جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

سؤال مستحق: ما هذه القسوة؟ لم لا تكون رقيق القلب؟ أوليس قلبك من لحم ودم؟! ما بال قلبك لا يكون رقيقاً؟! لست أنا من أطرح هذا السؤال، وإنما شيخ شعراء وأدباء الأندلس ابن عبدربه هو من يسأل، ضمن أبيات غزل أثنى عليها المتنبي عندما استمع إليها، وقال: هذا شاعر الأندلس، يقول صاحب العقد الفريد:
يا لؤلوا يسبي العقول أنيقا... ورشاً بتقطيع القلوب رفيقا
ما أجمل هذا التشبيه، وصفه باللؤلؤ الأنيق وهو يقصد الوجه الحسن الأبيض الصافي اللافت للنظر الذي يسلب العقول جمالا وحسنا ورقة، كيف لا يكون كذلك وهو كابن الظبية في مشيته وحركته، ثم يقول:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله.. درا يعود من الحياة عقيقا
هو في حيرة ودهشة مما رأته عيناه، لم ير ولم يسمع بمثل جمالها حتى كأنها الدر الذي يعود من الحياء عقيقا، هي كاللؤلؤة التي لا نظير لها الا انها عندما تخجل تعود كالحجر الكريم الاحمر من الحياء، ويصف محاسن وجهه قائلاً:
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه... أبصرت وجهك في سناه غريقا
إذا نظر إلى وجهها الجميل الفاتن غرق وجهه في سناه، لقوة ضوئه الساطع وشدة بريقه، ثم يصف خصره وردفه مستدرا عطفه متوسلاً إليه:
يا من تقطع خصره من ردفه... ما بال قلبك لا يكون رقيقا
وصف ما بعده وصف، جعل خصره قطعة من ردفه، فكيف يكون ردفها؟ كم قطعة يكون؟ هذا التصوير العجيب يجعلنا وكأننا نرى هذه الفتاة أمامنا.
من هو ابن عبدربه؟ هو: أبو عمر أحمد بن محمد بن عبدربه بن حدير بن سالم، المولود بقرطبة في العاشر ن رمضان سنة 246هـ وكان أمير الأندلس محمد الاول بن عبدالرحمن الثاني بن الحكم الربضي بن هشام الاول الداخل «صقر قريش» 238 - 273هـ، وجد ابن عبدربه «سالم» مولى هشام الاول، نشأ في قرطبة عاصمة ملوك بني أمية بالأندلس، كان أبوه محمد بن عبدربه حريصا على تعليمه، فدرس على يد شيوخ عصره الفقه والتاريخ والقرآن الكريم، واللغة والأدب ثم بدأ بنظم الشعر وبدأ بالتصنيف البديع، ويظهر واضحا انه زار المشرق ما عمق دراسته وجعل مؤلفاته محكمة شديدة الاهمية لكل دارس بالأدب والتاريخ، ويعد ابن عبدربه أشهر من ألف في هذا الجانب حتى أن هناك من يقول ان كتابه العقد الفريد تفوق على كتاب الأغاني الذي ألفه الأصفهاني المرواني، وهو القائل بالمنذر بن محمد بن عبدالرحمن أمير الأندلس «273 - 275هـ»:
بالمنذر ابن محمد... شرفت بلاد الأندلس
فالطير فيها ساكن... والوحش فيها قد أنس
تعلق ابن عبدربه باللهو والمجون والطرب في مطلع شبابه لأن الأندلس في وقته بلاد رفاهية وثراء وتطور مع اختلاط العرب بالإسبان، إلا أن هذا المجون لم يستمر معه طويلا، فقد تاب وأناب وهو في مطلع العقد الرابع من عمره، فطرق باب الفقه، ولزم قرطبة طول حياته، ومثلما ذكرت لكم في البداية فإن مكانته بين شعراء الأندلس تأتي في الصدارة.
ومن قوله في الحكمة:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة
إذا أخضر منها جانب جف جانب
هي الدار ما الآمال إلا فجائع
عليها ولا اللذات إلا مصائب
وكم أسخنت بالأمس عين قريرة
وقرت عيون دمعها اليوم ساكب
فلا تكتحل عيناك منها بعبرة
على ذاهب منها فإنك ذاهب
وقال محذرا من نار جهنم:
عاين بقلبك إن العين غافلة
عن الحقيقة واعلم أنها سقر
سوداء تزفر من غيظ إذا سعرت
للظالمين فلا تبقي ولا تذر
لو لم يكن لك غير الموت موعظة
لكان فيك عن اللذات مزدجر
وقال ابن عبدربه بعد ان تقدم به العمر ناعيا شبابه:
إن الغواني إن رأينك طاويا
برد الشباب طوين عنك وصالا
وإذا دعونك عمهن فإنه
نسب يزيدك عندهم خبالا
ومن غزلياته الرائقة:
فؤادي رميت وعقلي سبيت
ودمعي مريت ونومي نفيت
يصد اصطباري إذا ما صدرت
وينأى عزائي إذا ما نأيت
عمت عليك بمجري الرياح
وما تحت ذلك مما كنيت
وتفاح خد ورمان صدر
ومجناهما خير شيء جنيت
تجدد وصلا عفا رسمه
فمثلك لما بدأ لي بنيت
على رسم دار قفار وقفت
ومن ذكر عهد الحبيب بكيت
عاصر ابن عبدربه عدة امراء امويون بدأ بعبدالرحمن الثاني الاوسط بن الحكم ثم محمد الأول بن عبدالرحمن الثاني، فالمنذر بن محمد ثم عبدالله الأول بن محمد حتى عصر إعلان الخلافة في الأندلس على يد عبدالرحمن الناصر ثامن ملوك الأندلس، وقد توفي في آخر عهده عام 329هـ، وقد عارض ابن عبدربه لامية صريع الغواني مسلم بن الوليد التي يقول فيها:
أديرا على الراح لا تشربا قلبي
ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي
فقال ابن عبدربه:
بنفسي التي ضنت برد سلامها
ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي
إذا جئتها صدت حياء بوجهها
فتهجرني هجرا ألذ من الوصل
أقول لقلبي كلما ضامه الهوى
إذا ما أتيت العز فاصبر على الذل
برأيك لا رأيي تعرضت للهوى
وأمرك لا أمري وفعلك لا فعلي
وجدت الهوى نصلا من الموت مغمدا
فجردته ثم اتكأت على النصل
فإن كنت مقتولا على غير ريبة
فأنت الذي عرضت نفسك للقتل
ولاشك أن كتابه العقد الفريد يعد من أمهات كتب الأدب العربية، وهو جامع لكثير من الفوائد من أخبار وأشعار ونثر وأنساب وأمثال، وعروض وموسيقى وطب، ومن يواصل مطالعة هذا الكتاب القيم يجد فيه ما يريد، كما سيلاحظ أنه استوعب ما دونه عن الأصمعي وأبي عبيدة والجاحظ وابن قتيبة، وقد أصيب ابن عبدربه بالفالج في سنين عمره الاخيرة، وتوفي في التاريخ الذي ذكرته لكم، ووددت في النهاية أن أذكر لكم معلومة تاريخية، فبلاد الأندلس هي شبه جزيرة أيبيريا،  وأصل هذه التسمية برأي بعض المؤرخين المسلمين: قول سكنوا تلك البقعة يقال لهم «الأندلوش» أو «الأندليش» وعند ابن خلدون «قندلس» أو «فندلس»، هناك أيضا من يذكر أن اسم الأندلس الذي أطلقه العرب على شبه الجزيرة الأيبيرية مشتق من اسم «الموندال» ويقابلها «فاندالوسيا» وقد ظلت الأندلس تحت السيطرة العربية قرابة الثماني قرون وكانت غرناطة آخر معاقل المسلمين، وآخر ملوكهم أبو عبدالله محمد الثاني عشر بن علي بن سعد يتصل نسبه بالصحابي سعد بن عبادة الأنصاري، الذي استسلم للملك «لفرديناند وايزبيلا» يوم الثاني من يناير 1492م، وفي ذلك يقول أبو البقاء الرندي:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

عندما يشتد الحزن والأسى على الإنسان، يلجأ في الغالب الى البكاء والاستعبار تخفيفاً لمعاناته، والحقيقة أن كثيراً من الناس يمنعهم الحياء من ذلك، ما يضاعف آلامهم وأحزانهم. ولا شك أن الحياء من الإيمان، إلا أن المصائب تجبر الإنسان غالباً على البكاء، والاستعبار: اسم، مصدر «استعبر» وإذا استعبر الرجل فاضت دمعته من الحزن، والأصل في هذه «العبرة» وهي الدمعة قبل أن تفيض، هذه هي الحال التي كان عليها جرير بن عطية عندما توفيت زوجته التي أحبها حباً شديداً وتركت له أطفالا صغاراً، يقول:
لولا الحياء لعادني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
يخاطب جرير المفجوع زوجته بحزن شديد قائلا لها إنه يريد البكاء لهذا المصاب الجلل، ويريد أيضا زيارة قبرك إلا أن الحياء والخجل يمنعانه من ذلك، ولولا ذاك لجلست عند قبرك وذرفت دموعي على ترابه، لماذا؟ لأن جرير لا يستطيع نسيان زوجته التي لها مكانة خاصة في قلبه،وهي «أم حرزة» التي أهداها له الحجاج بن يوسف، تأملوا مأساة جرير حيث يقول:
ولقد نظرت وما تمتع نظرة
في اللحد حيث تمكن الحفار
نظر الى أم أبنائه بحسرة وحرقة وقد دلاها الحفار في قبرها، لكن النظر في هذه الحالة يزيد الألم ألماً والحسرة حسرة، ثم يصف ما يعانيه قائلاً:
ولهت قلبي إذ علتني كبدة
وذوو التمائم من بنيك صغار
اشتد حزنه لأنها فارقته في وقت هو في أمسّ الحاجة اليها، فقد تقدمت به السن، وما زال بعض أبنائه صغاراً، وما زالوا يضعون التمائم في صدورهم، ما الذي يستطيع ان يفعله لهم وقد كبرت سنه ورق عظمه؟ ثم يصف سهره ليلاً فيقول:
أرعى النجوم وقد مضت غورية
عصب النجوم كأنهم صوار
بات ساهراً يراقب النجوم في السماء، امتنع عليه النوم، ينظر الى النجوم كأنه يراقب قطيعا من بقر الوحش، والراعي لا يغيب نظره عن قطيعه، وجرير كذلك ظل شديد المراقبة للنجوم، ويتابع مأساته قائلاً:
فجزاك ربك في عشيرتك نظرة
وسقى صداك مجلجل مدرار
هو راض عنها لذلك نجده في هذا البيت يدعو لها بالرحمة والمغفرة وان يغسلها الله تعالى بالماء الزلال الغزير الذي يغسل الذنوب بوابل مطر له صوت قوي وبرق ورعد، ويتابع:
لا يلبث القرناء أن يتفرقوا
ليل يكر عليهم ونهار
كل قرين مفارق قرينه، وكل اجتماع يتبعه تفرق، فمن صاحبته اليوم ستفقده غداً إما بموت أو ابتعاد، فالناس تذهب والليالي والأيام كما هي! ويصف جرير شمائل زوجته وأخلاقها قائلا:
كانت مكرمة العشير ولم يكن
يخشى غوائل أم حرزة جار
نعم الزوجة كانت له، حسنة الخلق طيبة العشرة حتى إن جيرانها يحبونها ولا يخافون منها شراً أو أذى، صالحة السجايا والشمائل، حسنة المعاملة مع الصغير والكبير:
ولقد أراك كسيت أجمل منظر
ومع الجمال سكينة ووقار
يصفها بالحسن والجمال وأن ما زاد جمالها جمالاً سكينتها ووقارها، والوقار الرزانة والحلم، ويقول أيضا:
والريح طيبة إذا استقبلتها
والعرض لا دنس ولا خوار
هي ذات رائحة طيبة  وعرضها موفور أمينة على فراشها حافظة لزوجها في السر والعلن، وهي أيضاً مثل قوله:
كانت إذا هجر الحليل فراشها
خزن الحديث وعفت الأسرار
وهذا البيت مكمل لما قبله، فهي لا تتحدث بأسرار زوجها بل كاتمة لأسراره، ثم يعاود الدعاء لها فيقول:
صلى الملائكة الذين تخيروا
والصالحون عليك والأبرار
وعليك من صلوات ربك كلما
نصب الحجيج ملبدين وغاروا
يتضح لنا في هذين البيتين تدين جرير وتمسكه بعقيدته، فعباراته تظهر تعلقه بشريعتنا السمحاء لذا نجده يدعو لزوجته بالرحمة والمغفرة وأن يصلي عليها أفضل الملائكة عند الله تعالى، وأفضل عباده وهم الصالحون الأبرار وكذلك الحجاج كلما حجوا الى بيت الله الحرام حتى تقوم الساعة.
أيها الأحبة، ما ذكرته لكم قليل من كثير، فمرثية جرير لا تستوعبها سطور لأنها أكبر من ذلك، والرثاء أصدق الشعور، وجرير من أفضل الشعراء العرب بشهادة من عاصره من أرباب الأدب والشعر وهو: أبوحرزة، جرير بن عطية بن حذيفة «الخطفي» بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن إد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ولد في خلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عام 33هـ  وعاصر عشرة خلفاء أمويين هم: معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد، فمعاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم فابنه عبدالملك، ثم الوليد بن عبدالملك وسليمان بن عبدالملك، فعمر بن عبدالعزيز بن مروان، ثم يزيد بن عبدالملك، وأخيراً الخليفة الأموي العاشر: هشام بن عبدالملك الذي توفي في عهده عام 110هـ.
يروى انه بعد وفاته بسنتين أراد الخليفة العباسي الثاني أبوجعفر المنصور ان يتزوج أخت أحد أمراء دولته، وهو هشام بن عمرو التغلبي، ثم أعرض عن ذلك عندما تذكر قول جرير:
لا تطلبن خؤولة في تغلب
فالزنج أكرم منهم أخوالاً
وقال المنصور لمن عنده: أخاف ان تلد لي ولداً فيعير بهذا البيت.
سأل عبدالملك بن مروان في مجلسه اعرابي عن بيوت الشعر وكان جرير حاضراً المجلس دون ان يعلم الاعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين، بيوت الشعر أربعة، مدح وفخر وغزل وهجاء، وفي كلها غلب جرير، ففي الفخر قال:
إذا غضبت عليك بنو تميم
حسبت الناس كلهم غضاباً
وفي المدح قوله:
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راح
وفي الغزل:
إن العيون التي في طرفها حور
قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا
وفي الهجاء قوله:
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فأعطاه جرير ناقة ومئة دينار، وأعطاه عبدالملك مثلها.
دمتم سالمين، في أمان الله.

الثلاثاء, 20 يونيو 2017

كلام الليل يمحوه النهار

أحقا «كلام الليل يمحوه النهار؟» لنر، يقول المولى عز وجل: «والليل اذا عسعس، والصبح اذا تنفس» 17 - 18 التكوير، ويقول ايضا: «وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة، لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا» 12 الاسراء.
فالليل والنهار من الشواهد والمعجزات الدالة على عظمة الخالق، ولما لهما من اهمية قصوى في حياة الناس وردتا في القرآن الكريم كثيرا فقد ذكر الله تعالى الليل 92 مرة وذكر النهار 57 مرة، وبين انهما من آياته الكبرى: «ان في خلق السماوات والارض، واختلاف الليل والنهار لايات لأولى الالباب» 190 آل عمران، اما الشعراء فقد ذكروا الليل كثيرا في اشعارهم خاصة طوله والحقيقة ان العلاقة بينهما ذات طبيعة خاصة يقول امرؤ القيس الكندي:
وليل كموج البحر ارخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
ويقول النابغة الذبياني:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وان خلت ان المنتأى عنك واسع
ويقول بشار بن برد:
لم يطل ليلي ولكن لم انم
ونفى عني الكرى طيف الم
ومن الامثال السائرة قول الناس: كلام الليل يمحوه النهار فمن اين جاء هذا المثل ومن الذي قاله شعراً؟ روي ان الخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد 170 - 193هـ، «وفي رواية اخرى ابنه محمد الامين» هجر جارية من جواريه ثم لقيها في بعض الليالي تدور في القصر وعليها مطرف خز وهي تسحب اذيالها من التيه والعجب ثم سقط رداؤها عن منكبيها فطلب منها ان تأتي معه فقالت: يا امير المؤمنين!! هجرتني هذه المدة وليس لي علم بملاقاتك فأنظرني الى الغد حتى أتهيأ لك وآتيك، فذهب ولما أصبح قال للحاجب: لا تدع أحداً يدخل علي إلا فلانة، وانتظرها فلم تجئ فقام ودخل عليها وسألها إنجاز الموعد، فقالت: يا أمير المؤمنين، اما علمت ان كلام الليل يمحوه النهار؟ فخرج الى مجلسه واستدعى من بالباب من الشعراء فدخل عليه أبو نواس والرقاشي وأبو مصعب فقال لهم: أريد شعراً يتضمن «كلام الليل يمحوه النهار» فقال الرقاشي: أنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول:
أتسلوها وقلبك مستطار
وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صباً مستهاماً
فتاة لا تزور ولا تزار
فولت وانثنت تيهاً، وقالت:
كلام الليل يمحوه النهار
ثم تقدم أبو مصعب وقال: وأنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول:
أما والله لو تجدين وجدي
لما وسعتك في بغداد دار
أما يكفيك أن العين عبرى
ومن ذكراك في الأحشاء نار
تبسمت الفتاة بغير ضحك
كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس: أنا قائل في ذلك أربعة أبيات، وأنشأ يقول:
وخود أقبلت في القصر سكرى
ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالاً
وغصناً فيه رمانٌ صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها
من التخميش وانحل الإزار
فقلت: الوعد سيدتي فقالت: كلام الليل يمحوه النهار
فقال الرشيد لأبي نواس: قاتلك الله كأنك كنت معنا أو مطلعاً علينا، ثم امر للرقاشي وابي مصعب بخمسة آلاف درهم وخلعة سنيه، وأمر لأبي نواس بعشرة آلاف درهم، اما الشاعر الاول الرقاشي فهو: ابو العباس الفضل بن عبدالصمد بن الفضل، مولى رقاش وهو من ربيعة، كان شاعراً مطبوعاً سهل الألفاظ، نقي الكلام من أهل البصرة، قدم بغداد ومدح هارون الرشيد ومحمد الأمين والبرامكة، كان يهجو ابو نواس ويهجوه، ذكر المبرد ان الرقاشي يظهر الغنى وهو فقير، ويظهر العز وهو ذليل، ويتكثر وهو قليل فكانت الشعراء تهجوه، وقد وقف الرقاشي على الجذع الذي صلب عليه جعفر بن يحيى البرمكي، فنظر الى جثته وبكى بكاء مريراً وكان محسناً له بارا به فقال:
أما والله لولا خوف واش
وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا
كما للناس بالحجر استلام
فما أبصرت قبلك يابن يحيى
حساما قده السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعا
ودولة آل برمك السلام
فكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد فأحضره فقال له ما حملك على ما قلت فقال الرقاشي: يا أمير المؤمنين كان إلي محسنا فلما رأيته على الحال التي هو عليها حركني إحسانه فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلت، فقال الرشيد: كم كان يجري عليك قال: ألف دينار في كل سنة،  فقال: قد أضعفناها لك، ومن أجمل ما قاله الرقاشي، وقد توفي اصحابه وغاب بعضهم فوقف علىالمجلس الذي كان يجمعهم وبكى ثم قال:
لولا التطير قلت غيركم
ريب الزمان فخنتم عهدي
درست منازل كنت آلفها
من بعدكم وتغيرت بعدي
وقد توفي الرقاشي عام 200 هـ والظاهرمن الحكاية التي ذكرتها انها حدثت في عهد محمد الامين المشهور بابن زبيدة وليس ابوه هارون الرشيد لأن ابو نواس كان شاعره المفضل وهو سادس خلفاء الدولة العباسية وثالث خليفة هاشمي انجبته هاشمية، الاول: علي ابن ابي طالب، وامه فاطمة بنت اسد بن هاشم والثاني الحسن بن علي أنجبته فاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، والثالث محمد الأمين أنجبته زبيدة بنت جعفر بن ابي جعفر بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم، ولد محمد الامين عام 170 هـ وتولى الخلافة بعهد من ابيه هارون الرشيد عام 193 هـ وقتله جيش اخيه المأمون بأمر قائد الجيش طاهر بن الحسين عام 98 هـ، ذكر عنه ثقافة في اللغة والفقه والادب والشعر والتاريخ، شهد له بذلك علماء عصره كالكسائي والأصمعي، وكان شديد السخاء، لذلك نجد ان كثيراً من الشعراء رثوه بعد وفاته.
اكتفي بهذا القدر..
دمتم سالمين وفي أمان الله.

إبراهيم بن أدهم، الزاهد العابد الامام القدوة، هو من بيت عز وجاه وسلطان وثراء، ترك ذلك كله واختار القرب من الله عز وجل، زهد في الدنيا وما حوت ورغب في الاخرة، ها هو في اخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، مرابط مجاهد في احدى جزر البحر المتوسط، أحس أنه مفارق الدنيا لا محالة، أتدرون ما الذي قاله وقد أحس بدنو أجله، التفت الى اصحابه وقال لهم: أوتروا لي قوسي؟ فأوتروا قوسه، ففاضت روحه وهو ممسك قوسه رحمه الله تعالى، اراد أن تقبض روحه وهو مجاهد، هو ابراهيم بن منصور بن زيد بن جابر التميمي أبو اسحاق، أحد علماء أهل السنة والجماعة، ومن كبار علماء التصوف السني في القرن الثاني الهجري، من أهل بلخ، وكان من ابناء الملوك، خرج يوما في رحلة صيد في بزة فارهة فأثار ثعلباً وساق خلفه، وبينما هو كذلك اذا هو بهاتف يسمع صوته ولا يراه يقول له: والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فنزل عن دابته وصادف راعياً لأبيه، فأخذ جبة الراعي ولبسها، وأعطى الراعي ملابسه الفارهة وفرسه وتزهد منذ ذلك اليوم وخرج الى مكة المكرمة، وهناك صحب سفيان الثوري والفضيل بن عياض، ثم عاد الى بلاد الشام واخذ يعمل بيده ويأكل من عمله، وكان ابراهيم بن ادهم يصلي في مسجد من مساجد الكوفة صلاة العشاء ثم جلس بعد الصلاة يذكر الله، فجاءه حراس المسجد وطلبوا منه الخروج، فقال لهم: دعوني اذكر الله الى حين صلاة الفجر فقالوا له: لا، اخرج نخشى ان تسرق فوانيس المسجد، ثم أخرجوه في ليلة مطيرة شديدة البرد، فجلس أمام المسجد لا يدري أين يذهب، فأبصره خباز القرية، فرق لحاله وادخله المخبز، فجلس ابراهيم طويلا والخباز خلال هذه الفترة لا يتكلم الا بسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر، فقال له ابراهيم: ألا تعرف غير هذا؟ فقال الخباز: منذ عشرين سنة وأنا أقول ذلك، ولا اتكلم إلا اذا سئلت واذا لم اسأل انشغلت بذكر الله تعالى وازيدك انني من فضل الله مستجاب الدعوة، فلا اذكر انني دعوت الله إلا استجاب لي ربي إلا مرة واحدة دعوت الله تعالى ولم يستجب لي، فقال له إبراهيم: وما هي هذه الدعوة التي لم يستجب الله لك فيها؟ فقال الخباز: أن ارى إبراهيم بن ادهم، فبكى إبراهيم وقال للخباز: والله انك افضل من إبراهيم بن ادهم، فقد ساقه الله إليك رغماً عن انفه لتراه، واستجاب لك هذه الدعوة ايضاً، ففرح الخباز فرحا شديدا برؤيته، وكان إبراهيم بن أدهم اكثر ما يقول «اللهم انقلني من ذل معصيتك الى عز طاعتك» وكان يقول: ماذا انعم الله على الفقراء، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم، انما يسأل هؤلاء المساكين الاغنياء. يروى انه خرج من بيت المقدس فبينما هو في الطريق اذا هو أمام مسلحة، فأخذوه وسألوه: انت عبد؟ فقال نعم أنا عبد، فقالوا له: وآبق «هارب من مولاك»؟ قال إبراهيم: نعم وآبق، فشدوا وثاقه وادخلوه السجن، فبلغ أهل بيت المقدس خبره، فخرجوا برمتهم الى نائب طبرية فقالوا له: علام سجنت إبراهيم بن ادهم؟ قال: ما سجنته! قالوا: بلى هو في سجنك، فأحضروه وسأله: علام سجنت؟ فقال إبراهيم: سل المسلحة؟ سألوني: انت عبد؟ قلت: نعم أنا بعدالله وسألوني آبق؟ قال نعم! وانا عبد آبق من ذنوبي. فخلى سبيله. ومن عجائب قصص هذا الرجل الصالح، ما قاله حذيفة المرعشي، انه اوى الى مسجد خراب بالكوفة ومعه إبراهيم بن ادهم، فمضى عليهما ايام لم يأكلوا فيها شيئاً، يقول حذيفة: فالتفت إبراهيم لي وقال: كأنك جائع؟ قلت: نعم، فأخذ رقعة وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: أنت المقصود إليه بكل حال، المشار إليه بكل معنى:
أنا حامد أنا ذاكر أنا شاكر
أنا جائع أنا حاسر أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين بنصفها
فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك وهج نار خضتها
فأجر عبيدك من دخول النار
ثم أعطاني الرقعة وقال لي: أخرج بهذه الرقعة ولا تعلق قلبك بغير الله سبحانه وتعالى، وادفع الرقعة لأول رجل تلقاه. يقول حذيفة، فخرجت فإذ برجل على بغلة، فدفعت له الرقعة، فلما قرأها، بكى ودفع لي ستمئة دينار، وانصرف فسألت رجلا: من هذا الذي على البغلة؟ قال: رجل نصراني، فعدت الى إبراهيم واخبرته فقال لي: الآن يأتي مسلماً، فما كان غير قريب، حتى جاء فأكب على رأس إبراهيم واسلم، وكان إبراهيم بن ادهم كثيراً ما يقول:
رأيت الذنوب تميت القلوب
ويورثها الذل أدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخير لنفسك عصيانها
وما أفسد الدين إلا ملوك
وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس فلم يربحوا
ولم يغل بالبيع أثمانها
توفي ابراهيم بن ادهم رحمه الله سنة 162هـ في خلافة محمد المهدي وهو مرابط بنية الجهاد، في مدينة جبلة الساحلية السورية، فبني بعد ذلك في موضع وفاته مسجد سمي: جامع السلطان إبراهيم.

اليوم العشرون من سلسلة اليوم الأخير، في حياة المشاهير، اخر يوم من ايام الدنيا، وأول يوم من أيام الاخرة في حياة الصحابي الشهيد: سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، هذا الرجل الذي اهتز لموته عرش الرحمن، ترى ما الذي قاله هذا الرجل الذي تزاحمت الملائكة على الصلاة عليه، أصابه سهم في ذراعه قطع اكحله في معركة الاحزاب، قال سعد والدم ينزف من جرحه: «اللهم ان كنت ابقيت من حرب قريش شيئا، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب الي ان اجالدهم فيك من قوم أذوا نبيك وكذبوه واخرجوه»، اللهم ان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني ببني قريظة» هذا بعض ما قاله سعد بن معاذ الأوسي. روي أن جبريل عليه السلام جاء الى النبي عليه الصلاة والسلام في جوف الليل، معتجرا بعمامة من استبرق فقال: من هذا الميت الذي فتحت له ابواب السماء؟ واهتز له عرش الرحمن؟ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه الى سعد بن معاذ فوجده قد مات، ومن فضائله رضي الله عنه وارضاه أن أكيدر دومة اهدى الى النبي صلى الله عليه وسلم جبة منسوجة من سندس، او ديباج قبل ان ينهي عن الحرير، فلبسها، فتعجب الناس من حسنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها».
واعود بكم الى ما قاله سعد بن معاذ قبل ان يغادر هذه الدنيا الفانية الى الاخرة الباقية وهو: حكمه على يهود بني قريظة، ومن قصة هؤلاء اليهود انهم نكثوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغدروا وخانوا ومالأوا الاحزاب على المسلمين وكان الامر شديدا والكفار محاصروا المدينة من كل جانب ذهب سعد بن معاذ الى يهود بني قريظة وكان حليفا لهم في الجاهلية وذهب معه سعد بن عبادة وعبدالله بن رواحة وخوات بن جبير، فدخل حصنهم، ودعاهم الى الموادعة وتجديد الحلف، فردوا عليه ردا قبيحا، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما رسول الله؟ لا عهد بيننا وبينه ولا عقد، فعاد سعد وأصحابه الى النبي عليه الصلاة والسلام، فسار إليهم وحاصرهم حتى استسلموا ونزلوا من حصونهم وكانوا اشترطوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فجاء الناس الى سعد وقالوا له: قد حكمك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواليك، فأحسن اليهم، وكرروا عليه القول وتوسلوا إليه، وهو ساكت لا يتكلم، فماذا قال سعد بن معاذ في اخر يوم من أيام الدنيا؟ وأولا يوم من أيام الآخرة، قال سعد: أيرضى بحكمي هؤلاء؟ وأشار الى المسلمين، قالوا نعم: فقال وهو مطأطئ رأسه حياء واحتراما واجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يرضى بحكمي هؤلاء وهو يشير إليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم يا سعد، فقال في هذا اليوم الأخير: ان لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، أحكم بأن تقتل الرجال، وتسبي النساء والذرية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى، هذا هو سعد بن معاذ الأنصاري قبل أن يغادر الدنيا شهيدا سعيدا حميدا، انه سعد بن معاذ بن النعمان الخزرجي الأنصاري سيد الأوس، وأمه: كبشة بنت رافع بن عبيد الخزرجية التي قالت ترثيه:
ويل أم سعد سعدا
صرامة وجدا
وسؤددا ومجدا
وفارسا معدا
سدبه مسدا
يقدها ما قدا
قال جابر بن عبدالله الانصاري: رمي سعد يوم الاحزاب «بسهم» فقطع أكحله، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتفخت يده فتركه تنزف يده، فحسمه مرة ثانية، فانتفخت يده، فلما رأى سعد ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني في بني قريظة، فاستمسك عرقه وما قطرت منه قطرة حتى نزلوا على حكم سعد، أما في ايام صحته وعافيته فهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد طلب من المسلمين ان يشيروا عليه قبل معركة بدر فقال سعد بن معاذ يا رسول الله امنا بك وصدقناك، وشهدنا ان ما جئت به هو الحق واعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة فامض بنا يا رسول الله لما اردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا للبحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره ان تلقى بنا عدونا غدا انا لصبر عن الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك فينا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسابق الملائكة الى غلسه وهو يقول: اني اخاف ان تسبقنا الملائكة الى غسله كما غسلت حنظلة وقد سمع ام سعد تندبه فقال عليه افضل الصلاة والسلام: «كل باكية تكذب إلا أم سعد «ثم خرجوا به الى البقيع يحملونه على اعناقهم وهم يقولون: ما حملنا ميتا احف علينا من سعد بن معاذ!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الملائكة تحمله معكم. توفي سعد بن معاذ وهو ابن ست وثلاثين في عام 5 هـ رضي الله عنه وارضاه.
انتهى اليوم العشرين.. في أمان الله.

من ينظر إلى هذا البيت الرائع يظن انه بيت غزل، وفي الحقيقة لا علاقة لهذا البيت في الغزل لا من قريب ولا من بعيد، وانما هو ضمن ابيات يصف بها حسان بن ثابت الانصاري رضي اله عنه رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، جعل من ثلث جسده الشريف الطاهر كافورا، تلك الشجرة الزكية الرائحة الدائمة العطر، ثم وصف ربعه بالعنبر وهو نوع من افضل انواع الطيب الشبيهة برائحة المسك ثم يصف خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ياقوت، ذاك الحجر الكريم الغالي الثمن الذي ذكره الله تعالى في قرآنه العظيم، اما الباقي بعد الثلث والربع والخمس، والثلث الاخير فهو جوهر، والجوهر اغلى وانفس الاحجار الكريمة، يقول حسان بن ثابت:
شبيهك بدر التم بل انت انور
ووجهك من ماء الملاحة أزهر
انت شبيه بالقمر عند تمامه الا انك اكثر نورا منه واشد بهاء وكذلك وجهك من جماله وحسنه صاف، مضيء، ومشرق ثم يتابع وصف ومدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:
فما ولدت حواء من صلب آدم
ولا بجنان الخلد مثلك آخر
وما أجمل قول حسان بن ثابت برسول الله صلى الله عليه وسلم في قصيدة أخرى وقد أبدع ما شاء:
وأحسن منك لم تر قط عيني
وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءا من كل عيب
كأنك قد خلقت كما تشاء
وتظهر شدة محبة حسان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم فداء
هذا هو حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدم على جميع الشعراء المؤيد بروح القدس جبريل أبوالوليد وابن الفريعة، وقد فضل على الشعراء بثلاث كما ذكر ابي عبيدة: كان شاعر الانصار في الجاهلية وشاعر النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة وشاعر اليمن كلها في الاسلام، ذكر الأصمعي ان الحارث بن عوف بن ابي حارثة جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ابعث معي من يدعو الى دينك وانا له جار فأرسل معه رجلا من الانصار، فغدر قوم الحارث به وقتلوا الانصاري فقدم الحارث على رسول الله صلى عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام لا يؤنب أحداً في وجهه، فقال: ادعو لي حسانا، فجاء حسان، وما أن رأى الحارث حتى قال:
«يا حار» من يغدر بذمة جاره
منكم فإن محمداً لم يغدر
إن تغدروا فالغدر منكم شيمة
والغدر ينبت في أصول السخبر
فقال الحارث: يا محمد أكففه عني، وأؤدي إليك دية الخفارة ودية الرجل، وانا عائذ بك من حسان، فلو مزج البحر بشعره مزجه.
وذكر ان عمر بن الخطاب دخل مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فاذا حسان بن ثابت ينشد الناس، فأخذ عمر باذنه وقال: أرغاء كرغاء البعير!! وانتهره، فقال حسان: دعنا عنك يا عمر، فوالله انك لتعلم اني كنت انشد في هذا المسجد من هو خير منك، فصدقه عمر وانطلق.
عاش حسان بن ثابت رضي الله عنه ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الاسلام، ومن قصائده الرائقة أبياته الميمية، التي يعيّر بها الحارث بن هشام المخزومي لما هرب يوم بدر، يقول مطلعها:
تَبَلَتْ فؤادَكَ في المنامِ خَريدة ٌ
تسقي الضجيعَ بباردٍ بسّام
والخريدة في هذا البيت تعني اللؤلؤة لم تثقب، والفتاة العذراء لم تمس، وفيها يقول لهشام:
إنْ كنتِ كاذبة َ الذي حدّثتِني
فنجوتِ منجى الحارثِ بن هشامِ
تَرَكَ الأحِبّة َ أنْ يقاتلَ دونَهمْ
وَنجا برَأس طِمِرَّة ٍ وَلِجامِ
جرواءَ، تمزغ في الغبارِ كأنها
سرحانُ غابٍ في ظلالِ غمامِ
لولا الإلهُ وجريها لتركنهُ
جزرَ السباعِ، وتركنه بحوامي
وهذا الحارث بن هشام اسلم بعد ذلك في فتح مكة، وحسن اسلامه وهو اخو ابو جهل لأبويه وابن عم خالد بن الوليد، ومن اخوال عمر بن الخطاب، شهد اليرموك واصابته جراحات بليغة، فطلب ماء ليشربه فنظر اليه عكرمة بن ابي جهل وكان جريحاً: فقال: ادفع الماء الى عكرمة، فلما اخذ عكرمة الماء نظر إليه عياش بن ابي ربيعة، فقال عكرمة: ادفعه الى عياش، فما وصل الماء الى عياش حتى مات الثلاثة، «رواية حبيب بن ابن ثابت» وأعود الى حسان فأقول: قالت ام المؤمنين رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت الشاعر: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما كافحت عن الله عز وجل وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لحسان مكانة خاصة عند ملوك غسان، وقد سأل الملك المرتد عن الاسلام جبلة بن الأيهم رسول عمر بن الخطاب «جثامة بن مساحق» الكناني عن حسان، وكان عمر أرسله لجبلة ليعاود الاسلام، فقال له جثامة: إنه كبير السن مضرور البصر، فأعطاه 500 دينار وخمسة أثواب من الديباج هدية لحسان، وقال له: ادفع هذا الى حسان وأقرئه مني السلام، فلما عاد جثامة الى عمر بن الخطاب أخبره بما أعطاه جبلة بن الأيهم، فبعث عمر إلى حسان، فأقبل يقوده قائد فسلم وقال: يا أمير المؤمنين، إني لأجد ريح آل جفنة! فقال عمر: قد نزع الله تبارك وتعالى لك منه، فأتاك بمعونة، فأخذها حسان وذهب وهو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشر
لم يغذهم آباؤهم باللوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربها
كلا ولا متنصرا بالروم
يعطي الجزيل ولا يراه عنده
إلا كبعض عطية المذموم
فقال له رجل في مجلس عمر: أتذكر قوما كانوا ملوكا فأبادهم الله وأفناهم؟! فقال له حسان: ممن الرجل؟ قال من مزينة، قال: أما والله لولا سوابق قومك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لطوقتك طوق الحمامة.
أما وفاة حسان ففيها اختلاف كبير، فهناك من يذكر أنه توفي بين 35 و40هـ في خلافة علي بن أبي طالب، إلا أن ابن الجوزي وابن كثير ذكرا انه وفاته بين 50 و54 هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان، واتفق الجميع على أنه توفي في المدينة المنورة عن عمر ناهز المائة والعشرين عاما.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله

نحن الآن في اليوم الاخير من ايام صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه، أول من صدح بصوته «الله اكبر الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان محمداً رسول الله، اشهد ان محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله اكبر الله اكبر، لا اله الا الله»، مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في اللحظات الاخيرة من حياته، نظرت امرأته اليه وقالت: واحزناه، كشف بلال بن رباح غطاءه وقال وهو في سكرات الموت: لا تقولي واحزناه، وقولي وافرحاه، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه، هذا ما قاله بلال بن رباح اول من اذن في الاسلام، وهو يودع الدنيا، لم يجزع من الموت لأنه ذاهب الى محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم من الايام: يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام، فاني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، فقال بلال: لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل او نهار، الا صليت بذاك الطهور، ما كتب لي ان اصلي «البخاري» أيها الأحبة، لا اريد ان اتحدث عن تعذيب الكفار لبلال بن رباح وخاصة أمية بن خلف الجمحي فالكل يعرف ذلك ولكن سأذكر لكم النادر من سيرة هذا الصحابي الجليل خصوصا بعد وفاة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، كان عمر بن الخطاب يقول: ابو بكر سيدنا واعتق سيدنا، يعني بلال بن رباح، حزن بلال حزناً شديداً لوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه كان رفيقه بالحل والترحال حتى انه يسير بين يديه اذا سار الى المسجد،ويقف بالسيف مصلتاً تحت منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وهو الذي يؤذن النبي عليه الصلاة والسلام في الصلوات الخمس، أفلا يحق له ان يحزن حزناً شديداً على وفاته؟ ذهب بلال حزينا إلى ابي بكر الصديق: وقال له يا خليفة رسول الله اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «افضل عمل المؤمن، الجهاد في سبيل الله» فقال له أبوبكر: فما تشاء يا بلال؟ قال: أريد أن أرابط في سبيل الله حتى أموت، فقال أبو بكر: ومن يؤذن لنا؟ فبكى سيدنا بلال بكاء مريرا وقال: لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبوبكر: بل ابق واذن لنا، سألتك بحرمتي، قال: ان كنت اعتقتني لاكون لك فلك ما تريد وان كنت اعتقتني لوجه الله، فدعني وما اعتقتني له، فقال أبوبكر: بل اعتقتك لوجه الله فذهب الى الشام مجاهدا. لم يطق بلال ان يمكث في المدينة بعد وفاة حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل شيء يذكره به وبعد سنين وهو بالشام رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟ اما آن لك ان تزورنا! فانتبه من نومه باكيا حزينا وركب ناقته على الفور وتوجه الى المدينة المنورة، واتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبكي عند القبر ويتمرغ في ترابه فأقبل اليه الحسن والحسين ابناء فاطمة الزهراء فجعل يضمهما ويقبلهما وهو يبكي فقالا له نشتهي ان تؤذن فوافق رضي الله عنه وصعد سطح المسجد، فما ان قال: الله اكبر الله اكبر حتى ارتجت المدينة فلما قال: اشهد ان لا اله الا الله تضاعفت الرجة فلما قال: اشهد ان محمدا رسول الله خرجت النساء من خدورهن فما رؤي يوم اكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم وعندما زار عمر بن الخطاب الشام سأله المسلمون ان يؤذن فيهم بلال، ولو صلاة واحدة فطلب عمر من بلال ان يؤذن فامتنع ثم وافق فأذن فبكى الصحابة الذين ادركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى من لم يدركه لبكاء الصحابة وكان بلال يبكي وهو يؤذن رضي الله عنه وأرضاه، والسؤال: ما سبب امتناع بلال عن الأذان، والاجابة: انه يشتد حزنه ويتذكر حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام، فلا يطيق ذلك، تجدر الاشارة هنا الى ان بلال كان ذا صوت ندي من أجمل الاصوات، وهو الذي كان يقول وهو يعذب: «أحد أحد» وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم انه من اهل الجنة، وقد نزل بعد وصوله الشام «داريا» وتزوج الا انه لم يعقب، وهو امام المؤذنين الى أن تقوم الساعة، حضر كل مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي صعد سطح الكعبة يوم فتح مكة واذن فوقها، توفي بلال بن رباح مرابطا في الشام سنة 20 هـ، وقبره هناك واخيراً هل حال بلال في يومه الاخير مثل أيامه الاولى رضي الله عنه، انتهى اليوم التاسع عشر، في أمان الله.

ها هو حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ بن جبل على فراش الموت في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، معاذ الذي قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي معاذ بن جبل بين يدي العلماء برتوه» والذي قال في حقه أيضاً: «نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل معاذ بن جبل»، ترى ما الذي قاله هذا الصحابي الجليل في اليوم الأخير من حياته؟ لقد مات ابنه قبله بالطاعون وكذلك ابنتين له، ها هو معاذ ينظر الى ابهامه وقد خرج الطاعون به، ها هو يقلب كفه، وهو على فراش الموت ويقول فرحاً: هي أحب إلي من حمر النعم، ثم يغمى عليه ويفيق ويقول: ربي غم غمك، فإنك تعلم إني أحبك، ذكر الحارث بن عميرة أنه كان جالسا عند معاذ وهو يموت، يغمى عليه ثم يفيق وهو يقول: أخنق خنقك، فوعزتك إني لأحبك. وروى أيضا أيها الأحبة أن معاذاً رضي الله عنه وأرضاه لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ فقيل له لم نصبح بعد، ثم انتظر برهة وكرر سؤاله: هل أصبحنا؟ فقيل له: قد أصبحت، فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها النار، مرحباً بالموت، حبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم اني لم أكن أحب الدنيا لكري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر، هذا ما قاله أو بعض ما اقله معاذ بن جبل في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فما حاله في أيامه الأولى، هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة وشهد بدراً الكبرى والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه أبو مسلم الخولاني بأنه كان وسيماً طويلاً أبيضا أكحل العينين، براق الثنايا خشن الشعر مجموع الحاجبين جعدا قططا، روى ثور بن يزيد ان معاذ اذا تهجد من الليل قال «اللهم قد نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدي ترده الى يوم القيامة انك لا تخلف الميعاد». وروى ابن لكعب بن مالك الانصاري: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خيرة شباب قومه لا يسأل إلا اعطى حتى ارهقه الدين فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماؤه وكان يهودا ان يضعوا لمعاذ شيئا فلم يفعلوا، فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى اصبح بلا مال، ثم بعثه الى اليمن قاضيا وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس ان تقول في عقب كل صلاة: اللهم اعني على ذكرك وحسن عبادتك»، وقال ايضا: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل»، وكان اصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم اذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل نظروا إليه هيبة له، وكان يقول: يكون في اخر الزمان قراء فسقة ووزراء فجرة، وأمناء خونة، وعرفاء ظلمة، وامراء كذبة، وقال لأصحابه: ما عمل ادمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: يا أبا عبدالرحمن ، ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد لان الله عز وجل يقول: «ولذكر الله اكبر» اية 45 سورة العنكبوت وقال: بغضاء الله في ارضه سؤال المساجد وقال: لا ينبغي لعبد أن يظهر الفرح حتى يجاوز جسر جهنم ويقول: كلم الناس قليلا وكلم ربك كثيرا لعل قلبك يرى الله ومن حكمه رضي الله عنه ثلاث من فعلهن فقد تعرض للمقت: الضحك من غير عجب والنوم من غير سهر، والاكل من غير جوع وكان يقول لابنه عبدالرحمن يابني، اذا صليت صلاة فصل صلاة مودع لا تظن انك تعود لها ابدا واعلم ان المؤمن يموت بين حسنتين، حسنة قدمها وحسنة اخرها، اذا لم يختلف يوم معاذ بن جبل الاخير عن ايامه الاولى فهو من الذين قال الله فيهم: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا» الاحزاب اية 24 توفي معاذ بن جبل عام 18 هـ في طاعون عمواس شمال الاردن وعمره ثلاث وثلاثون رضي الله عنه وارضاه.
انتهى اليوم الثامن عشر في أمان الله.

الوعد عهد، فإذا وعدت فأنجز وعدك ولا تكون من المنافقين الكاذبين الذين قال عنهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان».
صاحب هذا البيت الطريف وعده «الصلاح» بألف دينار، فما هي القصة؟ ومن هو الصلاح؟ ومن الشاعر؟
أما صاحب البيت فهو «عرقلة الدمشقي» واسمه: حسان بن نمير أبو الندى الكبي، والصلاح الذي أشار إليه سلطان المسلمين الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني التكريتي «532 - 589 هـ» روى ابن شاكر الكتبي في «فوات الوفيات» أن عرقلة الدمشقي كان صديقاً لصلاح الدين الأيوبي عندما كان أميراً من جملة الأمراء أيام سلطنة نور الدين، فقال له صلاح الدين يوما: يا عرقلة، إن ملكت مصر أعطيت ألف دينار، والألف دينار في ذلك العصر مبلغ كبير، وتدور الأيام ويموت أسد الدين شيركوه عمه ويصبح ملكاً على مصر، ويصل خبر تملك صلاح الدين عرقلة، فيرسل له أبياتا يذكره بالألف دينار التي وعده بها، وفيها يقول:
قل للصلاح معيني عند إعساري
يا ألف مولاي أين الألف دينار؟
أخشى من الأسر إن وافيت أرضكم
وما تفي جنة الفردوس بالنار
فجد بها عاضديات موقرة
من بعض ما خلف الطاغي أخو النار
حمرا كأسيافكم غرا كخيلكم
عتقا ثقالا كأعدائي وأطمار
فبعث له صلاح الدين ألفا منه وألفا من إخوته، فجاءه الموت فجأة ولم ينتفع بها! وكانت وفاته سنة سبع وستين وخمسئة للهجرة وقد قارب الثمانين والدنانير العاضدية التي ذكرها عرقلة هي الدنانير المضروبة في خلافة العاضد لدين الله الفاطمي، أبومحمد عبدالله بن يوسف بن الحافظ لدين الله آخر خلفاء الدولة الفاطمية والمولود حسب رواي المقريزي 546هـ وتوفي عام 567 هـ ومن تشابيه عرقلة الجميلة قوله:
أنا السموأل في حفظ الوفاء لهم
وهم إذا وعدوا بالوصل عرقوب
ما في الخيام وقد سارت حمولهم
إلا محب له في الركب محبوب
كأنما يوسف في كل راحلة
والحي في كل بيت منه يعقوب
عرف عرقلة بالظرف والمجون والخلاعة، وكان حلو المنادمة، محيطاً بفنون العلم والأدب، شاعراً مطبوعاً مكثراً مجيداً محسناً، سهل الألفاظ والتراكيب، قوي السبك، وهو أيضا صاحب رباعيات، ملم في المدح والرثاء والهجاء المستطرف، وصافا للطبيعة، خاصة دمشق التي ولد ومات بها، وله أشعار في فنون أخرى منها: النسيب والغزل والمجون والخمريات، ومن شعره المغنى قوله:
عندي إليكم من الأشواق والبرحا
ما صير الجسم من فرط الصبا شبحا
أحبابنا لا تظنوني سلوتك
الحال ما الحال والتبريح ما برحا
أو كنت أعلم ان البين يقتلني
ما بنت عنكم ولكن فات ما ذبحا
وقد مدح عرقلة أحد أعيان دمشق فأثابه على مديحه شعيراً لفقال:
يقولون: لم أرخصت شعرك في الورى
فقلت لهم: إذا مات أهل المكارم
أجازي على الشعر الشعير وإنه
كثير اذا استخلصته من بهائم
أم العاضد الفاطمي الذي ورد ذكره فقد أمسك صلاح الدين بزمام الأمور وهو على قيد الحياة، وقطع الخطبة له وخطب للخليفة العباسي، المستضيء بالله أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بالله، والعاضد في اللغة القاطع، عاش إحدى وعشرين سنة، وكانت سيرته مذمومة، ثم أنه مرض ومات في عاشوراء، وحضر صلاح الدين جنازته وشهد عزاءه، ذكر انه كان كريماً جواداً ممدحاً، وكانت مدة الدولة الفاطمية مئتين وثمانين سنة وكسرا، وأول من ملك منهم المهدي عبيدالله الذي بنى مدينة المهدية في المغرب، وقد حكم منذ سنة 297هـ الى 322 هـ، ثم انتقلت خلافتهم الى مصر بعد أن بنى جوهر الصقلي القاهرة، وكان خليفتهم الرابع وهو أشهرهم المعز لدين الله الذي سميت القاهرة، بالقاهرة المعزية نسبة له، وحكم منذ 341 هـ الى 365 هـ، ثم العزيز بالله 365 - 386هـ، ثم الحاكم بأمر الله 386 - 411 هـ، ثم الظاهر بأمر الله 411 - 427 هـ، ثم المستنصر بالله 427 - 487 هـ، وهو أطول الخلفاء مدة، حيث بقي خليفة قرابة الستين عاما، ثم أحمد المستعلي منذ عام 487  هـ - 495 هـ، ثم الامر بأحكام الله وهو العاشر من خلفائهم 495 هـ - 524 هـ، ثم الحافظ لدين الله عبدالمجيد 524 - 544 هـ، وتولى الخلافة بعده الظافر إسماعيل  544 - 549 هـ ثم الفائز بدين الله عيسى 549 - 555 هـ والاخير العاضد عبدالله 555 - 567 هـ، وعلى اثر انهيار الدولة الفاطمية قامت الدولة الايوبية، خاصة بعد وفاة المجاهد نور الدين محمود عام 569 هـ، واستمرت الدولة الايوبية منذ عام 1169م الى 1260م حيث قامت دولة المماليك في مصر والشام وكانوا يسمونهم المماليك البحرية وأولهم سيف الدين قطز الذي فل جموع التتار وهزمهم هزيمة شنعاء في عين جالوت بعد ان اسقطوا الدولة العباسية في بغداد وكان اخر ملوكهم الاشرف طومان باي 1517 م.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين وفي أمان الله.

بيت فخر وأي فخر صاحبه يذكر أن قومه فوق كل بيوتات العرب الحسيبة والنسيبة، فمن هذا الشاعر؟ ومن هم قومه الذين جعلهم فوق الناس؟ أما الشاعر فهو: الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب «عبدالعزى» بن عبدالمطلب «شيبة الحمد» بن هاشم «عمرو»، وقومه الذين يفتخر بهم هم بنو هاشم أسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحق له أن يفتخر بانتسابه لخير من وطئ الحصى وأشرف خلق الله تعالى، ولو لم يكن بنو هاشم أفضل العرب لما اختار الله تعالى منهم محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام.والفضل هذا من شعراء العصر الأموي هاشمي الأبوين، ذكره الأصفهاني وقال: كان أحد شعراء بني هاشم المذكورين وفصحائهم، وصف بأنه شديد الأدمة، لقبه الأخضر، وهو الشديد السمرة المائل الى السواد، وجاءه السواد من أم أمه كانت أمة حبشية، أما أمه فهي: أميمة بنت العباس بن عبدالمطلب، وكان من يغضب عليه يعيره بجده أبي لهب وجدته حمالة الحطب وقد وفد على معاوية بن أبي سفيان أيام خلافته مع خاله حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن العباس رضي الله عنهما، ثم وفد على عبدالملك بن مروان مع ابن خاله: علي بن عبدالله بن عباس، ومدح الوليد بن عبدالملك وكان الوليد باراً به محسناً إليه، وعاصر خلافة سليمان بن عبدالملك، ورثى الوليد بعد وفاته، وهو القائل مفتخراً بانتمائه الى الدوحة الهاشمية الشريفة:
طرب الشيخ ولا حين طرب
وتصابى وصبا الشيخ عجب
شيب المفرق مني وبدا
من حفافي لحيتي مثل العطب
كل حي صيغة من تبرهم
وبنو عبد مناف من ذهب
إنما عبد مناف جوهر
زين الجوهر عبدالمطلب
نحن قوم قد بنى الله لنا
شرفا فوق بيوتات العرب
بنبي الله وابني عمه
وبعباس بن عبدالمطلب
ورسول الله جدي جده
وعلينا كان تنزيل الكتب
من يساجلني يساجل ماجدا
يملأ الدلو إلى عقد الكرب
قصدوا قومي وساروا سيرة
كلفوا من سارها جهد التعب
ومن أبياته السائرة والتي سارت بها الركبان، قوله يعاتب بني أمية وهم أبناء عمومته بني هاشم يجمعهم عبدمناف:
مهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا
سيروا قليلا كما كنتم تسيرونا
مهلا بني عمنا مهلا موالينا
لا تنشروا بيننا ما كان مدفونا
لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم
وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلم أنا لا نحبكم
ولا نلومكم إن لم تحبونا
كل يداجي على البغضاء صاحبه
بنعمة الله نقليكم وتقلونا
كان الفضل اللهبي من أهل المدينة المنورة، يسكن وادي العقيق، وله اخبار مع شعراء الدولة الأموية مثل الفرزدق والأحوص الأنصاري والحزين الديلي الكناني وغيرهم، وكل هذه الاخبار تدل على ذكاء وسرعة بديهة وحضور ذهن وشاعرية قوية، وقف على رأسه الأحوص الشاعر وقال له يعيره بجدته لأبيه أم جميل بنت حرب:
ما ذات حبل يراها الناس كلهم
وسط الجحيم فلا تخفى على أحد؟
كل الحبال، حبال الناس من شعر
وحبلها وسط أهل النار من مسد
فقال له الفضل بن العباس مجيباً:
ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي
ماذا أردت إلى حمالة الحطب؟
ذكرت بنت قروم سادة نجب
كانت حليلة شيخ ثاقب النسب
قال ابن النطاح: مر الحزين الديلي بالفضل يوم جمعة، وعنده قوم ينشدهم، فقال له: أتنشد الشعر والناس يروحون إلى الصلاة؟ فقال الفضل: ويلك يا حزين! أتتعرض لي كأنك لا تعرفني، قال: بلى والله، إني لأعرفك ويعرفك معي كل من قرأ «تبت يدا أبي لهب وتب» ثم قال له:
إذا ما كنت مفتخرا بجد
فعرج عن أبي لهب قليلا
فقد أخزى الإله أباك دهرا
وقلد عرسه حبلا طويلا
فأعرض عنه الفضل، وتكرم عن جوابه.
ذكر أيضا أن الفضل زار الوليد بن عبدالملك وهو خليفة، وكان حاجا، فشكا له كثرة العيال، فأعطاه مالا وإبلا ورقيقا، فلما مات الوليد وتولى الخلافة سليمان أتاه وسأله، فلم يعطه شيئا فقال أبياتا يتذكر بها الوليد منها:
يا صاحب العيس التي رحلت
محبوسة لعشية النفر
امرر على قبر الوليد فقل له
صلى الإله عليك من قبر
يا واصل الرحم التي قطعت
واصابها الجفوات في الدهر
ماذا لقيت جزيت صالحة
من جفوة الاخوان لو تدري
اما جد هذا الشاعر «عتبة بن ابي لهب» فله قصة عجيبة هو واخوه «عتيبة» رواها ابن هشام في سيرته وهو انه كان زوجا لرقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم، فلما انزل الله تعالى «تبت يدا ابي لهب» طلب من ابنه هذا وابنه الاخر «عتيبة» وكان متزوجاً من ابنة نبي الله «أم كلثوم» ان يطلقاهما، وقال لهما: رأسي من رأسيكما حرام ان لم تطلقا ابنتي محمد وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عتبة طلاق رقية، وسألته رقية ذلك فقالت ام عتبة حمالة الحطب: طلقها يا بني! فإنها صبأت، فطلقها وطلق «عتيبة» ام كلثوم، وجاء الى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال له: كفرت بدينك وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا احبك، ثم سطا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اما اني أسأل الله تعالى ان يسلط عليك كلبا!! فخرج عتيبة في نفر الى الشام ثم نزلوا «الزرقاء» ليلا فأطاف بهم الأسد ليلا، فجعل عتيبة يقول: يا ويل امي! هو والله آكلي كما دعا محمد عليّ، فنام هو ومن معه، فعدا عليه الأسد من بين القوم فأخذ برأسه فضغمه ضغمة مفزعة، فتحققت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الحدث في العام الرابع من البعثة، اما عتبة جد شاعرنا فقد أسلم عام الفتح هو وشقيقه معتب، واخرج الطبراني عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح بين عتبة ومعتب وهو يقول للناس: «هذان أخواي وابناء عمي» «فرحا باسلامهما» استوهبتهما من الله فوهبهما لي».
واخيرا توفي الفضل بن العباس بن عتبة نحو 99 هـ.
دمتم سالمين وفي آمان الله

الصفحة 1 من 29