جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

أي فتى هذا الذي اضاعه قومه، واضح جدا ثقته بنفسه فهو في الكريهة ظاهر لا يخفى مكانه، ناهيك عن سداده وكفايته في الثغور، أما الكريهة فهي الشدة في الحرب عندما تشمر عن ساقها، وهي ايضا النازلة، أما الثغور فهي الحدود الفاصلة بين المسلمين والكافرين، لاشك أنه يصف شجاعة مفرطة واقداما ما بعده اقدام:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
ليوم كريهة وسداد ثغر
ليس ذلك فحسب لم يكتف هذا الشاعر بما ذكرته لكم وانما قال:
وصبر عند معترك المنايا
وقد شرعت اسنتها بصدري
هو ذو صبر عند الاصطراع والاصطدام والاستماتة بالقتال يتلقى الاسنة بصدره بكل شجاعة وبسالة والسؤال: أمثل هذا الرجل يستحق أن يضيعه قومه؟ لا بارك الله بقوم لا يعرفون حق مثل هذا البطل، لنطالع بقية الأبيات ثم نتعرف عليه:
كأني لم أكن فيهم وسيطا
ولم تك نسبتي في آل عمرو
أجرر في الجوامع كل يوم
فيالله مظلمتي وقهر
عسى الملك المجيب لمن دعاه
ينجيني ويعلم كيف شكري
فأجزي بالكرامة أهل ودي
وأجزي بالضغينة أهل ضري
هذه الأبيات من اشهر ابيات العصر الاموي، قالها هذا الشاعر وهو في سجنه للخليفة العاشر: هشام بن عبدالملك بن مروان «105 - 125هـ» اما الشاعر فهو: عبدالله بن عمر بن عمرو بن امير المؤمنين عثمان بن عفان بن ابي العاص بن أمية بن عبدشمس بن عبدمناف، المشهور بلقبه العرجي نسبة الى قرية من قرى الطائف كان له مال فيها، وكان من شعراء قريش المعدودين في عصر بني أمية، عرف بالغزل والفتوة واشتهر بشدة سخائه وكرمه، وهو خليفة الشاعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، ذكر انه خرج للغزو في جيش المسلمين وكان امير الجيش: مسلمة بن هشام بن عبدالملك فأصابت الناس مجاعة فقال العرجي للتجار: أعطوا الناس وعلى ما تعطون فلم يزل يعطي الناس ويطعمهم حتى أخصبوا وبلغ مقدار ما ضمنه للتجار عشرين ألف دينار كان العرجي أفرس الناس وأرماهم وابراهم بسهم، أما سبب سجنه فأسبابه كثيرة منها هجاؤه محمد بن هشام المخزومي أمير مكة المكرمة وخال الخليفة هشام بن عبدالملك، منها قوله:
ألا قل لمن أمسى بمكة قاطنا
ومن جاء من عمق ونقب المشلل
دعوا الحج لا تستهلكوا نفقاتكم
فما حج هذا العام بالمتقبل
وكيف يزكي الحج من لم يكن له
إمام لدى تجميره غير دلدل
يظل يرائي بالصيام نهاره
ويلبس في الظلماء سمطي قرنفل
وقال فيه أيضا:
كأن العام ليس بعام حج
تغيرت المواسم والشكول
فمازال محمد بن هشام مضطغنا على العرجي حتى اخذه وقيده وضربه وحلق شعره واقامه للناس، ثم حبسه واقسم ان لا يخرج من السجن ما دام له سلطان، فقال العرجي معرضا بهشام بن عبدالملك:
سينصرني الخليفة بعد ربي
ويغضب حين يخبر عن مساقي
علي عباءة بلقاء ليست
مع البلوى تغيب نصف ساقي
ويغضب لي بأجمعها قصي
قطين البيت والدمث الرقاق
أعطى هشام أذنا صماء للعرجي ولم يعره اهتمامه، فمحمد بن هشام ابن خاله فظل العرجي في سجنه حتى مات بعد عذاب شديد، ثم يموت الخليفة هشام بن عبدالملك ويتولى الخلافة الوليد بن يزيد بن عبدالملك، وكان مضغنا على محمد بن هشام وعلى أخيه ابراهيم بن هشام، فأحضرهما عنده بالشام، ثم دعا بالسياط، فقال له محمد: أسأل بالقرابة قال: وأي قرابة بيني وبينك؟ قال: فأسألك بصهر عبدالملك، قال: لم تحفظه فقال: يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب قرشي بالسياط الا في حد قال: ففي حد اضربك وقود أنت أول من سن ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن امير المؤمنمين عثمان بن عفان فما رعيت حق جده ولا نسبه وأنا ولي ثأره،اضرب يا غلام، فضربهما ضربا مبرحا واثقلا بالحديد ووجه بهما الى أمير العراق يوسف بن عمر الثقفي بالكوفة وأمره باستصفائهما وتعذيبهما حتى يتلفا فعذبهما عذابا شديدا واخذ منهما مالا عظيما فماتا في السجن وأعود الى العرجي وأقول: رغم شهرته الواسعة لم يذكر احد المؤرخين السنة التي ولد فيه والسنة التي مات فيها والظن أنه ولد بحدود ستين للهجرة وأن وفاته سنة مائة وعشرين، ومن الغرائب التي تروى بعد وفاة العرجي بسنين أن الامام ابي حنيفة النعمان رحمه الله كان له جار ذو حرفة يعمل نهاره كله وإذا عاد الى منزله عشاء، يشرب الخمر، حتى تأخذ منه الخمر مأخذها ثم يبكي ويظل يردد قول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
ليوم كريهة وسداد ثغر
ولا يزال هذا دأبه حتى يغلبه النوم وكان أبوحنيفة يقيم ليلة ويسمعه وفي ليلة من الليالي فقد صوت جاره فلما صلى الفجر سأل عنه فقيل له: أخذه العسس، فركب بغلته وذهب الى أمير الكوفة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس فلما أخبر بقدوم أبي حنيفة، أمر حرسه بأن يدخلوه وهو على بغلته حتى يطأ بساطه اجلالا له ثم أجلسه الأمير الى جانبه وسأله عن حاجته؟ فأخبره بأن جاره أخذه العسس ليلة البارحة وأنه جاء ليشفع له فأخرج الأمير عيسى جاره وكل من في السجن اكراما لابي حنيفة فخرج وجاره معه والتفت الإمام اليه وقال: هل اضعناك يا جار؟ قال: لا ياسيدي بل حفظت الجيرة ورعيتها فجزاك الله عني كل خير، وتاب من الخمر على يد أبي حنيفة وقد وردت هذه القصة في أوائل عصر الدولة العباسية ووردت في أهم المراجع التاريخية والاسلامية مثل: تاريخ ابن كثير ووفيات الأعيان لابن خلكان وغيرها ومن جميل أشعار العرجي قوله:
يا دار عاتكة التي بالأزهر
أو فوقه بقفا الكثيب الأحمر
لم ألق أهلك بعد عام لقيتهم
ياليت أن لقاءهم لم يقدر
بفناء بيتك وابن مشعب حاضر
في سامر عطر وليل مقمر
مستشعرين ملاحفا هروية
بالزعفران صباغها والعصفر
فتلازما عند الفراق صبابة
أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر
أنظر الى بديع تصوير العرجي في بيته الأخير والأزهر الذي ذكره على ثلاث من الطائف وابن مشعب مغن من أهل مكة عرف بجمال الصوت وحسن صورته.
اكتفى بهذا القدر

دمتم سالمين، وفي أمان الله

الثلاثاء, 25 أبريل 2017

من راقب الناس مات هماً

هذه العبارة صادقة، وهي حقيقة فمن يراقب الناس يموت من الهم، فما شأنك بالناس حتى تراقبهم؟! أنت مسؤول عنهم؟ دع الخلق للخالق، من أخطأ فذنبه على جنبه، لست عليه بوكيل، عليك بشأنك أيها الرجل، ولا شأن لك بالناس، وإذا كنت مقتنعاً بما تفعله من تصرفات فلا تهتم للناس ما لم تكن تصرفاتك لا تتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف، وإرضاء الناس غاية لا تدرك.
يقول الشاعر العباسي سلم الخاسر:
من راقب الناس مات هماً
وفاز باللذة الجسور
والجسور الشجاع يفوز بما يريد، أما الجبان المتردد فنهايته الفشل الذريع، لا تلتفت الى الوراء، واذا عزمت فتوكل على الله، وكل ناجح له حساده، فدعهم يموتوا بغيظهم ولا تعرهم اهتمامك وامض لشأنك.
أيها السادة «من راقب الناس مات هماً» مثل دارج صنعه سلم الخاسر في هذا البيت الذي اغترفه من بحر أستاذه بشار بن برد القائل:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
العجيب ان بيت سلم الخاسر أمات بيت بشار بن برد واشتهر شهرة واسعة، وردد في كل زمان ومكان، لأنه أخف وأسهل، ربما استغرب البعض من اسم هذا الشاعر «الخاسر» ولهذه التسمية سبب وروايتان، الرواية الأولى تقول انه باع مصحفاً واشترى بثمنه ديوان شعر أو عوداً، والرواية الثانية تقول انه ورث عن والده أموالا كثيرة فأنفقها حتى لم يبق منها درهم واحد!! ولكم ان تختاروا إحدى الروايتين الأقرب الى الواقع.
هو سلم بن عمرو بن حماد، مولى تيم بن مرة، ثم مولى أبي بكر الصديق، من شعراء العصر العباسي الأول، ولادته في البصرة، ثم عاش في بغداد، وهو من شعراء الخليفة العباسي الثالث محمد المهدي وعاصر الهادي والرشيد، عرف باللهو والمجون، وهو من تلاميذ بشار بن برد، سهل العبارة لين النسيج اللغوي، سائر الشعر، من الشعراء المجيدين، مداحا للملوك والأشراف، نال منهم الكثير، كان سمحاً كريماً على اخوانه من أهل الأدب وغيرهم، ومن أصحابه المغني المشهور ابراهيم بن إسحاق الموصلي وابو العتاهية الشاعر، وكان أعرف شعراء عصره بالشعر الجاهلي.
ومما يذكر عن هذا الشاعر انه كان منطقيا يستطيع ان يجعل القصيدة كلها على حرف واحد، مثل قوله للخليفة العباسي الثالث موسى الهادي:
موسى المطر.. غيث بكر.. ثم انهمر.. كم اعتبر.. فم فتر.. وكم قدر.. ثم غفر..
عدل السير.. باقي الأثر.. خير البشر.. فرع مضر.. بدر بدر.. لمن نظر.. هو الوزر.. لمن حضر.
ولما عهد هارون للأمين بالخلافة من بعده، قال سلم:
قد وفق الله الخليفة إذ بنى
بيت الخليفة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده
شهدا عليه بمنظر وبمخبر
قد بايع الثقلان في مهد الهدى
لمحمد بن زبيدة بن جعفر
فحشت زبيدة بنت جعفر أم محمد الأمين فاه دراً قيمته ثلاثين ألف دينار، أما بيته المشهور فهو ضمن قصيدة جميلة يقول فيها:
بان شبابي فما يحور
وطال من ليلي القصير
أهدي لي الشوق وهو خلو
أغن في طرفه فتور
وقائل حين شب وجدي
واشتعل المضمر الستير
لو شئت أسلاك عن هواه
قلب لأشجانه نكور
فقلت لا تعجلن بلومي
فإنما ينبئ الخبير
عذبتني والهوى صغير
فكيف والهوى كبير
من راقب الناس مات هماً
وفاز باللذة الجسور
وقد استخدم سلم الخاسر هنا مثلان معا، من راقب الناس مات هماً، وفاز باللذة الجسور، أما أبيات بشار بن برد التي استوحى منها بيته وهي من فاخر قصائده هذه الأبيات:
خشاب هل لمحب عندكم فرج
أو لا فإني بحبل الموت معتلج
لو كان ما بي بخلق الله كلهم
لا يخلصون الى أحبابهم درجوا
للهجر نار على قلبي وفي كبدي
إذا نأيت ورؤيا وجهك الثلج
ومنها أيضاً:
خشاب جودي جهاراً أو مسارقة
فقد بليت ومرت بالمنى حجج
حتى متى أنت يا خشاب جالسة
لا تخرجين لنا يوما ولا ثلج
لو كنت تلقين ما نلقى قسمت لنا
يوما نعيش به منكم ونبتهج
لا خير في العيش إن كنا كذا أبداً
لا نلتقي وسبيل الملتقى نهج
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
وعندما توفي سلم الخاسر سنة 186هـ ترك قرابة الأربعين الف دينار، ولم يكن له وارث، فسأل ابراهيم بن اسحاق الموصلي هارون الرشيد ان يهب له تركته لأنه كان صديقه، فأمر له بها الرشيد فقبضها، وقد ورد آنفا ذكر زبيدة بنت جعفر، زوجة هارون الرشيد وابنة عمه، وأم الخليفة العباسي السادس محمد الأمين، واسمها أمة الله بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب بن هاشم، ولدت في خلافة جدها المنصور، وهو الذي أطلق عليها لقب: زبيدة، وهي ثالث هاشمية أنجبت خليفة، الأولى فاطمة بنت أسد بن هاشم أنجبت الإمام علي بن أبي طالب، والثانية: فاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أنجبت الحسن بن علي،والثالثة زبيدة بنت جعفر أنجبت محمد الأمين، وكانت كثيرة الإنفاق في وجوه الخير، ولها آثار كثيرة في طريق مكة المكرمة والمدينة المنورة، وجد بعضها في زماننا هذا، توفيت في خلافة عبدالله المأمون الخليفة العباسي السابع، في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين للهجرة رحمها الله تعالى.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الأحد, 23 أبريل 2017

الزين صباح الناصر

النجاح ليس بالأمر السهل والبسيط، كثير من الناس يرغبون في النجاح ولكن القول اسهل من الفعل، فالنجاح لا يصل اليه إلا صاحب فكر ثاقب يخطط قبل أن يبدأ ويضع له رسالة وهدفاً وأن يكون واقعيا وواثقا من نفسه، وعنده أولويات ولا ينجح الا من هو ذو شخصية متميزة، باذلا جهده في سبيل تحقيق أهدافه، لا يسيطر عليه القلق والتفكير، يقول الإمام محمد بن ادريس الشافعي رضي الله عنه:
بقدر الكد تكتسب المعالي
ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كد
أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليلا
يغوص البحر من طلب اللألي
أيها الأحبة، هناك أسماء لا يمكن نسيانها تظل عالقة في ذاكرة الكويت تغيب جسدا وتظل أعمالها خالدة لا تنسى هذه الأسماء هي الغائبة الحاضرة من هذه الاسماء التي لا يمكن أن ننساها الشيخ صباح الناصر السعود وشقيقه الشيخ سعود رحمهما الله تعالى، هما من خيرة أبناءالأسرة الحاكمة، وفي كلهم الخير وهما كما قال الحطيئة العبسي:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا
وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها
وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها
وإن غصبوا جاء الحفيظة والجد
الشيخ صباح والشيخ سعود استلما مناصب مهمة في الدولة الأول أعرفه ويعرفني وجلست معه كثيرا في مكتبه عندما كان وكيلا لوزارة الدفاع وأزوره في ديوانه بالمناسبات، أما الشيخ سعود فكانت علاقتي به قوية خاصة عندما كان وزيرا للاعلام شهادتي في هذين الرجلين مجروحة فالناس تعلم ما قدما لوطنهما الكويت، وهما أكبر من هذه السطور التي كتبتها، وقد تحدثت عنهما باسهاب من خلال برنامجي الوثائقي الاذاعي «من الذاكرة» وهما يستحقان أكثر مما قلته عنهما، لأنهما نجمان اضاءا سماء الكويت ونجحا نجاحا منقطع النظير كل في مجاله وعندما أتذكرهما أردد أبيات ابن سناء الملك التي يقول فيها:
سواي يهاب الموت أو يرهب الردي
وغيري يهوى أن يعيش مخلدا
ولكنني لا ارهب الدهر إن سطا
ولا أحذر الموت الزؤام إذا عدا
ولو مد نحوي حادث الدهر كفه
لحدثت نفسي أن امد له يدا
توقد عزمي يترك الدهر جمرة
وحيلة حلمي تترك السيف مبردا
وأظمأ ان ابدي لي الماء منة
ولو كان لي نهر المجرة موردا
وإنك عبدي يا زمان وانني
على الرغم مني أن ارى لك سيدا
الحديث عن صباح وسعود الناصر حديث صدق وأمانة فهما كانا غفر الله لهما أهل صدق وأمانة، أيها السادة، هذه مقدمة لما سأقوله حديثي عن الشيخة الزين صباح الناصر وكيل وزارة لشؤون الشباب هذه المرأة الناجحة التي جعل الله لها من اسمها حظا وافرا فهي فعلا وقولا اسم على مسمى، عن نفسي فأنا لا اعرف الزين ولم أرها في حياتي على الاطلاق الا من خلال وسائل الاعلام إلا ان هذه المرأة حصدت النجاح في مجال عملها ولفتت الانظار اليها وهي نموذج رائع للكويتية في نشاطها وحضورها واخلاصها لهذا الوطن ولله در القائل: «من شابه أباه فما ظلم» فهي مبعث فخر لنا ورفعة رأس، كما أنها قدوة حسنة لغيرها، سارت من حيث توقف والدها وأكملت المسيرة بخطوات ثابتة بكل ثقة، ونجحت وسيتواصل نجاحها بإذن الله تعالى، لم تصل الزين الصباح الى ما وصلت اليه الا بجدارة واستحقاق واني والله لا أعجب من نجاحها كلما تذكرت والدها الشيخ صباح الناصر، ومع ذلك فالنجاح الذي حصلت عليه ليس لأنه والدها، وإنما هي كما قال المتوكل الليثي:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل مثلما فعلوا
وهي كذلك، فالنجاح لا يأتي من فراغ، وإنما بالجد والاجتهاد والمثابرة، فبارك الله بك وأعانك على خدمة وطنك وسدد خطاك يا ابنة الكويت المخلصة.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

نحن الآن بصدد قصة تاريخية تظهر يقظة راعٍ مسؤول عن رعيته، بها عبرة وعظة، هذه القصة، أبطالها ثلاثة، أولهم أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ثاني خليفة عرفه الإسلام، وأول من تسمى بأمير المؤمنين، والثاني من أبطال هذه القصة، شاب من أبناء الصحابة على قدر كبير من الجمال، لم يكن في وقته شاب أجمل منه واسمه:نصر بن حجاج السلمي، الشخصية الثالثة هي: الذلفاء، فريعة بنت همام، الوقت: بعد منتصف الليل، أهل المدينة يغطون في سبات عميق، الحركة منقطعة تماماً، الهدوء يخيم على المدينة المنورة، لا حركة إلا خطوات عمر بن الخطاب، يجول في السكك متفقداً أحوال رعيته، هذا دأبه، وهذه سيرته، يلتقط النوى من الأرض ويرميه في البيوت ليستفيد منه الناس، وبينما هو كذلك إذا به يسمع امرأة تغني!! أنصت لها، فإذا هي تقول:
يا ليت شعري، عن نفسي أزاهقة
مني ولم أقض ما فيها من الحاج
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
أم من سبيل الى نصر بن حجاج
الى فتى ماجد الأعراق مقتبل
سهل المحيا كريم غير ملجاج
فغضب عمر وقال: لا أرى معي في المدينة رجلا تهتف باسمه النساء في خدورهن!! ولما أصبح دعاه، فجيء به اليه، فإذا هو أجمل الناس، فقال له عمر: عزيمة من أمير المؤمنين أن تأخذ من شعرك، فأخذ من شعره، فكان أجمل مما كان عليه، فطلب منه ان يعتم، فلبس عمامة فزاد حسنا وجمالا، فتركه وفي نفسه منه شيء، ثم بعد ذلك سمع المرأة تقول:
حلقوا رأسه ليكسب قبحاً
غيرة منهم عليه وشحاً
كان صبحاً عليه ليل بهيم
فمحوا ليله وأبقوه صبحاً
فأرسل اليه مرة أخرى،وقال له: والله لا تساكنني في بلدة أنا فيها!! فقال نصر: يا أمير المؤمنين، وما ذنبي أنا؟ فقال: هو ما أقول لك، ثم سيره الى البصرة، وأعطاه نفقة، وخافت المرأة من عمر خوفاَ شديداً، فأرسلت له هذه الأبيات:
قل للإمام الذي تخشى بوادره
مالي وللخمر أو نصر بن حجاج
لا تجعلن الظن حقاً أو تبينه
إن السبيل سبيل الخائف الراجي
ما منية قلتها عرضا بضائرة
والناس من هالك قدماً ومن ناجي
إن الهوى شد بالتقوى فقيده
حتى قر بالجام واسراج
فبكى عمر وقال: الحمد لله الذي قيد الهوى بلجام العفاف والتقوى، ثم بعد حين وقفت أم الحجاج لعمر بن الخطاب بين الأذان والإقامة، وقالت له: يا أمير المؤمنين، والله لأقفن أنا وأنت بين يدي الله تعالى يوم القيامة، وليحاسبنك الله على ما فعلت بابني!! ايبيتان عبدالله وعاصم على جنبك، وبيني وبين ابني الفيافي، فقال لها عمر: ابناي لم تهتف النساء باسمهما في خدورهن، ثم أرسل عمر إلى عتبة بن غزوان بريداً وكان أمير البصرة فأقام البريد أياماً ثم نادى عتبة، من أراد ان يكتب إلى أمير المؤمنين فليكتب، فإن البريد خارج، فكتب نصر بن حجاج، بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك يا أمير المؤمنين، أما بعد فاسمع مني هذه الأبيات:
لعمري لئن سيرتني أو حرمتني
وما نلت من عرضي عليك حرام
فأصبحت منفياً على غير ريبة
وقد كان لي بالمكتين مقام
أأن غنت الذلفاء يوما بمنية
وبعض أماني النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده
بقاء ومالي جرمة فآلام
فيمنعني مما تقول تكرمي
وآباء صدق سابقون كرام
ويمنعها مما تقول صلاتها
وحال لها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت مرجعي
فقد جب مني كاهل وسنام
فلما وصل الكتاب إلى عمر قرأه وقال: أما ولي سلطان فلا تعود الى المدينة، العجيب في هذه القصة، انه اتضح ان ما فعله عمر بن الخطاب عين الصواب والحكمة، فما كان الله ليخذل الفاروق، فبعد أن سكن نصر بن الحجاج البصرة، أتى ابن عم له يقال له: مجاشع بن مسعود السلمي، وكان يزوره بين الوقت والآخر، وفي أحد الأيام دخل نصر على مجاشع منزله، وعنده امرأته وكان مجاشع أميا لا يقرأ ولايكتب، فكتب نصر على الأرض: أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك، ولو كان تحتك لأقلك، فكتبت المرأة: وأنا والله كذلك، فوضع مجاشع على الكتابة إناء، ثم أدخل كاتباً فقرأه، فأخرج نصراً من داره وطلق المرأة، وقال لنصر: علمت والله ما غربك أمير المؤمنين لخير، وأنه لعلى حق،ثم إن عمر رضي الله عنه، سار ليلة كعادته يتفقد أحوال المدينة، وبينما هو يسير الى جانب جدار بيت اذ به يسمع نسوة يتحدثن، وكانت البيوت في ذلك الزمان من طين وخشب لا تعزل الصوت، فسمع إحداهن تقول للأخرى: أي فتيان المدينة أجمل؟ فقالت الأخرى: أبو ذئب فوغر في صدره كلام النسوة، فهو للتو تخلص من نصر بن حجاج، وفي صباح اليوم التالي أرسل في طلب أبوذئب، فجاءه، واذا به لا يقل جمالا عن نصر بن الحجاج فقال له عمر بغضب: أنت والله ذئبها.. انت والله ذئبها... أنت والله ذئبها!! والذي نفسي بيده لا تجمعني بك أرض أبداً»، فقال أبو ذئب: وما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ قال: هو ما قلت لك، لا أدعك تفتن نساء المؤمنين، قال أبو ذئب: يا أمير المؤمنين، إن كنت ولا بد مخرجي من المدينة، فأرسلني حيث غربت نصر بن الحجاج وكان ابن عمه فسيره عمر الى البصرة، أما والد نصر فهو: حجاج بن علاط بن خالد بن ثوير السلمي، يكنى أبا كلاب، سكن المدينة المنورة وهو معدود من أهلها، أسلم وحسن أسلامه، وشهد مع النبي عليه الصلاة والسلام فتح خيبر، وقد خدع كفار قريش وذكر ان سيدنا محمد هزم ليجمع منهم ماله،وكان ذلك بإذن من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبر العباس بن عبدالمطلب سراً ان المسلمين فتحوا خيبر، ذكر ان الحجاج توفي في خلافة عمر بن الخطاب، وقيل غير ذلك.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الجمعة, 21 أبريل 2017

شادي الخليج

في فن الغناء يرتبط نجاح الاغنية بثلاثة عوامل اذا توافرت نجحت الأغنية، العامل الاول وهو الأساس الكلمة الصادقة التي تصل الى القلب قبل الأذن والصوت الشجي الذي يحتوي هذه الكلمات ويؤديها بصدق، ثم يأتي اللحن الذي يمزج الكلمة بالصوت بإجادة تامة من خلال الموسيقى، لذلك حرص شيخ الفنانين في الكويت «شادي الخليج» على اختيار الكلمة الصادقة واللحن المعبر طوال مسيرته الفنية التي امتدت ستة عقود، ومن اراد ان يعرف ذلك فليستمع إليه وهو يغني رائعة شاعر الكويت الكبير فهد العسكر:
كفي الملام وعلليني.
فالشك أودى باليقين
وقد لحنها الراحل: أحمد باقر سنة 1963، عندما تستمع الى شادي الخليج تشعر وكأنك امام شريط سينمائي يروي لك قصة هذه الأبيات الحزينة، فلماذا؟ لأسباب كثيرة أهمها: صدق أدائه واحساسه الشديد بالمعاناة، التي صاغها فهد العسكر شعرا وأبدع بها أحمد باقر لحنا، والحقيقة الملموسة أن انطلاقة شادي الخليج في الغناء لم تعرف التراجع يوما من الأيام، فقد بدأ ناجحا وتوقف عن الغناء وهو في قمة نجاحه، كل فنان يتقدم ويتقهقر الا هذا الفنان الكبير، لم يتراجع الى الوراء يوما من الايام ولعشقه الشديد لوطنه كان مبدعا في الاغاني الوطنية التي رددها ابناء الكويت جيلا بعد جيل، ومازالت هذه الاغاني رائجة حتى اليوم، اما في مجال الاصوات والفنون الكويتية الاخرى فحدث ولا حرج والجدير بالذكر ان شادي الخليج نجح اداريا ومسؤولا بقدر نجاحه في الغناء والسؤال المستحق: ما سر نجاح شادي الخليج؟ الحقيقة ان الاسباب كثيرة ومنها وهي الاهم: توفيق الله تعالى، لانه صادق مع نفسه ومع الناس، ثم الذكاء الذي تميز به، وميزة الذكاء لا تكون بالانسان الا ويصاحبها حسن الاختيار والاحساس المرهف الصادق والثقة بالنفس واتخاذ القرار، وكل هذه الصفات متوافرة في شخصية «شادي الخليج» وهو اسم على مسمى، لست من جيل هذا الفنان المبدع الا ان معرفتي به منذ زمن طويل يتجاوز الثلاثين عاما، واتذكر تماما اول لقاء صحافي جمعني به وهو في المبنى القديم لادارة الموسيقى التابعة لوزارة التربية، وكان في تلك الايام موجها عاما للموسيقى ونجما لامعا في عالم الاغنية، كان هذا اللقاء في اوائل ثمانينات القرن الماضي، ومازلت احتفظ بهذا اللقاء في ارشيفي، كان لقاء مطولا عرفته من خلاله واصبحت بيننا خلة، ولا ازال ايضا اتذكر الحفلة التي اقيمت في مدرسة العدساني بالجهراء تحت رعايته، وكان من المفترض ان يلقي ابني عثمان قصيدة بالحفلة وكان في العاشرة من عمره، إلا أن عريف الحفل نسي هذه الفقرة، وانتهى الحفل، وقام شادي الخليج ليغادر المكان، فأتيته وأخبرته أنه يفترض أن يقول ابني عثمان قصيدة وطنية، فعاد ادراجه وطلب من عريف الحفل ان يقدم هذه الفقرة واستمع الى القصيدة وقدم لعثمان هدية، شادي الخليج لقب اطلقه عليه الوزير والفنان الراحل حمد الرجيب رحمه الله تعالى، فراج هذا اللقب رواجا كبيرا اما اسمه فهو: عبدالعزيز خالد عبدالعزيز المفرج مولود في جبلة سنة 1939م في عهد حاكم الكويت العاشر الشيخ احمد الجابر الصباح، كان الفن في دمه منذ الصغر وشجعه حمد الرجيب على ذلك، فغنى اغنيته الاولى: لي خليل حسين التي كتبها الدكتور احمد العدواني ولحنها احمد باقر ثم انطلق في مجال الغناء يحصد النجاح تلو النجاح بثقة وتميز، حتى وصل الى القمة، شادي الخليج لا يقدم على عمل فني الا بعد دراسة وترو واضافة وتعديل وتغيير، لذا تجد لمساته واضحة في كل اعماله الفنية، لانه صقل موهبته بتعلم فن الموسيقى على اصوله في اعرق المعاهد الموسيقية «المعهد العالي للموسيقى بالقاهرة» الذي حصل منه على شهادة البكالوريوس، ثم كان نجاحه المدوي في اوبريتاته الوطنية الخالدة، شادي الخليج ايها السادة ابن من ابناء الكويت البررة، قدم رسالة فنية نجح من خلالها نجاحا كبيرا لانه كان مخلصا لوطنه وفنه، كما ساهم في الحركة الفنية مساهمة فعالة من خلال عمله كوكيل مساعد لوزير التربية ورئيس لجمعية الفنانين الكويتية ومسؤول عن مجلة عالم الفن لسنوات طويلة وعندما تستمع الى أي اغنية من اغانيه تحن الى كويت الماضي كويت البساطة والمحبة والتآلف، ولأنه يستحق منا الكثير، قامت الدولة بعلاجه عندما تعرض لازمة صحية بأمر من رأس الدولة صاحب السمو الشيخ صباح الاحمد امير البلاد حفظه الله ورعاه، وأبو علي يستحق هذا الاهتمام والتقدير وفي النهاية لابد من تكريم لهذا الفنان الكبير وليس هذا بالأمر الصعب، فليتهم يطلقون اسمه على احد الصروح الاعلامية الكثيرة في الكويت واقول له إن كان يقرأ هذه السطور كنا ومازلنا نحبك ونجلك ونحترمك فأنت أبا علي أشبه ما يكون من قول ابن هانئ الأندلسي:
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه
فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
وبالهمة العليا ترقى إلى العلى
فمن كان أعلى همة كان أظهرا
ولم يتأخر من اراد تقدما
ولم يتقدم من اراد تأخرا
دمتم سالمين وفي أمان الله.

الأربعاء, 19 أبريل 2017

وصية أبي محجن العجيبة

إذا مت فادفني الى جنب كرمة
يروي عظامي بعد موتي عروقها
بيت مشهور جدا عند أرباب الأدب يحمل وصية ما أنزل الله بها من سلطان، وصية في غاية الغرابة!! صاحب هذا البيت يوصي ابنه بدفنه بعد موته ان يجعل قبره الى جنب شجرة الكرم، هذه الشجرة التي يعصر منها الخمر، لماذا أوصى بذلك؟ الناس توصي بما يكون ذخراً لها يوم لقاء الله عز وجل وهو يوصي بذلك!! هو يريد عظامه بعد موته ان ترتوي من هذه الشجرة، هذه الوصية تدل دلالة واضحة على ان صاحبها مدمن خمر، أيجوز للمرء أن يوصي مثل هذه الوصية؟ ألا أوصى بصدقة جارية؟ ألا أوصى ببناء مسجد!! هذا الرجل صاحب هذه الوصية هو صحابي فارس شجاع أدرك الجاهلية والاسلام اسمه: عبدالله بن حبيب بن عمر بن عوف المعروف «بأبي محجن الثقفي» وهو مخضرم عاش الجاهلية والاسلام كان فارس ثقيف بلا مدافع، الا انه كان مدمنا على الخمر لا يصبر عنها وقد أقام عليه الحد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم نفاه وغربه الى جزيرة حضوضي وأرسل معه حرسياً يحفظه يقال له: «ابن جهراء» فهرب أبو محجن من الحرسي وتوجه الى العراق وفي ذلك يقول:
الحمد لله نجاني وخلصني
من ابن جهراء والبوصي قد حبسا
من يجثم البحر والبوصى مركبه
الى حضوضي فبئس المركب التمسا
البوص ضرب من السفن، فارسي معرب وصل أبو محجن الى العراق اذا المسلمون يقاتلون الفرس في القادسية فعلم به سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه وكان أمير الجيش فقبض عليه ووضع القيد برجله وسجنه، بأمر عمر بن الخطاب، وفي ليلة من ليالي القادسية اشتد القتال فيها فأخذت ابو محجن الحمية فمشى يرسف بقيوده الى «سعدى» زوجة سعد، فسألها ان تحل قيوده وتعطيه «البلقاء» فرس سعد ليقاتل مع المسلمين، وأعطاها عهدا ان يعود الى سجنه ان لم يقتل، فحلت قيوده وأعطته الفرس، فأغار على ميمنة الفرس وقاتل قتالاً شديداً ثم عاد وكر على الميسرة وكان يقصف الناس قضماً شديداً فتعجب المسلمون من قتاله ولم يكونوا يعرفونه، فنظر اليه سعد بن أبي وقاص وقال: الطعن طعن أبي محجن والصبر صبر فرسي البلقاء ولولا انه محبوس لقلت انه هو وأن الفرس فرسي ولما جن الليل عاد أبو محجن الى سجنه ووضع القيد برجله وكان قبل ذلك يقول:
كفى حزناً ان تردى الخيل بالقنا
وأترك مشدوداً على وثاقياً
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت
مصاريع من دوني تصم المناديا
فرأته زوجة سعد وقال له: يا أبا محجن في أي شيء حبسك هذا الرجل؟فقال: كنت صاحب شراب وأنا امرؤ شاعر فحبست لقولي:
اذا مت فادفنني الى جنب كرمة
يروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني في الفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
فذهب الى سعد بن أبي وقاص وكلمته في أمره فدعا به وأطلقه وقال له: لست مؤاخذك بشيء تقوله، حتى تفعله فقال أبو محجن: لا جرم والله لا شربتها أبدا، ثم قال بعد أن أقلع عن شرب الخمر:
رأيت الخمر صالحة وفيها
مناقب تهلك الرجل الحليما
فلا والله أشربها حياتي
ولا أشفي بها أبداً سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي
ولا أدعو لها أبداً نديماً
فإن الخمر تفضح شاربيها
وتجنبهم بها الأمر العظيما
وللأمانة التاريخية فإن هناك من يعزو هذه الأبيات: لقيس بن عاصم المنقري التميمي، أما أبو محجن فقد توفي بأذربيجان وقيل جرجان سنة 30 للهجرة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، والعجيب ان  وصيته قد تحققت فقد ذكر الهثيم بن عدي بسنده ان رجلا أخبره أنه رأى قبر أبي محجن الثقفي وقد نبتت عليه ثلاثة أصول كرم وقد طالت وأثمرت، وهي معروشة، فتعجب الرجل من ذلك وتذكر قوله:
اذا مت فادفني الى جنب كرمة
تروى عظامي عند موتي عروقها
وعندما تولى الخلافة معاوية بن أبي سفيان دخل عليه ابن أبي محجن فقال له: أولست أبوك القائل:
اذا مت فادفني الىجنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
فقال له ابن أبي محجن: لو شئت لذكرت ما هو أحسن من هذا، قال وما ذلك؟ قال: قول أبي:
لا تسألي الناس عن مالي وكثرته
وسائلي الناس ما فعلي وما حسبي
أعطى السنان غداة الروع حصته
وعامل الرمح أرويه من العلق
عف المطالب عما لست نائلة
وان ظلمت شديد الحقد والحنق
والقوم أعلم من سراتهم
إذا سما بصر الرعديدة الحنق
في أبيات أخرى، فأعجب به معاوية وقال له: والله لئن أسأنا لك القول، لنحسن لك الجائزة ثم أجزل له العطاء واذا ولدت النساء فيلدن مثلك، انتهى حديثي والسؤال: ما رأيكم بهذه الوصية التي تحققت لهذا الرجل بعد وفاته؟ أترك الاجابة لكم وأترككم في حفظ الله ودمتم سالمين.

المعيدي هذا له قصة بنيت عليها قصص كثيرة، كما أنه مثل دارج وينطق على ثلاث: الأول: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، والثاني: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، والثالث: لئن تسمع بالمعيدي خير لك من أن تراه، أما اشهر روايات هذا المثل ما رواه الضبي أن رجلا من بني تميم يقال له: شقة بن ضمرة النهشلي أكثر من الغارات على مسالح الملك: المنذر بن المنذر اللخمي، والمسالح جمع مفردها: مسلحة وهي اطراف المملكة، وكان هذا الرجل شجاعا جسورا داهية اريبا، وخلال غاراته يستاق الكثير من نعم الملك المنذر، فأرسل له السرايا لقتله أو أسره، السرية تلو السرية وكل هذه السرايا تعود له بخفى حنين تجر أثواب الخيبة والانهزام لشدة حذر شقة ويقظته ومعرفته بطرق الصحراء، فلما اعيا المنذر أمره بذل له الف من خيرة نجائبه والامان له علىان يأتيه، فوافق شقة وذهب إلى الملك المنذر ودخل عليه وكان شقة قصيرا دميما ضعيفا تزدريه العين، مع شهرته الواسعة فما ان رآه الملك حتى قال له: من أنت؟ قال: شقة بن ضمرة، فقال له: تسمع بالمعيدي لا ان تراه!! فقال شقة: أبيت اللعن، إن القوم ليسوا بجزر تجزر، والمرء بأصغريه: قلبه ولسانه، ان تكلم، تكلم ببيان، وان قاتل، قاتل بجنان، والرجال لا تكال «بالقفزات»، فأعجب المنذر بمنطقه وسماه ضمرة على اسم ابيه ضمرة وكان ابوه اثيرا عند المنذر من اخص اصحابه، وهو من رجال تميم سؤددا وشجاعة وكرما، وأحب المنذر ان يحاوره فسأله: ما الفقر الحاضر والعجز الظاهر؟ فقال: أما الفقر الحاضر، فهو أن يكون الرجل لا يشبع نفسه ولو كان من ذهب حلسه، وأما العجز الظاهر فهو: ان يكون الرجل قليل الحيلة، لازما للحليلة!! يطيع قولها ويحوم حولها - ان غضبت رضاها وان رضيت فداها فلا كان ذاك في الاحياء ولا ولدت مثله النساء، فأزداد اعجاب المنذر به وقال له: لله ابوك، اخبرني عن الداء الدواء؟ قال: اما الداء الدواء فهو جار السوء، ان كلمته بهتك، وإن قاولته شتمك، وان غبت عنه، سبعك فاذا كان جارك فخل له دارك، وعجل منه بفرارك، وان رضيت بالدار!! فكن كالكلب الهرار، وأقر له بالذل والصغار، قال الملك: صدقت واتخذه نديما له، وحديث ضمرة بن ضمرة طويل اخترت منه ما يناسب، والمعيدي تصغير لمعدي بشد الدال وخففت بالتصغير، وكان كثير بن ابي جمعة الخزاعي «كثير عزة» ذا شهرة واسعة وهو مع شهرته واشعاره الرائقة قبيح المنظر قصيرا ما شئت من دمامة تجدها فيه مع ضعف البنية، وكان الخليفة الاموي الخامس عبدالملك بن مروان يتمنى رؤية كثير معجبا بقصائده، وبينما هو في مجلسه إذا بالحاجب يقول له: كثير عزة يستئذنك بالدخول يا أمير المؤمنين ففرح عبدالملك وأمر بإدخاله، فما أن رآه عبدالملك حتى قال له على الفور: تسمع بالمعيدي خير لك من أن تراه، فقال كثير عزة بثبات: حي هلا يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن قاتل، قاتل بجنان، وإن تحدث، تحدث بمنطق وبيان، وأنا الذي أقول:
وجربت الأمور وجربتني
فقد أبدت عريكتي الأمور
وما تخفى الرجال علي إني
بهم لأخو مثابته خبير
ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير إذا تراه
فيخلف ظنك الرجل الطرير
بغاث الطير أطولها رقابا
ولم تطل البزاة ولا الصقور
خشاش الطير أكثرها فراخا
وأم الصقر مقلات نزور
ضعاف الأسد أكثرها زئيرا
واصرمها اللواتي لا تزير
وقد عظم البعير بغير لب
فلم يستغن بالعظم البعير
فيركب ثم يضرب بالهراوي
ولا دفع لديه ولا نكير
يقوده الصبي بكل أرض
وينحره على الترب الصغير
فما عظم الرجال لهم بزين
ولكن زينهم كرم وخير
فإن أك في شراركم قليلا
فإني في خياركم كثير
والعجب كل العجب ممن يذكر ان هذه الابيات للشاعر العباسي: ربيعة بن ثابت الانصاري المشهور بربيعة الرقي الضرير وبينه وبين كثير عزة اكثر من ستين عاما، من وفاة كثير فليست هذه الأبيات من نهج ولا أسلوب ربيعة الرقي، ومن العجائب التي رواها ابن خلكان أن طالب علم جاء للحريري صاحب المقامات: محمد بن القاسم البصري، وما أن راه طالب العلم حتى فوجئ بدمامته وقبح وجهه ففهم الحريري ذلك واشار اليه ان يكتب:
ما أنت أول سار غره قمر
ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري أنني رجل
مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني
دمتم سالمين في آمان الله.

هناك كلمات كثيرة لا تزال عالقة في أذهاننا نتذكرها أحيانا وننساها أحيانا أخرى بعض هذه الكلمات بدوية وأخرى حضرية أو قروية ومن بين آلاف هذه الكلمات ما يكون غريب اللفظ في الماضي كنا نسمع الرجل يثني على الرجل فيقول: فلان ونعم شقردي نعلم أنها صيغة مدح وإطراء ولكن لا نعلم المعنى الحقيقي لها والمرادف والمضاد، واصل هذه الكلمة شقردي صفة وهي مفرد الجمع منها: شقردية وليس لها أصل في اللغة العربية ولا نستطيع أن نقول «شقردة أو الشقردة» وهي كلمة فارسية لفظها الأصلي «شكردي» وتعني الرجل التقني الحاذق ذو الحرفة وشقردي لفظ بدوي يستخدم عند الجميع وله الكثير من المعاني: ان هذا الرجل ألمعي- نبيه- حاضر الذهن- شجاع- سريع البديهة- واثق بنفسه ويُتكل عليه- حسن التدبير والتصرف- قوي الشخصية- له حضور لافت- صادق وأمين وغيرها من المعاني المرادفة، لذلك تجد الرجل ينصح صديقه قائلا: إذا عندك شغل مهم وصعب فلان تراه يعجبك شقردي، العجيب ان البعض يوهم الناس بأنه «شقردي» ولكن مثل هذه النوعية سرعان ما ينكشف أمرها ويصبح من يتظاهر بهذه الصفة «مايسوى آنه» في نظر الناس ويقولون له: يا شين السرج على البقرة وأحيانا يقولون له بسخرية واستهزاء: «عجز عنها فارس الفرسان وتلقاها أبا الحصين» وأبا الحصين تعني الثعلب وكلمة «شقردي» لها كثير من الأضداد منها على سبيل المثال: الخامل- البليد- الكسول- الغبي- الضعيف المهزوز- المتواكل- ويمكن أن نقول للمرأة التي بها هذه الصفات: فلانة شقردية وغالبا ما تعرف كلمة شقردي بكلمة «شندي» إلا أن الشندي يتفوق على الشقردي في الفضائل والصفات الحسنة رغم أنهما يعطيان نفس المعنى، وكلمة شندي في الأصل «نوبية» يستخدمها أهل السودان وتعني عندهم: البيع بالنقد، والمعنى هنا غير بعيد عن المعنى عندنا، تجد الرجل يثني على الرجل فيقول: أنت رجل بمعنى الكلمة شندي بمعنى أنه حاضر وعلى أهبة الاستعداد وجريء. وقد وردت كلمة شقردي وشندي في الأشعار الشعبية فهذا الشاعر يقول:
نعم بربعي يوم صارت مواجيب
الكل منهم في لزومه شقردي
ويقول الشاعر الآخر:
رفعت راسي بين كل الأجانيب
أنشهد إنك يا ذرى الراس شندي
أذهب الآن الى الكلمة الثالثة وهي دراجة إلا أنها بدأت تتلاشى شيئا فشيئا وهي: سنافي للمفرد وللجمع: سنافية، سنافي للمذكر وللمؤنث المفرد سنافية كلفظ جمع المذكر ولجمع المؤنث: سنافيات والسؤال: ما معنى كلمة سنافي؟ وكيف نصيغها في جملة؟ السنافي صفة وهي أيضا لفظ بدوي يستخدمه الجميع والمعنى يصب في نفس معنى الشقردي والشندي إلا أن أصل كلمة سنافي عربي وهي مأخوذة من «السناف» والمعنى: الحبل المتين الذي يشد على ظهر الجمل لحمل البضائع، شبه به السنافي يقول الشاعر في هذا الصدد:
رفيقك اللي لابدا لازمك قام
يجيك لو يمشي على الرجل حافي
يزيد عزم وطيب مع مر الأيام
هذا اللي ينقاله يا السنافي
من هذين البيتين بات واضحا أن السنافي هو الرجل صاحب الكلمة سريع النجدة الشجاع الأريحي الصادق الذي تجده وقت الحاجة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتظاهر الإنسان بأنه شقردي وشندي وسنافي مثلما أخبرتكم في البداية لأن أمره سيكشف إن عاجلا أو آجلا وما أكثر الذين يتظاهرون بهذه الصفات وهم أبعد ما يكونون منها، ونجد من يتظاهر بالشجاعة وهو جبان ويتظاهر بالكرم وهو بخيل.
ولابد أن أذكر لكم أن كلمة شقردي وشندي وسنافي تعادلها قولهم: هاب ريح أو هب ريح لأن هاب الريح يجمع كل الصفات التي ذكرتها، هذه العبارة عامية مأخوذة من اللغة العربية، لو قطعنا هذه الكلمة إلى كلمتين لقلنا: «هاب- ريح» هاب أو هب مأخوذة من الهبة وهي مفرد «هاب- هب» إذا جمعناها نقول: هابين ريح وهي وصف لمكتمل الرجولة شبه بالريح وأقرب الكلمات لهاب الريح الأريحي وهو الواسع الخلق والساعي إلى الخير صاحب الأفعال الحميدة الكريم وعموما فهب الريح مأخوذة من الريح الطيبة يقول الشاعر:
البدو واللي بالقرى نازلينا
كل عطاه الله من هبة الريح
ويقول شاعر الكويت الكبير مرشد البذال رحمه الله تعالى:
مني سلام عد ما بارق لاح
وعد الرشاش أم السحاب المراويح
وأخن من دخان الأزرق إليا فاح
مشاه نشمي يبي هبة الريح
وغالبا ما يقال للإنسان المجتهد المثابر المتفاني: هاب ريح وإذا أردت أن ترفع من معنويات رجل تقول: يا هاب الريح كأنك تقول له يا النشمي وهو السريع الهبة لمساعدة غيره والنشمي صفة وهي مفرد مذكر، المفرد المؤنث: نشمية والجمع المذكر: نشامى أما الجمع المؤنث: نشميات.
وكلمة نشمي دارجة في الكويت والمنطقة المحيطة بها يقول الشاعر:
يا النشاما داركم تنهم الصوت الرفيع
برقوا بأحوالكم قبل كشف أحوالها
ويقال للرجل نشمي إذا كان شهما شجاعا عفيفا والنشم في اللغة فسره ابن منظور فقال: النشم بالتحريك شجر جبلي تتخذ منه القسي وهو من عنق العيدان ومنه قول امرئ القيس بن حجر:
عارض زوراء من نشم
غير بانات على وتره
والنشمي لا يخون مبادئه ولا يعتدي على الغير فكل شهم أبيّ يقال له نشمي.
ودمتم سالمين وفي أمان الله.

المثل اسم مفرد، الجمع منه أمثال، وهو جملة من القول مقتطفة من كلام، أو مرسلة بذاتها، تنقل ممن وردت فيه أو مشابهة دون تغيير، مثل قولنا: الجار قبل الدار، كما ان هناك أمثالاً باللغة العربية وأخرى بالعامية، يقول المبرد: المثل مأخوذ من المثال وهو قول سائر مثل قول كعب بن زهير رضي الله عنه:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً
وما مواعيدها الا الأباطيل
فمواعيد عرقوب مثل سائر لكل ما لا يصح من المواعيد.
العرب مذ خلقوا وكانوا ولا زالوا أهل الأمثال، وقد ضربوا أمثالاً لا تعد ولا تحصى في شؤون حياتهم، كل هذه الأمثال صادقة وواقعية لأنها خلاصة تجاربهم في الحياة، وكلها تحتوي على قصص حقيقية، هذه القصص التي عايشوها واقعاً ملموساً لأجدادنا وأسلافنا والعرب الأوائل، لذلك كانوا يرددون هذه الأمثال جيلاً بعد جيل، ويحكون قصص هذه الأمثال لأبنائهم وأحفادهم حتى صارت موروثا عريقاً، وتراثاً عزيزاً يتناقله الناس عبر عصورهم، هناك أمثال محلية تتجاوز الكويت الى دول أخرى، خاصة الدول المحيطة بنا التي تشبهنا في العادات والتقاليد، وأغلب الأمثال الدارجة أصلها الجزيرة العربية، تعالوا الى مثل لا يعرفه الجيل الحالي على الاطلاق علّ وعسى أن يتعلموه ويعلموه لأبنائهم.
بياع الخبل عباته مثل يقال في الجزء الأخير من فصل الشتاء، وقد كنا نسمع هذه الجملة في الدواوين في موسم الشتاء، ونسأل أنفسنا: من هو هذا الخبل الذي باع عباءته وما حكايته؟ وأكثر ما كنا نسأل: لماذا باع عباءته؟ وبما أني من المداومين في حضور المجالس منذ الصغر أقول لكم: الخبل أولاً عندنا وبالمعنى العامي الدارج، من عنده قصور طفيف في عقله، أما في اللغة العربية فهو الذي أصابه مس من الجنون، ونحن لا  نقصد هذا المعني في تفسير الخبل، وإنما أقل من هذا المعني وأقرب ما يكون من سيء التدبير الذي لا يحسن التصرف، وعنده قصور نظر ولا يحسب للأمور حسابها، أما كلمة «عباته» فهي في اللغة العباءة، والمعنى كساء مفتوح من الأمام، قطعة واحدة، واسع يلبس في فصل الشتاء فوق الملابس. ويكون خامة غليظة للوقاية من البرد، وأهل الخليج عموماً يلبسونه، و«بياع الخبل عباته» موسم مفاجئ للبرد، حيث يشعر الناس بانتهاء البرد والدفء حتى أن البعض يرتدي الملابس الصيفية ظناً منه أن البرد انتهى.
وبينما الناس على هذه الحال إذ بالبرد يعود من جديد، يتخلله لسعات من البرد شديدة خاصة في الأماكن المكشوفة، هذه الفترة تسمى «موسم العقارب الثلاثة» في آخر فصل الشتاء وبداية فصل الربيع، في الماضي كان أحبابنا أهل الشام يقولون: خبي فحماتك الكبار لعمك آذار، وعلى الغالب يسبق العقارب الثلاث «شباط» موسم الزوابع والرياح الباردة، هذه العقارب تستمر «39» يوماً، في ثلاثة نجوم كل نجم «13» يوماً سم ودم ودسم، وسمي هذا الموسم ببرد العقارب لأن برده يلسع الناس على غفلة منهم، مثلما تلسع العقارب الإنسان من غير أن يشعر، بعض الفلكيين يذكر سبب تسمية هذا الموسم ببرد العقارب لظهور صغار العقارب بعد بيات شتوي طويل، وبياع الخبل عباته هو آخر نجم في العقارب، هناك الكثير من التفسيرات لبياع الخبل عباته بين الحقيقة والخيال، ومنها أن راعي أغنام «عليه من الله ظلال» بمعنى خبل، كان عنده «بشت» يقيه من البرد، وبشوت الماضي ليست كما نراها هذه الأيام، وإنما ثقيلة، هذا الراعي أحس ان الطقس أصبح دافئاً وأن البرد ذهب حيث حلت رحالها أم قشعم، هذا ما تخيله عقله المريض، فباع بشته، وفي اليوم التالي هجم عليه الشتاء هجمة شرسة لم يقاومها جسمه الضعيف، فكانت الكلفة باهظة، مات الراعي بسبب البرد الشديد، فاستوى هذا المثل للناس في الجزيرة العربية، الفلكي الكويتي الكبير الدكتور صالح العجيري يقول «وأهل مكة أدرى بشعابها» إياكم والوقوع في فخ بياع الخبل عباته، فالبرد مستمر الى نهاية شهر مارس ولا شك انه يوصي كبار السن، أما الشباب فلا عليهم خوف، برد وسلامات.
وعموماً فبرد بياع الخبل عباته له تسميات أخرى، فالعرب يسمونه برد الحسوم، وبرد الشولة عند الحضر وأهل المزارع، وأهل البادية يسمونه برد العجوز، وأهل البحر: بياع الخبل عباته، وحتى يكون هذا الموسم واضحاً فهو: نهاية شهر فبراير وبداية شهر مارس، وبرد العجوز أو العجز، ريح شمالية تهب على الكويت أواخر فصل الشتاء من 6 فبراير الى
8 مارس، ويروى ان أصل تسمية برد العجوز أن عجوزاً كاهنة تكهنت بعودة الشتاء لأيام قلائل، فكان الأمر كما ذكرت، وسميت هذه الأيام ببرد العجوز نسبة الى العجوز الكاهنة.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الأربعاء, 12 أبريل 2017

الدرويش... الدراويش

هناك الكثير من الأسماء الغريبة التي طويت صفحتها، وأصبحت نسياً منسياً، من هذه الأسماء: درويش، وهي مفرد الجمع دراويش، والأصل الدروشة والتدروش، اسم درويش كان موجوداً في الكويت والدول المجاورة لها في الخليج، لماذا؟ لأن من يحمل صفة التدروش موجود في هذه المجتمعات، أما اليوم فقد اختفى هذا الاسم ومن يحمل صفته نهائياً في مجتمعنا، باتت هذه الصفة يسمع بها ولا ترى، وعندما تتأمل لفظ درويش، تشعر أن هذا اللفظ ليس عربياً، يقول الزبيدي في تاج العروس: «درش» الدرشة بضم الدال، «اللحاجة» نقله الصاغاني، ومنه اشتقاق: الدرويش، وقد تلاعبت العرب باللفظ، والمعنى: الفقير: الشحاذ، المتسول «انتهى»، وإذا تدروش الرجل صار درويشاً، وتزيا بزي الدراويش، وتمسكن وأظهر نفسه فقيراً ذليلاً، وأيضا اذا دروش الشيخ عمل عملهم وصار على طريقتهم، أما عندنا فالناس تقول للإنسان الفقير الذي يسير على البركة «ابن حلال» هذا مسكين على باب الله درويش على نياته «وكلنا دراويش على باب الله» وفي الأصل تطلق كلمة درويش «صفة» على المتصوفين الزهاد، الذين لا يستقرون في مكان واحد، بل يتنقلون من مكان إلى مكان ولهم طقوسهم الخاصة بهم والذين يتميزون بها عن غيرهم.
وعلى الغالب فالدراويش فقراء شديدي التشقف بإيمان واقتناع، فالحياة عندهم ليست بذات قيمة، وفي العصور الماضية كانوا يتقوتون على إحسان الناس، لأنهم لا عمل لهم على الاطلاق.
وكلمة درويش هناك من يذكر أنها فارسية وأصل هذه الكلمة عندهم «درفيش» بإضافة حرف الفاء،  وفي تركيا تلفظ Dervish، أما في الهند التي كان بها الكثير من هؤلاء الناس فيعرف الدرويش عندهم بالفقير، عرف الدراويش في الماضي بخبرتهم بالطب الشعبي، وعرف البعض منهم بالدهاء والفطنة والذكاء والحكمة والشعر، وليس عامتهم من يستطيع ذلك وإنما كبارهم.
واذا كان أصل كلمة درويش فارسي كما ذكرت لكم «درفيش» فهي عندهم كالتالي: «در» وهو الباب و«ويش» وتعني الشخص الذي يفتح الباب بعض المراجع الأخرى تقول إن أصل الكلمة مأخوذ من كلمة درية وهي اللغة الفارسية القديمة، وتعني الإنسان الفقير المحتاج المعوز، هناك أيضا من يقول ان أصل كلمة درويش «دار» باللغة العربية، وفسرت بأنه الشخص الذي يدور من دار الى دار، طلباً للإحسان، والدروشة الصوفية بمفهمومهم أقل درجات التطور الروحي، والدراويش الصوفيين اتخذوا باب التسول لتعلم التواضع والبساطة، والابتعاد عن التملك المادي، ومن شروطهم أن لا يتسولوا لأنفسهم، أو لأغراض ذاتية، بل عليهم ان يعطوا ما يحصلون عليه لفقراء غيرهم، ومن الطرق الصوفية التي اعتمدت الدروشة: السنوسية، البكداشية، القادرية، المولوية.. وغيرها،ولهؤلاء الدراويش فنونهم منها الرقص والغناء القوي بالطبقة العالية، وهم يعتبرون هذه الطقوس وسيلة الى الوصول للنشوة الروحية المستمدة من تكريس أنفسهم للعبادة.
وأكثر تواجد للدراويش في الماضي في حي السيدة زينب وحي الحسين، ذكر الأثري المصري الأستاذ سامح الزهار ما معناه: ان الدراويش جماعات بشكل أو بآخر لإحدى فرق الصوفية، والمقصود بالدراويش، المريدين والمحبين والذين يحيون الحضرات،  وبعض الفقراء والمجاذيب، ولهم قصص وحكايات كثيرة، وبعضهم كان مشهوراً، مثل «المارشال علي» في محيط حي الحسين «انتهى»، وكانت في الصومال دولة تسمى دولة «الدراويش» أقامها السيد: محمد عبدالله حسن مطلع القرن 20، ومن أشهر الدراويش على الاطلاق: جمال الدين القاسمي، ناظم قصة «كليلة ودمنة»، عاش 47 عاماً فقد ولد في دمشق عام 1866م وتوفي 1914م، ورغم تصوفه الا انه نشأ على المذهب الفقهي الشافعي، وهو من أسرة الكيلاني الأشراف فجدهم الأكبر الحسن بن علي رضي الله عنهما.
وبالعودة الى الدراويش، فقد روي ان درويشاً جاع وهو في الصحراء، فرأى بيت شعر، فمال اليه فوجد صاحب البيت، وسلم عليه وسأله: هل من طعام؟ فقدم له تمراً، فأكله الا انه لم يشبع لشدة جوعه، فطلب من الرجل المزيد!! فقال له: ليس عندي الا التمر الذي أكلته فنظر له الدرويش وقال: «الله كريم يا بدوي» ثم استلقى في طرق بيت الشعر ونام، وبينما الدرويش نائم إذا بضيف من ذوي المكانة العالية ينزل على البدوي، فقام البدوي مسروراً وذبح للضيف خروفاً ثم قدم له الطعام الدسم، فنظر الضيف الى الدرويش وهو نائم فاستحى ان يأكل والى جانبه رجل نائم، فطلب من البدوي ايقاظه ليأكل معه، فقام الدرويش من نومه، وجلس الى الطعام، ومد يده الى الطعام والتفت الى صاحب البيت قائلا: ألم أقل لك «الله كريم يا بدوي» وذهبت مثلاً.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الصفحة 1 من 26