزد حيث يقول:
قومي شنوءة إن سألت بمجدهم ... في صالح الأقوام أو لم تسأل
الدافعين الذم عن أحسابهم ... والمكرمين ثويهم في المنزل
والمطعمين إذا الرياح تناوحت ... بقتامها في كل عام ممحل
المانعين من الظلامة جارهم ... حتى يبين كسيد لم يتبل
ومن حكمه السائرة قوله:
مجالسة السفيه سفاه رأي ... ومن حلم مجالسة الحليم
فإنك والقرين معا سواء ... كما قد الأديم على الأديم
رأى جرير بن عطية سراقة البارقي بمنى، بعد أن فضل عليه الفرزدق، وكان الناس مجتمعين عليه وهو ينشد، ولم يكن جرير قد رآه قبل ذلك، فبهره بجماله وأعجبه نشيده، فقال له: من أنت؟ قال سراقة: بعض من أخزاه الله على يديك «سراقة البارقي»، قال جرير: أما والله عرفتك لو هبتك لظرفك.
توفي سراقة عن عمر يناهز الثمانين عاماً وقد أورد ابن كثير في البداية والنهاية أنه توفي عام تسعة وسبعين للجهرة، حيث هجى الحجاج وهرب إلى الشام وتوفي في ذلك العام.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله

مشعل السعيد
 

عندما تتعرض حياة الانسان للخطر ربما احتال لنفسه كي ينجو مما هو فيه ان كان ثابت الجنان ذكيا, روى ابن كثير في تاريخه ان مصعب بن الزبير بن العوام اسر رجلا فأمر بقتله، فقال له الرجل: أعز الله الأمير, ما اقبح بمثلي أن يقوم ويتعلق  بأطرافك الحسنة, وبوجهك الذي يستضاء به ويقول: يا رب سل مصعباً فيما قتلني؟ فعفا عنه الأمير مصعب, فقال الرجل: ان رأيت بعد ما وهبتني من حياتي أن تجعل عيشي رضيا, فوهبه مئة ألف درهم, فقال الرجل: اني اشهدك أيها الأمير اني جعلت نصفها لابن قيس الرقيات لقوله فيك:
انما مصعب شهاب من الله
تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه
جبروت منه ولا كبرياء
يتقي الله في الأمور
وقد أفلح من همه الاتقاء
فقال مصعب: ولابن قيس الرقيات مثلها.
وأذهب الى بيت الشعر عنوان الموضوع فأقول: أي وحي الذي كفر به هذا الشاعر؟ لا تذهبوا بعيداً واسمعوا القصة.
هذا البيت من الأبيات الظريفة أورده الطبري في تاريخه وابن كثير وابن الاثير وغيرهم وله قصة عجيبة حدثت عند استيلاء المختار بن ابي عبيدة الثقفي على العراق وقتله عبيد الله بن زياد، والقصة أن سراقة البارقي خرج على المختار فأسر وجيء به للمختار ففكر بحيلة ينجو بها من القتل فقال للمختار: أصلحك الله أيها الأمير, سراقة بن مرداس يحلف بالله الذي لا إله إلا هو انه رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق, بين السماء والارض! فقال له المختار: اصعد المنبر واخبر المسلمين بما رأيت فصعد سراقة المنبر واخبرهم بذلك ثم نزل فخلا به المختار وقال له: أعلم انك كاذب ولم تر شيئاً, فاذهب عني حيث شئت ولا تفسد علي أصحابي، فخرج سراقة ثم عاود سراقة قتال المختار مع المصعب بن الزبير وهو يقول:
ألا أبلغ أبا اسحاق أني
رأيت البلق دهماً مصمتات
أرى عيني ما لم ترأياه
كلانا عالم بالترهات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا
عليّ قتالكم حتى الممات
إذا قالوا أقول لهم كذبتكم
وإن خرجوا لبست لهم أداتي
تعالوا نتعرف على هذا الشاعر سراقة بن مرداس بن اسماء البارقي، وبارق إحدى قبائل الأزد التي تسكن شبه الجزيرة العربية وتقع ديارهم في محافظة بارق جنوب غرب المملكة العربية السعودية واصلال الازد من كهلان من سبأ.
دمتم سالمين في أمان الله
«يتبع»

أيها السادة دعونا نعود في ذاكرتنا إلى العصر الذهبي للأغنية الكويتية، ونقف أمام قامة فنية شامخة وفارس من فرسانها المعدودين، كان له بصماته الواضحة ليس على مستوى الشعر الغنائي فحسب وإنما تخطى ذلك ببرامجه التوثيقية الرائعة روعة أخلاقه، الشاعر الكبير بدر بورسلي الذي غالبت دموعه فرحه وهو يرى الكويت محررة من براثن العدو الغاشم، فتسابقت آهاته معلناً بصوت يسمعه القريب والبعيد:
وطني..
وطن النهار...
أنت النهار يا وطني
أنت الأمل لي هل...
وأنت النهار لي طل
آه يا وطن...
ياللي انولد من جديد
انت محيط الأرض...
يا موج البحار...
وطن النهار
وياك عبرت الزمن...
الله شكثر يا كويت
قلبي خفق يا كويت...
شلتك بجوفي وطن
أنت الوطن بس أنت...
أنت الأصل بس أنت
أنت الحياة بس أنت...
غصب على الآلام
ترجع وطن من جديد
بدر بورسلي الشاعر الانسان والانسان الشاعر، هو بدر الأغنية الكويتية بجمالها وروعتها ودخولها قلوب الناس بلا استئذان، بدر بورسلي الإعلامي الذي رسم لنفسه خطاً جعله مدرسة لمن جاء بعده، رائع في قصائده مثلما هو رائع في حديثه وطيبته ورقته وأحاسيسه، بدر بورسلي المتميز الذي كانت وما زالت الكويت أغلى من روحه التي بين جنبيه، بدر ابن شرق وابن المرقاب وابن جبلة والشامية والروضة ومشرف والجهراء والفحيحيل وكل منطقة من مناطق كويتنا الغالية، اذا كتب فاضت أحاسيسه عطرا عبقاً يملأ كلماته وحروفه، هو الشاعر والفنان والمخرج والمعد والمقدم وقبل كل هذا وذاك ابن الكويت البار الحدب على وطنه المحب للناس الشديد الحرص على الكلمة التي يكتبها ويقولها، تجده في الإذاعة وتجده في التلفاز وتجده في المسرح نجماً لامعاً مضيئاً.
المسألة، افهم كلامي بأوله...
والمشكلة أصبحت انت المشكلة
انت إذا انت زعلت...
تنسى انه لك صاحب
وانت إذا انت رضيت...
ممنوع أنا أعاتب
دايم أنا المغلوب...
وانت اللي غالب
تفهم كلامي بالغلط...
شكل الذي تبغيه
ولي جيت أنا لك بالنقط...
قلت سوي ما تسويه
اهدي فيك ما تهتدي...
وارجع من اول ابتدي
هذا هو احساس الاستاذ بدر بورسلي، وحقاً هو اسم على مسمى، ايها السادة الكرام لم يعد هذا الانسان متميزاً فحسب بل أصبح علامة فنية لا تتكرر. عودوا إلى أرشيفه الضخم تروا أن بدر بورسلي لم يتراجع خطوة إلى الوراء، ففي المسرح على سبيل المثال لا الحصر باتت كلماته التي كتبها بالانكليزية تردد جيلا بعد جيل:
اوكي اوكي اوكي.. ماي درالنج اوكي.. افري ثنق اوكي.
اعلموا ايها السادة ان بدر بورسلي اكبر من هذه السطور كقول الأول جهد مقل، وان الجود بالموجود لذا استمحيكم العذر مقدما وأحيي استاذي الغالي أبا ناصر بدر بورسلي.

أيها السادة الكرام،دولة الكويت الغالية،تزخر بالرجال أولي السؤدد والبصيرة النافذة والرأي الصائب، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، هم نجوم أضاءت سماء الوطن، أضاءت عطاء وبذلاً وإخلاصاً وحباً لهذا التراب الغالي، ومن بين هؤلاء الرجال السيد الفاضل العم عبدالعزيز أحمد الغنام أطال الله تعالى في عمره، وألبسه ثوب الصحة والعافية، يعد هذا الرجل علماً من أعلام الكويت، وهو قبل ذلك ابن بار من أبنائها. عبدالعزيز الغنام مدرسة حياة قائمة بذاتها، هو تاريخ رائع وروعة تاريخ،رجل جرب الحياة بحلوها ومرها، وشدتها ولينها، ولله در كثير عزة حيث يقول:
وجربت الأمور وجربتني
وقد أبدت عريكتي الأمور
وما تخفى الرجال علي إني
بهم لأخو مثاقفة خبير
أبو أحمد رحلة عطاء، وعطاء رحلة عاصر خلالها خمسة أمراء لدولة الكويت بدأ بالشيخ أحمد الجابر الحاكم العاشر رحمه الله وإلى العهد الميمون لصاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله. عرفناه رجلاً عصامياً، ونموذجاً متميزاً لكل شاب يريد أن يشق طريقه في الحياة، وهو أيضاً من أسرة فاضلة كريمة تعود بجذورها إلى قبيلة تميم نزحت كما نزح غيرها من أسر نجد من الزلفي إلى الكويت واستقرت في منطقة قبلة، وهم كما قال عبيد بن العرندس:
هينون لينون أيسار ذوو كرم
سواس مكرمة أبناء أيسار
لا ينطقون على العمياء إن نطقوا
ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم
مثل النجوم التي يسري بها الساري
عرفنا العم عبدالعزيز بكفاحه وجده واجتهاده وعصاميته، فهو نموذج رائع لكل شاب يريد أن يشق طريقه في الحياة، لم يمنعه عدم إكماله تعليمه من رسم أهدافه والسير بخطى ثابتة وبكل ثقة للوصول إلى هذه الأهداف وحصد النجاح تلو النجاح في مسيرة عطائه من خلال سيرة عطرة يعتز بها أبناء الكويت ولسان حاله يردد قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشي:
بقدر الكد تكتسب المعالي
ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كد
أضاع العمر في طلب المحال
تروم العزَ ثم تنامُ ليلا
يغوص البحرُ من طلب اللآلي
هذه الأبيات تختصر لنا شخصية عبدالعزيز الغنام،يقول المتوكل الليثي:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
يوما على الأحساب نتكل
نبني كما تبني أوائلنا
تبني ونفعل فوق ما فعلوا
دمتم سالمين، في أمان الله.

الصفحة 1 من 41