جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

هذا البيت العجيب ضمن قصة وقعت في العصر العباسي الأول، بين أمير عربي مشهور واعرابي، أما الضيف فهو شاعر لم تذكر لنا المصادر اسمه، وأما الأمير فهو معن بن زائدة الشيباني، أراد هذا الأعرابي سبر غور هذا الأمير ومعرفة مدى صبره وتحمله، فما ان دخل عليه حتى بادره قائلاً:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة
وإذ نعلاك من جلد البعير؟
ابتسم الأمير معن وقال: نعم أذكر ذلك ولا أنساه، فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكا
وعلمك الجلوس على السرير!
فعاود الابتسام بكل أريحية وقال: سبحان الله على كل حال، والحمد لله، فقال الأعرابي:
فلست مسلما ما عشت دهرا
على معن بتسليم الأمير
فقال له: إن السلام سنة أيها الرجل، فقال الأعرابي:
سأرحل عن بلاد أنت فيها
ولو جار الزمان على الفقير
فقال الأمير معن: إن أقمت عندنا، على الرحب والسعة، وإن رحلت عنها، صحبتك السلامة، فقال له:
فجد لي يا ابن ناقصة بشيء
فإني قد عزمت على المسير
قلب هذا الأعرابي اسم أبيه من زائدة إلى ناقصة، فلم يتزحزح لها معن، والتفت لغلامه وقال: أعطه ألف دينار، فقال الأعرابي:
قليل ما أتيت به وإني
لأطمع منك بالمال الكثير
فقال الأمير معن لغلامه: أعطه ألف دينار ثانية، ففرح الأعرابي فرحاً شديداً وقال:
سألت الله أن يبقيك ذخرا
فمالك في البرية من نظير
فمنك الجود والإفضال حقا
وفيض يديك كالبحر الغرير
فقال له: أعطيناك على هجونا ألفين، يا غلام، أعطه على مدحنا أربعة آلاف دينار، فقال الأعرابي: بأبي وأمي أنت أيها الأمير، فأنت والله نسيج وحدك، في الحلم، ونادرة دهرك في الجود، وقد كنت في صفاتك هذه بين مصدق ومكذب، فلما بلوتك صغر الخير الخبر، وأضعف الشك قوة اليقين، وما دفعني إلى ما قلته لك إلا مائة بعير جعلت لي عند إغضابك، فقال الأمير معن: لا تثريب عليك، ثم وهبه أيضاً مائتي بعير، فانصرف الأعرابي داعياً له، شاكراً لما وهبه، «المصدر: بحر الآداب».

كان عروة بن أذينة يخرج في الثلث الأخير من الليل، إلى سكك البصرة، فينادي: يا أهل البصرة «أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا وهم نائمون، أو أمن أهل القوى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون»، الصلاة الصلاة «العقد الفريد»، وهو القائل يرثي أخاه بكراً:

سرى همي وهم المرء يسري
وغار النجم إلا قيد فتر
أراقب في المجرّة كل نجم
تعرض أو على المجراة يجري
لهمّ لا أزال له قرينا
كأن القلب أبطن حر جمر
على بكر أخي فارقت بكرا
وأي العيش يصلح بعد بكر
ومن جميل غزله قوله:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي
عمدت نحو سقاء القوم أتبرد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره
فمن لنار على الأحشاء تتقد
وقوله أيضاً:
قالت: وأبثثتها سري فبحت به
قد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لها
غطى هواك وما ألقى على بصري
روى ابن خلكان أن عروة بن أذينة خرج إلى هشام بن عبدالملك في قوم من أهل المدينة، فسلموا عليه، فنظر هشام إلى عروة فقال له: ما جاء بك يابن أذينة؟ فقال عروة:
أتينا نمت بأرحامنا
وجئنا بإذن أبي شاكر
إلى خير خندف في ملكها
لباد من الناس أو حاضر
«أبي شاكر، مسلمة بن هشام» فقال له هشام: ألست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني!
أسعى إليه فيعنيني تطلبه
ولو جلست أتاني لا يعنيني
قال: بلى يا أمير المؤمنين، فقال له هشام: أراك جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق!! ألا جلست في بيتك فيأتيك رزقك كما ذكرت؟! قال عروة: زادك الله بسطة في العلم والجسم، ولا رد وافدك خائبا، والله لقد بالغت في الوعظ، واذكرتني ما أنسانيه الدهر، ثم خرج على راحلته من فوره، فركبها وتوجه إلى الحجاز، فلما كان في الليل ذكره هشام وهو في فراشه، فقال: رجل من قريش، قال حكمة، ووفد إليّ فجبهته ورددته عن حاجته، وهو مع ذلك شاعر لا آمن ما يقول، فلما أصبح سأل عنه فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم، حتى يعلم أن رزقه سوف يأتيه، ثم دعا مولى له وأعطاه الفي دينار وقال له: الحق ابن أذينة وأعطه إياها، فسار المولى خلفه فما أدركه إلا وقد دخل بيته، فقرع الباب عليه فخرج إليه فأعطاه المال، فقال عروة: ابلغ أمير المؤمنين مني السلام، وقل له: سعيت فأكديت، ورجعت إلى بيتي فأتاني رزقي، ومن شعر عروة بن أذينة أيضاً:
إن إلي زعمت فؤادك ملها
خلقت هواك كما خلقت هوى لها
فيك الذي زعمت بها وكلاكما
يبدي لصاحبه الصبابة كلها
ويبيت بين جوانحي حب لها
لو كان تحت فراشها لأقلها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها
بلباقة فأدقها وأجلها
لما عرضت مسلما لي حاجة
أرجو معونتها وأخشى ذلها
حجبت تحيتها فقلت لصاحبي
ما كان أكثرها لنا وأقلها
فدنا فقال: لعلها معذورة
من أجل رقبتها فقلت لعلها
توفي ابن أذينة قبل سقوط دولة بني أمية بقليل، في خلافة مروان بن محمد بن مروان، آخر خليفة أموي سنة 130 هـ.
دمتم سالمين، في أمان الله

هذا البيت حكمة وعظة، فهل للإنسان إلا ما قسمه الله تعالى له، أوليس المولى عز وجل يقول: «وفي السماء رزقكم وما توعدون» «الذاريات 22»، روى الأصمعي «عبدالملك بن قريب» قال: أقبلت من المسجد الجامع بالبصرة، وبينما أنا ببعض سككها، إذ طلع على أعرابي، جلف جاف، على قعود له، متقلد سيفه، وبيده قوس، فدنا وسلم، وقال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني الأصمع، قال أنت الأصمعي؟ قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم، قال: اتل علي شيئاً منه، فقلت له: انزل عن قعودك، فنزل، وابتدأت بسورة الذاريات، فلما انتهيت إلى قوله تعالى: «وفي السماء رزقكم وما توعدون» قال: يا أصمعي! هذا كلام الرحمن؟ قلت: أي والذي بعثك بالحق، إنه لكلامه، أنزله على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: حسبك.. ثم ولى مدبراً نحو البادية، وهو يقول: «وفي السماء رزقكم وما توعدون» يقول الأصمعي: فأقبلت على نفسي باللوم، وقلت: لم تنتبه إلى ما انتبه له الأعرابي، فلما حججت مع هارون الرشيد، دخلت مكة المكرمة، وبينما أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي نفسه، فسلم علي، وأخذ بيدي، وأجلسني من وراء المقام، وقال لي: اتل كلام الرحمن، فأخذت في سورة الذاريات، فلما انتهيت إلى قوله تعالى: «وفي السماء رزقكم وما توعدون» صاح الأعرابي: وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت نعم، يقول الله عز وجل: «فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما انكم تنطقون» فصاح الأعرابي: سبحان الله, من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! ألم يصدقوه حتى ألجأوه إلى اليمين؟ قالها ثلاثا، وخرجت روحه، لننظر إلى بيت الشعر كاملا ونتأمله ونقنع بما قسمه الله لنا:

لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
هذا البيت فيه إيمان كبير بالله تعالى الخالق المدبر، مقسم الأرزاق، إنها القناعة يا سادة، ألا تراه يقول بعد ذلك:
أسعى له فيعنيني تطلبه
ولو جلست أتاني لا يعنّيني
وأي حظ امرئ لابد يبلغه
يوما ولابد أن يختاره دوني
لا خير في طمع يدني إلى طبع
وغضة من قوام العيش تكفيني
لا أركب الأمر تزرى بي عواقبه
ولا يعاب به عرضي ولا ديني
أقوم بالأمر إما كان من أربي
وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
كم من فقير غني النفس نعرفه
ومن غني فقير النفس مسكين
وكم عدو رماني لو قصدت له
لم يأخذ البعض مني حين يرميني
وكم أخ لي طوى كشحاً فقلت له
إن انطواءك عني سوف يطويني
هذه الأبيات كل بيت فيها حكمة، وهي من أجمل الشعر العربي قالها: عروة بن أذينة، أبو عامر الليثي الكناني، تابعي جليل، شريف من اشراف المدينة المنورة، في عصر بني أمية، وشاعر مقدم، في الغزل والفخر، وهو معدود من الفقهاء والمحدثين الثقات الذين رووا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أصحابه، ونسبه كما ذكره ثقات المؤرخين: عروة بن يحيى بن مالك بن الحارث بن عمرو بن عبدالله بن رحل بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر، كان منزله عند وادي «تربان» أحد روافد وادي «ملل» التابع لمركز «الفريش» قرب المدينة المنورة،

الثلاثاء, 22 أغسطس 2017

رضيت من الغنيمة بالإياب «2-2»

وامرؤ القيس اسمه «حندج» واشهر قصائده على الإطلاق معلقته التي بدأها بقولها:

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
وان كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
ومن أجمل غزلياته وأغلب الناس لا تعرف أنها له قوله:
تَـعَـلَّـقَ قَلبِـي طَفلَـةً عَـرَبِـيَّـةً
تَنَعـمُ فِي الدِّيبَـاجِ والحُلِـيِّ والحُـلَلْ
لَهَـا مُقلَـةٌ لَـو أَنَّهَـا نَظَـرَت بِهَـا
إِلـى رَاهِبٍ قَـد صَـامَ للهِ وابتَهَـلْ
لأصبَـحَ مَفتُونـاً مُعَـنًّـى بِحُـبِّـهَا
كَأَن لَمْ يَصُـمْ للهِ يَومـاً ولَمْ يُصَـلْ
وكان قد بدأ هذه القصيدة بأبيات يقول فيها:
لِمَن طَلَلٌ بَينَ الجُدَيَّةِ والجبَل
مَحَلٌ قَدِيمُ العَهدِ طَالَت بِهِ الطِّيَل
عَفَا غَيرَ مُرتَادٍ ومَرَّ كَسَرحَب
ومُنخَفَضٍ طام تَنَكَّرَ واضمَحَل
وزَالَت صُرُوفُ الدَهرِ عَنهُ فَأَصبَحَت
عَلى غَيرِ سُكَّانٍ ومَن سَكَنَ ارتَحَل
ويقول واصفاً هذه الطفلة العربية:
ولي ولها في النّاسِ قولٌ وسمعةٌ
ولي ولـــها في كلِّ ناحيةٍ مـــَثلْ
كأنَّ على أسنانـها بعدَ هـَجـعةٍ
سفرجلَ أو تفاحَ في القندِ والعسلْ
ردّاح صَموتُ الحِجلِ تمشي تبخـــتراً
وصرّاخةُ الحِجلينِ يصرخنَ في زَجلْ
غموضٌ عضوضُ الحجلِ لو أنَّها
مَشت بهِ عندَ بابِ السبسبينَ لانفصلْ
حجازيةُ العينـينِ مكّـِيةُ الحــشا
عراقـيَّةُ الأطرافِ روميّــةُ الكَــفلْ
تُـهاميّــَةُ الأبـدانِ عبسـيَّةُ اللَّمَى
خِـزاعـــيـَّةُ الأســــنانِ دُريَّةُ القــبلْ
ولا صحة للحديث الشريف الذي روي عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي يقول فيه عن امرئ القيس: «ذاك رجل مذكور في الدنيا، منسي في الآخرة، شريف في الدنيا، خامل في الآخرة، يجيء يوم القيامة بيده لواء الشعراء، يقودهم الى النار».
قال الأرناؤوط: إسناده ضعيف جدا، كما ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، لم تكن حياة امرؤ القيس طويلة بمقياس السنين، ولكنها طويلة جدا بمقياس الاحداث، فقد طوف في معظم ارجاء ديار العرب، ثم ذهب بعيداً عن جزيرة العرب حيث وصل الى القسطنطينية ودخل علىقيصر طالبا منه المساعدة في أخذ ثاره، ثم عاد منهكا مريضا، فمات في طريق عودته بأنقرة عام 540م في تلة «هيدير ليك» ربما يقول البعض ان وفاته من حلة مسمومة أهداها اياه قيصر، فقد نفى هذه القصة اكثر من مرجع تاريخي، ثم ان العقل لا يقبل بهذه الحكاية، لانه ذهب لطلب النجدة من قيصر الروم لأخذ ثأره من بني أسد الذين قتلوا والده حجر، فهل كان وهو في مثل هذه الحالة فارغا للتغزل بابنة القيصر؟ وسأذكر لكم الرواية التي تقول انه مات من حلة مسمومة أهداها له قيصر لتروا رأيكم بها: ذكر عبدالقادر البغدادي في خزانة الأدب ان امرأ القيس  نفذ بالجيش من عند قيصر فجاء الطماح بن قيس  الأسدي لقيصر وقال له: أيها الملك، أهلكت جيشك اذا بعثته مع المطرود وليس لك فائدة من انتصاره، فكلما قتل بعض العرب كان خيرا لك، قال قيصر: ما الرأي؟ قال: ان تتدارك جيشك وترده، وتبعث الى امرئ القيس بحلة مسمومة، ففعل ولبسها فتساقط لحمه ونزل الى جانب جبل يقال له: عسيب، فشاهد قبر امرأة فقال:
اجارتنا ان المزار قريب
واني مقيم ما اقام عسيب
اجارتنا انا غريبان ها هنا
وكل غريب للغريب نسيب
دمتم سالمين، في أمان الله

لغنيمة هي النهب والسلب والتي يخاطر أهل الجاهلية بأنفسهم من أجلها، حتى أنهم يتقاتلون على السهم الأوفر منها بعد المعركة، فكيف يرضى من خرج مخاطراً بنفسه أن يعود سالماً لا له ولا عليه، لا يريد إلا سلامته، أخرجه الطمع إلا أنه رأى من الأهوال والمخاطر ما جعله يتمنى لو أنه لم يقدم على مثل هذه الخطوة.
لكل ما ذكرت رضي من الغنيمة بالإياب، مثل هذا المثل لا يقوله إلا من حنكته التجارب لذا جاء مثله صادقاً واقعيا صالحا لكل زمان ومكان، الله عز وجل يقول: «وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» «البقرة 195»، فلا ترمي بنفسك أيها الرجل في التهلكة «وكلنا هذا الرجل» ولا تحمل نفسك فوق طاقتها فتندم  حين لا ينفع الندم، دعونا نطالع الأبيات التي ورد بها هذا المثل الصادق:
أرانا موضعين لأمر غيب
وَنُسْحَرُ بالطَّعامِ، وَبالشَّرابِ
عَصافيرٌ، وَذُبَّانٌ، وَدودٌ،
وأجْرأُ مِنْ مُجَلِّحَة ِ الذِّئابِ
فبعضَ اللوم عاذلتي فإني
ستكفيني التجاربُ وانتسابي
إلى عرقِ الثرى وشجت عروقي
وهذا الموت يسلبني شبابي
ونفسي، سَوفَ يَسْلُبُها، وجِرْمي،
فيلحِقني وشيكا بالتراب
ألم أنض المطي بكلِّ خرق
أمَقَ الطُّولِ، لمَّاعِ السَّرابِ
وأركبُ في اللهام المجر حتى
أنالَ مآكِلَ القُحَمِ الرِّغابِ
وكُلُّ مَكارِمِ الأخْلاقِ صارَتْ
إلَيْهِ هِمَّتي، وَبِهِ اكتِسابي
وقد طَوَّفْتُ في الآفاقِ، حَتى
رضيتُ من الغنيمة بالإياب
أبعد الحارث الملكِ ابن عمرو
وَبَعْدَ الخيرِ حُجْرٍ، ذي القِبابِ
أرجي من صروفِ الدهر ليناً
ولم تغفل عن الصم الهضاب
وأعلَمُ أنِّني، عَمّا قَريبٍ،
سأنشبُ في شبا ظفر وناب
كما لاقى أبي حجرٌ وجدّي
ولا أنسي قتيلاً بالكلاب
هذه الأبيات قالها ذو القروح الملك الضليل كبير شعراء الجاهلية امرؤ القيس بن حجر الكندي، أشهر شعراء العربية على الإطلاق، يتذكر في هذه الأبيات هلاك آبائه، ومنهم أبوه حجر الذي قتلته بنو أسد، ويتذكر أخذ الملك المنذر بن ماء السماء 48 نفساً من بني أكل المرار منهم: عمرو ومالك ابنا الحارث عما امرئ القيس وقتلهم أيضاً، وفي ذلك يقول:
ألا  يا  عين  بكي  لي  شنينا 
وبكي  لي الملوك الذاهبينا
ملوكا من بني حجر بن عمرو
يساقون  العشية  يقتلونا
فلو في يوم  معركة  أصيبوا
ولكن  في  ديار  بني مرينا
لم تغسل  جماجمهم  بغسل
ولكن   بالدماء  مرملينا
تظل  الطير عاكفة عليهم
وتنتزع الحواجب والعيونا
امرؤ القيس ولد في نجد عام 520م، يعد رأس الشعراء العرب، نشأ ميالا إلى الترف واللهو، حاله حال أولاد الملوك في ذاك الزمان، اتخذ لنفسه سيرة لاهية تأنفها الملوك، منها انه كان يسير في أحياء العرب ومع شذاذ العرب من طي وكلب وبكر بن وائل. فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد، أقام فذبح وشرب الخمر وسقاهم وتغنيه قيانه، ولا يزال كذلك حتى يذهب ماء الغدير وينتقل عنه إلى غيره، مما جعل أبوه يرده إلى حضر موت، بين أعمامه وقومه، أملا في تغيير طباعه إلا أنه ظل على حاله.

كنا نعيش وحتى فترة قريبة من الزمن مع عمالقة الفن الكويتي الذي أدوا رسالتهم الفنية بكل أمانة وإخلاص، ثم فرطت المسبحة وتوالى رحيلهم واحداً تلو الآخر في زمن متقارب، كأنهم على موعد بألا يتأخر الأول عن  الثاني، وهذه سنة الحياة ولا راد لقضاء الله تعالى، والآن لم يبق من هؤلاء الرواد إلا عدد أصابع اليد، سعد الفرج، إبراهيم الصلال، خالد العبيد، محمد جابر، محمد المنصور، جاسم النبهان، ومن النساء: حياة الفهد، مريم الصالح، سعاد عبدالله، لذا أتوجه برسالتي إلى معالي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، وزير الإعلام بالوكالة، والعارف لا يعرف يا معالي الوزير أرجو شاكراً أن تجمع البقية الباقية من جيل الرواد، وتسألهم عن كل ما يريدون فهم يستحقون منا الكثير، واتمنى على معاليك أن تحقق أمنية عملاق الفن الراحل عبدالحسين عبدالرضا رحمه الله تعالى، وأعلم كم كنت تحبه وتحترمه، وهي جمع هؤلاء الرواد في عمل واحد مسرحياً كان أو تلفزيونياً، حتى يبقى هذا العمل في ذاكرة الأجيال، وهو بنفس الوقت رد جميل لمسيرتهم الحافلة بالعطاء والنجاح، وأنت يا شيخ محمد غصن من أغصان الشجرة المثمرة، ورافة الظلال التي نتفيأ ظلها أبناء هذا الوطن العزيز، وإن قيل أين النص الذي يجمع هؤلاء الكبار أقول إنني على استعداد لكتابته دون مقابل، وفاء لهذا الجيل الرائع، وهناك غيري من الكتاب مستعدون لذلك بكل رحابة صدر، وأرجو الا يكون لسان حال هؤلاء الفنانين قول عبيد بن الأبرص الأسدي:

لألفينك بعد الموت تندبني
وفي حياتي ما زودتني زاد
دمتم سالمين وفي أمان الله.

ما أشد حزن الناس على موت فنان العرب الكبير عبدالحسين عبدالرضا رحمه الله تعالى, ولا عزاء للفن ووالله أهلا بهذا الحزن، فكل اسرة عربية تفرح وتبتهج عند رؤيته وقد دخل قلوب الناس قبل ان يدخل بيوتهم حتى اصبح من ضروريات الحياة عند أهل الخليج خاصة ولو كان غير الموت لدفعه الناس عنه:

فكل ذخيرة لابد يوما,, وان بقيت تصير إلى نفاد
ولو يفدي من الحدثان شيء,, فديتك بالطريف وبالتلاد
فلا تبعد فكل فتى سيأتي,, عليه الموت يطرق أو يغادي
عبدالحسين عبدالرضا السني والشيعي والبدوي والحضري والكويتي قلبا وقالبا اعرف ابا عندنان تمام المعرفة فهو أخ وصديق سافرت معه وعرفت معدنه الطيب اما الفن فكل الناس يعرفون انه تربع على قمته اكثر من نصف قرن, واما صفاته فربما لا يعرفها الكثير فهو انسان بمعنى الانسانية كريم الاخلاق كويتي صرف ذو أحاسيس مرهفة شاعر يصيغ أجمل العبارات يشارك في التلحين مؤلف متمكنو يكره الحسد والقيل والقال وفي لاصدقائه غيور على وطنه مطيع لولاة أمره محب لاسرته وللناس حريص على القيام بواجباته الاجتماعية خلق لإسعاد الناس والعجب كل العجب من هذا الشيخ الذي أطل علينا مغردا وهو يقول: لا تترحموا على عبد الحسين عبدالرضا فهو رافضي ولا يجوز الترحم عليه.
وأقول له: هل أنت وصي على الناس, ألا تستحي من إثارة الفتن والنفخ في بوق الطائفية والخليج يغلي؟ وهل قامت دولة الكويت إلا على السني والشيعي؟ وان كان عبدالحسين عبدالرضا رافضيا فهو رافض للطائفية والحزبية طول حياته وتعرضت حياته للخطر لمواقفه الوطنية الصافية والحمد الله ان الرحمة ليست بيدك وانما بيد الودود الرحيم.
وصدق من قال «كل إناء بما فيه ينضح» اما نحن فنقول: اسعدك الله تعالى يا عبدالحسين عبدالرضا عنده كما اسعدت ملايين البشر ولعدنان وبشار اقول: عظم الله أجرنا واجركما بفقيد الكويت الغالي نسأل الله له الرحمة والمغرفة ولمن يتابع إذاعة الكويت فقد سجلت ساعة كاملة حول مسيرة هذا الفنان الكبير تبث يوم الجمعة 18 اغسطس الساعة الثانية ظهراً.
دمتم سالمين وفي أمان الله

ويعد عنتر بن شداد في طليعة الشعراء الفرسان، وهو من أصحاب المعلقات، وتسمى معلقته «المذهبة» لرصانة أبياتها، هناك حديث شريف ضعفه الألباني يقول ان ابن عائشة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشد قول عنترة:
ولقد أبيت الطوى وأظله
حتى أنال به كريم المأكل
فقال: «ما وصف لي إعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة»، وقد عاصر عمرو بن معد يكرب عنترة وذكره ضمن أشداء العرب حيث قال: لو طفت بظعينة أحياء العرب ما خفت عليها، ما لم ألق عبديها وحريها- يعني بالعبدين: عنترة بن شداد والسليك بن سلكة، والحرين: عامر بن الطفيل وربيعة بن المكدم، وقال أيضاً في عنترة: قليل الكبوة، شديد الجلبة، والحقيقة أنه لا يوجد مرجع تاريخي يذكر زواج عنتر من عبلة، كما ذكر ابن الكلبي أن شداداً عمه وليس أبوه، نشأ في حجره فنسب إليه، وذكر أنه «عنتر بن عمرو بن شداد» اعترف به بعد أن دافع عن عبس وحول هزيمتهم إلى نصر، في قتال لهم ضد حي من أحياء العرب، وعنتر أحد أغربة العرب وهم ثلاثة: عنتر وأمه زبيبة، وخفاف بن عمير وأمه ندبه، والسليك بن عمير وأمه السلكة، وعنتر بن شداد، ولد هذا الفارس المشهور عام 525 م لأب عربي من سادات قومه، وأم حبشية، ورث عنها السواد.
وكانت العرب في الجاهلية إذا ولد لها ولد من جارية استعبدوه، إلا أن عنتراً ظهرت عليه مخايل الشجاعة منذ صغره، فكان أشما أبياً شديد الفتك، ومع ذلك لم يعترف أبوه به، «قال ابن الكلبي» أغارت قبيلة من قبائل العرب على بني عبس، فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيون فلحقوهم وقاتلوهم، فقال أبوه له: كر يا عنتر، فقال: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر، فقال له: كر وأنت حر، فكر عنترة وارتجز قائلاً:
أنا الهجين عنترة.. كل امرئ يحمي حرة
أسوده وأحمره.. والواردات مشفرة
وقال أيضاً:
إني امرؤ من خير عبس منصبا
شطري واحمي سائري بالمنصل
وقاتل قتالاً شديداً، فدعاه أبوه بعد ذلك، والحق به نسبه.
قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدها، قال: لا، فقيل له: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما، ولا أدخل موضعاً إلا أرى لي منه مخرجا، وكنت اعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة، يطير لها قلب الشجاع، فأنثني عليه فأقتله، وفي النهاية أغر عنترة على بني نبهان وهو شيخ كبير، فطرد لهم طريدة، فرماه فتى منهم اسمه زر بن جابر بسهم وقال: خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه، فتحامل عنترة على نفسه حتى أتى أهله فمات، وذكر ابن الكلبي أن الذي قتل عنترة يلقب بالأسد الرهيص، وهذا يختلف عما ذكره أبوعمرو الشيباني الذي قال انه غزا طيئاً مع قومه فانهزمت عبس، فخر عن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يركبها، فدخل غاراً وابصره عين لطيء فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيراً فرماه وقتله، أما أبو عبيدة فقال: أسن عنترة وعجز عن الغارات، فخرج إلى رجل من غطفان له عليه بكر، فهاجت عليه ريح صيف وهو بين شرج وناظره فأصابته فقتلته.
ملاحظة: بعض الناس يروي بيت عنتر كالتالي:
لو كان قلبي معي لاخترت غيركم
ولارتضيت سواكم بالهوى بدلا
وهذا خطأ شائع، أحببت أن أنوه له.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

ثمة سؤال يتبادر إلى الذهن عندما نتأمل هذا البيت الجميل:
لو كان قلبي معي لاخترت غيركم
ولا ارتضيت سواكم بالهوى بدلا
أيهما أكثر تأثيراً على الإنسان قلبه أو عقله؟ والحقيقة أنه قد يتفق القلب والعقل في أمور كثيرة إلا في حالة استثنائية واحدة هي الحب، في هذه الحالة لا يقتصر الأمر على الاختلاف، وانما التباعد والقطيعة، لأن المرء إذا أحب حباً صادقاً، تملك هذا الحب مشاعره وأحاسيسه، ولعبت به هذه المشاعر والأحاسيس، وجعلته يسير وفق ما تريد، والقلب مخلوق ضعيف يطيعها في كل ما تأمره، هذا هو الحب يا سادة، فإذا أحب المرء رأى نعيم الدنيا بقربه من حبيبه، حتى لو كان حبيبه قاسياً عليه، ألا ترى أبوالشيص محمد بن علي بن عبدالله الخزاعي يقول:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
متأخر عنه ولا متقدم!
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
إذا كان حظي منك حظي منهم
الحب أعمى أصم، إذا وقع المرء في شباكه لم يعد يستطيع الخروج منه، وفي ذلك يقول الخبز أرزى نصر بن أحمد بن نصر:
الحب أول ما يكون لجاجة
تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى
جاءت أمور لا تطاق كبار
من هنا قال الفارس الشاعر عنترة بن شداد العبسي:
لو كان قلبي معي لاخترت غيركم
ولا ارتضيت سواكم بالهوى بدلا
لكنه راغب في من يعذبه
فليس يقبل لا لوما ولا عذلا
هو يقول ان قلبه ليس بيده، ولو كان بيده لاختار غيرها، ولرضي بسواها، لكن هذا القلب الضعيف يحب من يعذبه لا يتزحزح قيد أنملة عنها رغم الألم الشديد الذي تسببه له، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك هذا الأمر، ولا ينفع معه لا لوم ولا عذل هذا اللوم يزيده اصراراً على التمادي في حبها، رأيتم ما فعل الحب بعنترة بن شداد وهو الفارس المغوار، فكيف الحال بمن هو لا يمتلك صفات عنتر، ها هو يخاطب ابنة عمه عبلة بنت مالك قائلاً:
لا وعينيك وأعظم بالقسم
وفم عن غرة الصبح ابتسم
لو أنم يا عبل عن عهد الهوى
من رعى أمراً عظيماً لم ينم

وما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ
لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ
بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً
هوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ
تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي
لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ
بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني
أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ
وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ
وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ
فإنْ كانَ ما قالَ الوشاة ُ ولمْ يكنْ
فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ مَا شَيّدَ الكُفرُ
وفيتُ ، وفي بعضِ الوفاءِ مذلة ٌ
لآنسة ٍ في الحي شيمتها الغدرُ
وَقُورٌ، وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها
فتأرنُ ، أحياناً ، كما يأرنُ المهرُ
تسائلني: «منْ أنتَ ؟» ، وهي عليمة ٌ
وَهَلْ بِفَتى ً مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟
فقلتُ ، كما شاءتْ ، وشاءَ لها الهوى :
قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ
فقلتُ لها: «لو شئتِ لمْ تتعنتي
وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ!
فقالتْ: «لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا!
فقلتُ: «معاذَ اللهِ! بلْ أنت لاِ الدهرُ،
وفيها يقول وهي 54 بيتاً:
سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ
وفي الليلة ِ الظلماءِ ، يفتقدُ البدرُ
قال عنه الذهبي: الأمير أبو فراس الحارس بن سعيد بن حمدان التغلبي الشاعر، المفلق، كان رأسا في الفروسية والجود، وبراعة الأدب، قال الصاحب بن عباد: بدئ الشعر بملك وهو امرؤ القيس، وختم بملك وهو أبو فراس، وأضاف الذهبي: أسرته الروم جريحاً، فبقي بقسطنطينية أعواماً، ثم فداه سيف الدولة منهم بمال، وأعطاه أموالاً جزيلة وخيلا ومماليك، كانت له منبج، ثم تملك حمص، ثم قتل بناحية تدمر وهو في طريقه لتملك حلب بعد وفاة سيف الدولة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة للهجرة وعمره سبع وثلاثون سنة، وأقول إن الحمدانيين أسرة عربية قامت بأسيس دولة ذات نفوذ واسع ينتمون إلى قبيلة تغلب العربية، ومؤسس دولتهم جدهم حمدان بن حمدون، حكم الموصل منهم أبو محمد ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء «318-358هـ» وأبو تغلب عضد الدولة الغضنفر فضل الله بن الحسن «358-369 هـ» وأبو طاهر ابراهيم بن الحسن «379 - 389 هـ»، وابو عبدالله الحسين بن الحسن، وتملك حلب منهم سيف الدولة علي بن عبدالله «333 - 356 هـ»، وابو المعالي شريف بن علي «356-381هـ» وأبو الفضائل سعيد الدولة سعيد بن شريف «381-392 هـ» وأبو الحسن علي بن سعيد بن شريف وأخوه شريف بن سعيد حتى عام 394هـ.
أكتفي بهذا لقدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الصفحة 10 من 41