جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الإثنين, 14 أغسطس 2017

السيدة صفاء صفِّي النية! (2-2)

من الطامات الكبرى التي تعاني منها الكويت أيضا، هذه الشعبوية البشعة التي ينتهجها بعض النواب بعيدا عن مصلحة بلدهم، ظنا انها مصدر حفظ كراسيهم، لكنها في الحقيقة مولِد رئيسي لعدم الاستقرار النفسي والقلق وانعدام اليقين، مع ما في ذلك من انعكاسات ضارة، فضلا عن ان اهانة الناس ليست حقا لاحد، وغير مقبولة من احد.
لا يمكن ان تكون الشعبوية أو الكراهية في أي بلد، ولا طبعا هنا، وسيلة لعلاج المشاكل بقدر ما هما وسيلة لمراكمتها وتعقيدها.ان تحويل الوافدين إلى هدف للرماية أو كيس للتدريب واثارة الكراهية ضدهم، يمنع أي تقييم علمي موضوعي لما تعاني منه الكويت، ويكشف نوايا غير طيبة تحجب رؤية الأسباب الحقيقية لأصل المشاكل، وبالتالي تحرف الانظار والجهود عن حلها!
الاسلوب نفسه اعتمدته الهاشم في حربها الضروس المليئة بالتحريض والافتراءات، ضد فنان كبير رقيق مرهف، يحظى من الخليج إلى المحيط، بالاحترام والتقدير لفنه وشخصه والانسانية العالية فيه، حتى اصبح من سابع المستحيلات ان تجد كرسيا فارغا واحدا في حفل يقيمه في أي بلد عربي.
سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد يريد ان تستضيف الكويت مؤتمرا دوليا للمانحين يساهم في اعادة اعمار العراق، ويبلسم جراح العراقيين، ويعيد الامل والخير والنماءالى بلاد الرافدين ارض السواد، فيما الهاشم تستنكر حضور الساهر إلى الكويت وكأنه زعيم مافيا أو قرصان بين اسنانه سكين، لا اغنية تحمل المتعة والفرح، والسلام والمحبة!
لا حجة أو منطق في حملة الهاشم. مجرد اساءة مجانية لفنان كبير ولجنسيته ولوطنه وشعبه، للعراق والعراقيين الذين لا تتحمل النائبة سماع لهجتهم!
حقا لم أجد عبارة أصف بها هذا التصريح سوى ما يمكن ان يؤاخذني عليه القانون!
كاظم الساهر يعيش غريبا، هجر بلده مضطرا أيام حكم صدام، لكنه لم يفِرط بوطنيته وحبه لوطنه وشعبه، ما يعزز احترامه، ومن المؤكد ان الاخت النائبة تعرف كثيرين غنوا للديكتاتور واشادوا به ومدحوه ودبجوا المقالات والمعلقات في بطولاته، حتى اعتبرهم صدام الفرقة الثامنة في جيشه، لكنها تعفيهم من نيران لسانها المشتعلة على حفل للساهر في الكويت، وخيرا تفعل.فالشعوب الحية، والشعب الكويتي واحد منها، تتجاوز المحن والمآسي وتسامح، وان كانت لا تنسى.
ولأن الساهر فنان حقيقي لم يدخل يوما في مهاترات لأن رسالة الفن الذي يبدعه هي الدعوة للحياة والامتاع والفرح، واكتفى بأن الشعب العراقي ليس مسؤولا عن الغزو المجرم، بل هو يدفع ثمنه باهظا جدا.
على كل، الهاشم خبيرة اقتصادية قبل ان تكون نائبة.فلتترك للكويتيين ان يحكموا، فاذا ظلت كراسي دار الأوبرا فارغة في الحفل الذي يغيظها قبل ان يصبح حقيقة بعد، يكون الكويتيون قد حكموا لها وتربح، اما اذا ازدحمت الصالة بمحبي صوت الساهر وبيعت بطاقات الحفل في السوق السوداء، وهو المتوقع، فيكون الناس حكموا ضدها وتخسر.
على السيدة صفاء حينها، ان تعيد النظر بحساباتها وتستخلص العبر، وتصفِي النية تجاه الساهر والعراقيين والوافدين كلهم، لتخيط بمسلة أخرى غير معاداتهم!

السبت, 12 أغسطس 2017

السيدة صفاء صفِّي النية!

حسافة ان النائبة صفاء الهاشم مصرَة على ان تجعل الوافدين «عدة شغلها» وبرنامج تكسبها الانتخابي، وكأن «اللي فيهم مش كافيهم»، اوكأنها تعتبر الاساءة المتمادية اليهم، تساوي اصواتا في الصندوق الانتخابي!
تكتيكٌ تجاوز الحد السياسي والانساني المقبول ليصبح نهجا فظا ومؤذيا. وهي تبالغ فيه ولم يعد مقتصرا على المقيمين العاملين هنا، الذين تستفيد منهم الكويت ويستفيدون منها مقابل جهد وتعب جسدي وذهني .بل وصل الأمر حد توجيه سهامها الجارحة نحو قيمة ابداعية وفنية رفيعة، الفنان العراقي الكبير كاظم الساهر، طبعا دون ان تنال من مكانته ومقامه.فهو علمٌ عراقي في الفن العربي المعاصر، فيما يجتاح العرب قحط ثقافي وابداعي، ويعيشون احدى اسوأ مراحل انحطاطهم، وبقي الساهر مع قلة نادرة جدا، علامات مضيئة في هذا المجال!
كنت احسب السيدة صفاء أذكى من ان تعتمد أسلوبا كهذا كسبا لحفنة اصوات.لكني أحزن عليها وهي تتعاطى مع الوافدين بأسلوب غير منصف جارح.واذا كانت هذه قناعتها الفعلية، فإن انطباعي عنها يكون غلطاً من الاساس.ومن المؤكد، أن حسبتها هي ايضا خطأ اكبر بما لا يقاس.
صحيح أن تصريحاتها تؤذي الوافدين وتمُس كراماتهم واعتدادهم بانفسهم وأوطانهم، وتقلِل من أهمية ما يقدمونه للديرة وأهلها.انهم يُقدِرون البلد الذي يستضيفهم وفيه يرزقون ويعيشون.مع ذلك، فإن لدى كثيرين منهم دائما الخيار.اذ الدنيا واسعة والارزاق بيد رب العالمين. اما هي، باسلوبها المُستفِز غير المقبول للاغلبية الساحقة من الوافدين، وحتى الكويتيين، انما تزرع الكراهية على ارض الكويت وتشوِه صورة بلدها وتعطي انطباعا سلبيا عنه.لأن في تصريحاتها نفسا عنصريا وتمييزا غير حميد بشع، وهو، حتما، انطباع لا تستحقه الكويت والاغلبية الساحقة من شعبها.
الكويت عند العرب والعالم، لوحة جميلة بامنها وأمانها، وواحة متميزة بخيرها وعطائها، ووطن يقدم دون منَة، مضياف لطالبي الرزق الحلال، حتى استحق أميرها وربانها سمو الشيخ صباح الأحمد لقب القائد الانساني. ليت الاخت النائبة تدرك ان تلك صفة عظيمة منافية كليا لما في تصريحاتها من اساءة للآخر، وهو انسان دائمُا وان كان وافدا وغريبا!
لا شك انها تعرف اكثر مني، ان مشاكل الكويت هي نتاج كويتي.في الاقتصاد والتنمية والادارة والتركيبة السكانية والأداء الوظيفي والصحة والتعليم والفساد في هذه المؤسسة أو تلك والعمالة الهامشية أو الزائدة عن حاجة البلد واقتصاده.
ولا ننسى، ان من الطامات الكبرى التي تعاني منها الكويت أيضا، هذه الشعبوية البشعة التي ينتهجها بعض النواب بعيدا عن مصلحة بلدهم، ظنا انها مصدر حفظ كراسيهم، لكنها في الحقيقة مولِد رئيسي لعدم الاستقرار النفسي والقلق وانعدام اليقين، مع ما في ذلك من انعكاسات ضارة، فضلا عن ان اهانة الناس ليست حقا لاحد، وغير مقبولة من احد.
لا يمكن ان تكون الشعبوية أو الكراهية في أي بلد، ولا طبعا هنا، وسيلة لعلاج المشاكل بقدر ما هما وسيلة لمراكمتها وتعقيدها.ان تحويل الوافدين إلى هدف للرماية أو كيس للتدريب واثارة الكراهية ضدهم، يمنع أي تقييم علمي موضوعي لما تعاني منه الكويت، ويكشف نوايا غير طيبة تحجب رؤية الأسباب الحقيقية لأصل المشاكل، وبالتالي تحرف الانظار والجهود عن حلها!
الاسلوب نفسه اعتمدته الهاشم في حربها الضروس المليئة بالتحريض والافتراءات، ضد فنان كبير رقيق مرهف، يحظى من الخليج إلى المحيط، بالاحترام والتقدير لفنه وشخصه والانسانية العالية فيه، حتى اصبح من سابع المستحيلات ان تجد كرسيا فارغا واحدا في حفل يقيمه في أي بلد عربي.
سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد يريد ان تستضيف الكويت مؤتمرا دوليا للمانحين يساهم في اعادة اعمار العراق، ويبلسم جراح العراقيين، ويعيد الامل والخير والنماءالى بلاد الرافدين ارض السواد، فيما الهاشم تستنكر حضور الساهر إلى الكويت وكأنه زعيم مافيا أو قرصان بين اسنانه سكين، لا اغنية تحمل المتعة والفرح، والسلام والمحبة!
لا حجة أو منطق في حملة الهاشم. مجرد اساءة مجانية لفنان كبير ولجنسيته ولوطنه وشعبه، للعراق والعراقيين الذين لا تتحمل النائبة سماع لهجتهم!
حقا لم أجد عبارة أصف بها هذا التصريح سوى ما يمكن ان يؤاخذني عليه القانون!
كاظم الساهر يعيش غريبا، هجر بلده مضطرا أيام حكم صدام، لكنه لم يفِرط بوطنيته وحبه لوطنه وشعبه، ما يعزز احترامه، ومن المؤكد ان الاخت النائبة تعرف كثيرين غنوا للديكتاتور واشادوا به ومدحوه ودبجوا المقالات والمعلقات في بطولاته، حتى اعتبرهم صدام الفرقة الثامنة في جيشه، لكنها تعفيهم من نيران لسانها المشتعلة على حفل للساهر في الكويت، وخيرا تفعل.فالشعوب الحية، والشعب الكويتي واحد منها، تتجاوز المحن والمآسي وتسامح، وان كانت لا تنسى.
ولأن الساهر فنان حقيقي لم يدخل يوما في مهاترات لأن رسالة الفن الذي يبدعه هي الدعوة للحياة والامتاع والفرح، واكتفى بأن الشعب العراقي ليس مسؤولا عن الغزو المجرم، بل هو يدفع ثمنه باهظا جدا.
على كل، الهاشم خبيرة اقتصادية قبل ان تكون نائبة.فلتترك للكويتيين ان يحكموا، فاذا ظلت كراسي دار الأوبرا فارغة في الحفل الذي يغيظها قبل ان يصبح حقيقة بعد، يكون الكويتيون قد حكموا لها وتربح، اما اذا ازدحمت الصالة بمحبي صوت الساهر وبيعت بطاقات الحفل في السوق السوداء، وهو المتوقع، فيكون الناس حكموا ضدها وتخسر.
على السيدة صفاء حينها، ان تعيد النظر بحساباتها وتستخلص العبر، وتصفِي النية تجاه الساهر والعراقيين والوافدين كلهم، لتخيط بمسلة أخرى غير معاداتهم!

السبت, 05 أغسطس 2017

صح لسانك مرزوق الغانم

كثيرون في ايامنا الذين يتعاطون السياسة، حرفة او عملا، أو رغبة وطموحا.وحسب الزميل المبدع الصديق نبيل الخضر، فإن نصف الكويتيين تحولوا الى ناشطين سياسيين ناهيك عن المحللين والخبراء. وأٌضيف الى معلومته في «الشاهد» أمس، من واقع التجربة والاحتكاك، ان معظم هؤلاء ولا اقول كلهم، يسعون الى الموقع السياسي المأمول نيابيا او وزاريا او موقع رسمي، بأساليب قليلها مشروع وكثيرها ملتو، وحتى انتهازي!
 وبغض النظر عن الطموح، وهو حق مشروع لكل إنسان ،الا انه وحده لا يكفي.لذا فإن السياسيين الناجحين قلة. فالسياسة لا تقوم على الرغبة والطموح وحدهما. انها تحتاج الى مواصفات وكفاءات من نوع خاص بالرؤية والعمل، بوصفها ادارةً للشأن العام وخدمة الوطن والشعب، وتجاوز الشخصي والفئوي الى المنفعة العامة. والاندر بين السياسيين الأكفاء، من يرتقي برؤيته وسلوكه ،تكتيكا واستراتيجية،الى مصاف رجال الدولة.
 ينتمي الى هذه الفئة بجدارة مرزوق الغانم رئيس مجلس الامة.فهو كرس نفسه رغم صغر سنه ،بين رجال الدولة الاكفاء في الكويت،وتخطى حضوره حدودها، الى الافق القومي العربي الاوسع بمواقفه المميزة تجاه القضايا العربية الملتهبة وهو رغم كثرتها واشتعالها، لم يضيع البوصلة وبقيت فلسطين بالنسبة له القضية القومية المركزية للعرب كلهم.
 على المستوى الوطني،تتأكد صفات رجل الدولة في مرزوق الغانم في اكثر من موقف وقضية ومنعطف.فهو من السياسيين الذين لم يترددوا في الوقوف الى جانب الوطن ضد بهلوانيات الشعارات الشعبوية ودغدغة مشاعر الناس، عندما اصبح الاصلاح، وجوهره الاقلاع عن سياسة اليد المبسوطة حتى اخرها ووقف الهدر ومكافحة الفساد، ضرورة ملحة وخيارا حتميا . لقد انحاز الى الكويت ومستقبل اجيالها ،وليس الى كسب حفنة اصوات في الانتخابات.وفي هذا احد الفروقات الجوهرية بين السياسي ورجل الدولة.
 وفي مواجهة الاصوات الطائفية التي تنبعث سمومها بكثرة هذه الايام من هنا وهناك، يقف الغانم مع الكويت في محاربة الغلو والتخلص من الخطاب الطائفي وصيانة وحدة شعبها بمختلف مكوناته،مدركا ان الطائفية ومثيريها هم ألد اعداء الوطن .فكرس نفسه بموقفه وممارساته،بين بقية السياسيين  الاكفاء ورجال الدولة المميزين المؤتمنين على جعل نهج سمو الامير الشيخ صباح الاحمد القائم على رفض الغلو ومحاربته واقعا ونهجا ثابتا للكويت ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية.يستظل مقولة سموه «كلهم أولادي» التي اطلقها سمو الأمير الشيخ صباح الاحمد بصدق يوم التفجير الاجرامي في مسجد الصادق، وادهشت العالم بعفويتها وصدقها  وبلاغتها، وزادت من رصيد الاحترام الغني اصلا، للكويت وربانها.
 ولأنه رجل دولة حقيقي ، تخلى الغانم  عن اللغة الدبلوماسية التي يمليها موقعه خصوصا تجاه الاشقاء العرب، في مواجهة العدوان الاسرائيلي على القدس، مدركا ان المسألة لم تكن مجرد بوابات الكترونية يحاصر الصهاينة بها  المسجد الاقصى، بل هي قضية شرعية وقومية وانسانية تخص كل شرفاء العالم ،والفلسطينيون، مسلمون ومسيحيون، وهم عرب اولا، وجميعهم معنيون بالانتهاكات الاسرائيلية ومتضررون منها،فكيف يأتي من يسوّق لانهاء القضية الفلسطينية. «نرفض ان يُطوى ملف فلسطين، ومن يرد ان يستسلم فليذهب الى الجحيم».
 صح لسانك ابا علي.لا تنفك تثبت انك حامل إرث غني من الجدَّين،ساهما في  صنعة دستور الكويت ونهضتها. إرث زاخر بالمواقف الوطنية الكويتية والقومية العربية. وأنت تحمل لواءه باقتدار.

السبت, 29 يوليو 2017

صناع الأمل

ذمُ واقعنا لا يغير منه شيئا.قد لا نجد الكلمات لوصف حال العرب: الخلاف والانقسام والتناحر والهوان والانحطاط والانكسار في حاضرهم، والسواد الذي يلف مستقبلهم!
لكن يكفي أن يفرض الفلسطينيون بالارادة الصلبة، ورغم تخلي معظم اشقائهم عنهم، التراجع على اسرائيل ويحبطوا  اطماعها في تهويد القدس ومصادرة المسجد الاقصى بانتظار مواجهة جديدة قادمة حتما.ويحرر العراقيون الموصل من داعش ابشع مخلوقات العرب والاسلام.ويطهَر اللبنانيون جرودهم العالية من ارهابيي النصرة، ويستكملوا طرد بقية التكفيريين منها. عوامل، بل انجازات وانتصارات تتحقق فتمنعنا من أن نفقد  الأمل، وتبقيه  حيا فينا وإن ضعيفا هزيلا.
الأمل في نفسك، وشعبك، وأمتك، وحتمية التطور .باختصار، في أن الحياة ستكون أجمل غدا، وأن أمتنا وريثة حضارة عظيمة، قادرة على النهوض والتقدم.
سألت زملاء عن جدوى الكتابة، وكيف يتلمسون اهمية ما يكتبون؟وهو السؤال الذي اسأله لنفسي  دائما.
قال الاول:عندما تنطفئ في الأمة انوار العقل، وتغرق في هياج الطائفية والمذهبية، ويدب فيها هذا القدر من العجز، وينتشر اللامنطق واللامعقول، لا تعود هناك جدوى للكتابة، أو تأثير لما اكتب، لذا توقفت.
وقالت الثانية:الكتابة مهنتي لا اعرف صنعة غيرها، وهي مورد  رزقي، وأحيانا مصدرسعادتي.مهما كانت السعادة نسبية.
أجاب الثالث: لا تقل ولا تكتب عندما لا يكون عندك شيء تقوله أو تكتبه، فهذا طبيعي.اما  لوفعلت في غير هذه الحالة، فستكون ميتا، لأن الاحباط فعل فعله بك. قتلك.فالاحباط، كانعدام الحلم معناهما الموت. لذا مهما كان الواقع سيئا، فالأسوأ أن تقبله.والأكثر سوءا أن تقبله وأنت ساكت.
عندما لا تعجبك الحياة افعل شيئا واصرخ.ولا خيار اخر امامك.فمن اهداف عدوك، ايا كان، على مستوى فردي او مجتمعي، ان يخرسك ويشلك  فتصبح منعدم الفعل ورد الفعل.
الوضع صعب جدا.القرف يزداد، والشعور باللاجدوى يشتد.لكن اول واجبات من يعمل في مخاطبة العقول والقلوب والضمائر، ويقدم المبدأ على المنفعة الشخصية، هو ألا  يكتفي بلعن الظلام، بل أن  يبعث في من يكتب اليهم أو يخاطبهم، كيفية تبديد اليأس فيهم، وأن يساهم في إبقائهم احياء.
أنت احيانا تكسب، واحيانا تخسر، وفي الحالتين تتعلم. وأهم ما تتعلمه كيف لا تفقد الامل، وكيف تجده أو حتى تصنعه، وتتمسك به .والمهم ان تنقله ولو الى شخص واحد فقط.

السبت, 22 يوليو 2017

نهاية محور الصحوة!

هل دخل محور الصحوة الاسلامية بمختلف دوله ومكوناته وقواه السنية والشيعية،المعتدلة والمتطرفة والتكفيرية والارهابية،في مرحلته الاخيرة واشرف على نهايته،كما انتهت قبله الصحوة القومية والنظام العربي الذي نعيش انهيار حلقاته الواحدة بعد الاخرى؟
ليس السؤال أمنية ذاتية كما سيعتبره مؤيدو الصحوة،انما يفرضه واقع مأزوم  تعيشه القوى  والحركات الدينية في الحكم وخارجه.فالصحوة التي اطلت برأسها بعد هزيمة الحركة القومية في حرب 1967 مع اسرائيل،واكتسبت قوة دفع جبارة بانتصار الثورة الاسلامية الايرانية،ثم هزيمة السوفيات امام القاعدة وطالبان في أفغانستان،وسمت بطابعها السنوات الخمسين الماضية في العالمين العربي والاسلامي.حتى بدت وكأنها مستقبلهما،وان فكرها ونهجها سيحكمان هذين العالمين ويتحكمان بشعوبهما الى الأبد.وبين القوى التي كونت محورها، من اظهر لوثة الوهم بتصدير الثورة،ام بإعادة الخلافة،او حتى  جنون السيطرة على العالم!
من هذا المنطلق،عمدت قوى الاسلام السياسي،خصوصا التي استلمت الحكم والسلطة،الى ممارسة هندسة اجتماعية لفرض قناعاتها في السياسة  والحياة على مجتمعاتها،والسعي في الوقت نفسه الى تعميمها على المجتمعات الاخرى خارج حدودها.ورغم التناقضات والخلافات والاختلافات الكثيرة العقائدية والسياسية بينها،الا ان قاسمين مشتركين خطيرين اثنين على الاقل  يجمعانها، الاول ان مشروعها يعاكس مسيرة المجتمع الى الامام، واحتكار السلطة  ورفض الآخر المختلف حتى وان انتمى الى الدين نفسه او المذهب ذاته.
لكن التاريخ لا يرأف بمن يعاكسه .فكل دولة او مشروع يقومان على اساس ديني او طائفي وحتى ايديولوجي عموما، نهايتهما طريق مسدود وفشل. لذا،فإن المنحى التصاعدي للإسلام السياسي قد وصل الى الحائط،وبدأ عملية تنازل سريعة ودموية ومكلفة كما كان ثمن صعوده، وإن بوتائر مختلفة الاشكال.
في أفغانستان هُزمت القاعدة وطالبان.
في مصر سقط حكم الإخوان المسلمين.ويتجه مشروع قوى التطرف الديني  الى السقوط في سوريا وليبيا  واليمن.
في العراق هُزم داعش،وفي الوقت نفسه يعيش النظام العراقي الذي سيطرت عليه قوى دينية شيعية أزمات وجودية كثيرة،ليس اقل مظاهرها الاحتجاجات الشعبية الواسعة،التي تشارك فيها حتى النجف العاصمة الدينية للشيعة في العالم.حيث بدأت تظهر على الجدران في الشوارع،او تُطلق في التظاهرات، شعارات من النوع المضحك المبكي مثل يا صدام رد لينا ...حتى من اللطم ملينا،او ما نريد حوزة وجلبي ...نريد بيرة ولبلبي !
تصور أن يُهتف باسم صدام في النجف!

السبت, 15 يوليو 2017

العبادي و«السباغيتي»

إذا كانت الصورة المتداولة بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي لنجل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وهو يتجول في لندن بسيارته بوغاتي فيرون الغالية جدا صحيحة فهذا يعني أن العراق لا طبنا ولا غدا الشر، والحال هو الحال يقضي على أي تفاؤل أو أمل حتى في انتصار بحجم سحق داعش!
فسادٌ مستمر بأبشع اشكاله دون خجل
أو خوف من محاسبة وعقاب.ساد أيام حكم نوري المالكي، وكان من أبرز رموزه ابنه أحمد الذي سماه العراقيون «عدي» أكبر رموز الفساد والفسق والبلطجة أيام حكم والده صدام حسين.
لم يكن دخل صدام قبل السلطة يسمح له ولأولاده وحاشيته بالبذخ المجنون.ينطبق الأمر نفسه على المالكي كما العبادي.الأول في الأصل معلم مدرسة في ناحية طوريج الجنوبية والثاني مهندس كان في منفاه اللندني مسؤولا عن صيانة المصاعد في مبنى تابع لمؤسسة خليجية وبالتالي فإن ما يهدره هؤلاء أو أولادهم والحاشية هو أموال الدولة العراقية وحلال العراقيين الذين يعانون ليس فقط ويلات الحروب انما ايضا مآسي الجوع والحرمان وكل انواع المصائب.
العراق الآن وحسب الأمم المتحدة أكثر دول العالم فساداً.ما يشوه بل يفسد الانتصار التاريخي على داعش. فالفساد ومخاطر استراتيجية اخرى قائمة تهدد بأن تبتلع الحرب ليس الخلافة الارهابية فقط بل الدولة العراقية ايضا ووحدة العراق أرضا وشعبا.
رغم هزيمة داعش فإن مصير العراق نفسه لا يزال على المحك.ولن يكون بإمكان حكومة العبادي أن تتنفس الصعداء وترتاح بمجرد انتهاء كابوس داعش عسكريا. فأزمة العراق المستفحلة لن تٌحل عسكريا فقط.وسيكون خطأً قاتلا تكرار النهج الذي اتبع مع البعث، بمعنى أن المطلوب الآن هو اجتثاث داعش عسكريا وأمنيا دون أن تواكبه مهمات ملحة.
طبعا، المتابعة العسكرية والأمنية لداعش ضرورية. لكن بالتوازي معها، فإن من أولى المهمات الكبرى تبقى لكل من يريد أن يرى، خلق بيئة سياسية جديدة تحول دون إعادة إنتاج داعش أو مثله، ولا تترك مكونات واسعة من المجتمع العراقي لقمة سائغة للتطرف. ما يعني بلورة نهج وسياسة جديدين جوهرهما التخلي عن احتكار السلطة والتفرد بها تحت أي مبرر كان.كمقولة الأكثرية العددية أو المظلومية التاريخية.
المطلوب بالحاح الاعتراف الشجاع بحقوق الشريك السني الكاملة والمنصفة بالوطن وخيراته والحكم ومقدراته، ورفع الغبن عن هذا الشريك.
إن التخلي عن نظام المحاصصة السيئ الذكر والنتائج والالتزام بالمواطنة حجر أساس في العراق الجديد، هما، بعد استعادة الموصل إلى الوطن الأم، الأكثر إلحاحا في الظروف الراهنة. حيث تتفاعل مخاوف جدية من أن تكون هزيمة داعش مدخلا لانفجار صراعات عنيفة على السلطة بين الأحزاب الدينية الشيعية المهيمنة عليها حاليا. فهذه قوى متباينة المصالح موزعة الولاءات الخارجية خصوصا بين أميركا وإيران يواكب ذلك خطر كبير آخر يتمثل في إصرار أكراد العراق على الانسلاخ عنه في دولة منفصلة.
الى معالجة هذه القضايا الاستراتيجية: الطائفية، احتكار السلطة، التبعية، الفساد، على حكومة العبادي أن تحسم أمرها وتعالج في الوقت نفسه مهمات ملحة كثيرة. أولها محاسبة من تسبب في سقوط الموصل.فأهدر الكرامة الوطنية، وهيبة الجيش، وألحق بالبلاد هزيمة عسكرية وسياسية ومعنوية جعلتها بطة كسيحة جرى الاستنجاد بالخارج لإزالة آثارها، مقابل التضحية بالكثير من السيادة والقرار المستقل.
هل يمتلك الدكتور العبادي وحكومته هذه الرؤية؟ وهل لديه الرغبة والقدرة على تحويلها الى واقع عملي في عراق جديد؟ أم انه عاجز
بسبب ضغط الداخل ومصالح الخارج تجاه الوضع المعقد في العراق كخيوط «السباغيتي» حسب وصف ريتشارد إدوارد رئيس مكتب نيويورك لمجموعة الأزمات الدولية المهتمة بمشاكل الدول الإسلامية؟

السبت, 08 يوليو 2017

كي لا نأكل الضرب!

لم يكن متوقعا أن يحسم اجتماع وزراء خارجية دول المقاطعة لقطر الخلاف معها. وحسم الخلاف من عدمه ليس مقياسا لتقييم نتائج اجتماع القاهرة، كما لم يحمل البيان الصادر عن الاجتماع أو تصريحات وزراء خارجية مصر والسعودية والامارات والبحرين دعوة «للاستسلام التام» او تهديدا بـ«الحرب المفتوحة» على الدوحة كما روج البعض أو تمنى.
صحيح ان البيان والتصريحات حافظت على اجواء التعبئة، وتضمنت تعابير قوية كوصف الموقف القطري بـ«السلبية المطلقة»، و«التهاون» تجاه مطالب دول المقاطعة، و«عدم الجدية في التعاطي مع جذور المشكلة»، لكنها، على حدتها، لم تخل من مرونة مقصودة.بل وتضمنت ثلاث إشارات لعدم رغبة الدول الاربع في قطع شعرة معاوية.
1 - اولى الاشارات، الاستجابة الواضحة لمسعى سمو الامير الشيخ صباح الاحمد بالتروي وعدم التصعيد الاضافي ضد قطر.ما انعكس مرونة في لهجة البيان تخللت أكثر من مقطع فيه.كذلك في التمسك بالمطالب الرئيسة دونما تكرار الـ13 المعلنة بحرفيتها. ما يصنف دبلوماسيا بأنه بادرة ايجابية تجاه المسعى الكويتي لاختزال المطالب، وذلك احد عناصر الوساطة الكويتية.
2 - منحت الدول الاربع مهلة زمنية جديدة لقطر افساحا في المجال امام اعادة النظر في ردودها، وذلك حتى موعد اللقاء المرتقب للوزراء الاربعة في البحرين.وإن كان مكان اللقاء ذا معنى تحذيري، كون البحرين اقرب الدول جغرافيا الى قطر، فإن موعده لم يُحدَد، في خيار يعني عدم الضغط على الدوحة زمنيا، دون ان يعني طبعا، ان الوقت سيبقى مفتوحا.
3 - اما المؤشر الثالث فيتعلق بطبيعة الوساط الكويتية نفسها.فهذه قد تحولت سريعا الى وساطة دولية، تهندسها الكويت ويقودها اميرها، وسموه يحظى بتفويض دولي شامل لتنفيذها وفق المواقف المعلنة من جميع دول العالم، وبغض النظر عن النوايا المُضمرة.
تتميز الوساطة الكويتية بالخبرة الغنية والتجربة التاريخية لسمو الشيخ صباح الأحمد في الازمات المتعددة بين قطر وشقيقاتها الخليجيات خصوصا السعودية والتي فشل بعضها ونجح معظمها. اضف إلى ذلك ان وساطة الكويت لم تُختزل الى مجرد ساعي بريد ، بل هي تقوم بدور إيجابي، كبير وفاعل، في تليين مطالب المقاطعين، كما الردود القطرية عليها.
اهمية الإشارات الثلاث ان الابواب لم تغلق نهائيا.لكنها في الوقت ذاته لا تحجب حقيقة ان الازمة الخليجية لا تزال عند درجة الغليان محفوفة بمخاطر جدية.وهي قابلة لكل انواع التصعيد السياسي والاقتصادي، باستثناء العسكري فهذا، الى الآن، غير مرجح. يزيد الخلاف تعقيدا انخراط أطراف غير خليجية أو عربية فيه. وهذه متضاربة المصالح والاهداف. ما يزيد القلق ويرفع نسبة التشويش في الرؤية، ويبقي احتمالات الخطر قائمة.
الادارة الاميركية ترغب في اطالة الأزمة ليس فقط لأنها مصدر لاستحلاب الاموال الخليجية التي يحتاجها ترامب بشدة، بل لأنها تريد عن ذلك توظيف الازمة الخليجية في مشروعها القائم على ترتيب الشرق الاوسط ومشروعها الجديد القاضي بأن تكون الاولوية لما تسميه الحل الاقليمي بين العرب واسرائيل، فيسبق تسوية النزاع العربي – الاسرائيلي رغم ان الأخير هو جوهر أزمات المنطقة. أيا كانت التفسيرات المستحدثة!
تركيا وايران تصبان الزيت على النار، فتوسعان هامش تدخلهما في الشؤون العربية، وتجمعان المزيد من الاوراق التي تكرسهما شركاء في تقاسم ميراث الامة العربية المريضة.لذا لا تكتفي أنقرة وطهران بالانحياز لقطر، بل تتجاوزه الى وصف مطالب دول المقاطعة بأنها «غير مقبولة». وهذا تدخل فظ، وكأنهما معنيتان بالقبول أو الرفض.
مصلحة الخليج والعرب كلهم في انفراج الازمة على أسس تعالج مسبباتها، وأي نتيجة غير هذه، يكفي بؤر توتر ونزاعات اضافية، فما في العرب يكفيهم ويزيد، والا فإنهم سيبتعلون الطعم ويأكلون الضرب.

الثلاثاء, 04 يوليو 2017

غداء العيد في اليوم الرابع !

كلما تراءى لي انه لم يعد هناك شيء يفاجئني سوى احفادي الثلاثة، خصوصا أسيل ذات السنوات الثلاث، أكتشف سريعا، ان احساسي هذا ليس في محله.ربما بحكم المهنة التي اعتدت ان وقودها الدهشة التي أصبحت جزءا من تكويني، تصر على ان ترفع رأسها تجاه الناس وسلوكهم ومعظمه اصبح بعيدا عن القلب والمألوف، او الاحداث التي اعجز عن فهم منطقها، لان معظمها يأتي مُرسلاً لا منطق يحكمه اصلا!
آخر المفاجآت اثنتان عشتهما الاسبوع الماضي.احداهما مزعجة في مسارها مفرحة في نتيجتها، والثانية كذب مصفى في السياسة التي تروج عندنا وتنطلي على كثر منَا، نحن العرب.
1- المفاجأة الاولى كانت هلال رمضان. طبعا انا لا افهم حتى الآن، بعد الف واربعمائة عام من الاسلام، كيف ان طائفة من المسلمين ترى الهلال وتفطر وتعيًد، وطائفة أخرى لا تراه فتؤجل الافطار والعيد! او العكس واحدة
لا تراه والثانية تقول انها رأته!
عيد الفطر هذا العام، كان الاول لي مع اهلي منذ زمن طويل.غداء العيد يكون في بيت العائلة.لكني فوجئت ان الوالدة وأنا أهنئها لم تدعوني وعائلتي اليه.سألت فعرفت ان الانقسام لم يعد محصورا في الطائفتين فقط، بل اتسع ليشمل العوائل ذاتها ايضا، ولم يعد يكتفي بتقسيم الطوائف، بل وصل مرض الفرقة الى الطائفة نفسها، والى العوائل فيها.وهكذا عيًد بعض اهلي الاحد، وعيَد آخرون الاثنين!
انقهرت والدتي، وقد شارفت على التسعين.فهي لم تعتد على اللهجة العدائية التي يدافع بها كل طرف في العائلة عن «يومه» ولا على الحدة المتفشية بين أفراد عائلتها المختلفين في من يقلدون من المراجع. وفوق هذا تعتب على رجال الدين من الطائفتين لعجزهم، وربما لعدم رغبتهم، في رؤية المسلمين موحدين.
احتارت اي اليومين تختار موعدا للغداء.لكنها،كعادتها، في المواقف الصعبة، لم تعدم التدبير.
فاجأت الجميع، اولادها واحفادها واولاد هؤلاء، عندما قررت موعد الغداء بعد يوم من انتهاء العيد.هي تعرف ان الجميع سيلَبون دعوتها وإن على مضض لأن العيد وراءهم.لكنها ارادت ان توصل احتجاجاً، وإشارة الى ان هناك من هو قادر على جمعهم.لكن عليه أن يقرر ويفعل، كما هي قررت وفعلت.وهو المنطق نفسه الذي يجب ان يتوافر في رجال الدين، خصوصا كبارهم، ليحتفل الجميع معا.
2-اما المفاجأة الثانية، لكن السمجة، فأتت من تقرير أممي يكشف ان ايران وتركيا ليستا بين الدول العشر الاولى، ولا حتى بين العشرين، الداعمة للاجئين الفلسطينيين!
دولتان اسلاميتان عربيتان فقط في القائمة.المملكة السعودية في المرتبة الثالثة، ودولة الكويت في السادسة، والبقية اميركا ودول الاتحاد الاوروبي.لا وجود لتركيا
ولا ايران التي اقرت للتو حوالي نصف مليار دولار ميزانية جديدة لفيلق القدس، سلاحا وتدريبا، وليس مهما ان تكون هناك اموال لاطعام اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات التشرد وتعليمهم، فلهؤلاء رب يطعمهم ويعلمهم!

السبت, 01 يوليو 2017

رؤية بالمقلوب

رحم الله الدكتور احمد الربعي.سمَى زاويته اليومية الشهيرة في الوطن ثم في القبس «بالمقلوب».وعندما تولى وزارة التربية وصفها «الهرم المقلوب».لم اسأله عن خلفية التسمية،لكني اظن انه  استوحى الاولى من الاوضاع العامة،خصوصا العربية،المتسمة بالتخبط وانعدام الرؤية الواضحة.أمَا الثانية فمن قناعته بأن هيمنة احزاب متأسلمة،السلف والاخوان على الوزارة آنذاك،من اكبر المخاطر على الجيل الجديد وفي الحالتين،كاتبا ووزيرا،كان بعيد النظر.
تذكرت الربعي وأنا اتابع المشروع الذي يتبلور في ذهن الرئيس الاميركي دونالد ترامب للشرق الاوسط،وما يتسرب من ملامحه،ونوعية الحلول والتسويات التي يسعى اليها.فهو لا يرى هذه المنطقة مقلوبة  فقط،بل فاشلة وضعها جنوني مرعب.وان السياسات التي اعتمدها اسلافه في البيت الابيض فشلت لسبب بسيط هو كونها انطلقت من رؤية خاطئة حجر الزاوية فيها التوصل الى حلول ثنائية كما في اتفاق كامب ديفيد بين مصر واسرائيل،واتفاق وادي عربة بين الدولة العبرية والاردن،او اتفاق اوسلو بينها وبين الفلسطينيين،على امل التوصل الى اتفاق نهائي بينهما،وبعد اتمامه يُعزف اوتوماتيكيا لحن الغرام بين اسرائيل والعرب  بعد تحرير هؤلاء من عبء القضية الفلسطينية وما تفرضه من التزامات عليهم.
تلك الاتفاقات لم تسفر عن تسويات جدية او ذات قيمة.بل ساهمت في إدامة التوتر والعنف.لذا يعمل ترامب وادارته على مقاربة جديدة غير مسبوقة. اساسها فكرة تاجر مغامر يؤمن بضرورة لخبطة الحسابات وتجاوز الاساليب التقليدية. لان الوضع المجنون لا يمكن معالجته الا بطريقة جنونية.هذا يعني اجتراح حل مقلوب لازمة الشرق الاوسط.
الادارات الاميركية المتعاقبة فهمت الحروب والتوترات في الشرق الاوسط على انها نتيجة حتمية للنزاع العربي - الاسرائيلي وهي متفرعة عنه واحد تجلياته.وبالتالي فإن تسويته هي مفتاح هدوء المنطقة واستقرارها.لكن الادارة الجديدة  ترى ان مشاكل المنطقة اوسع من هذا الصراع واشمل،وان اطرافا كثيرة منخرطة في صراعات عديدة غيره لمصالح مختلفة وغايات متضاربة.
فالى الصراع العربي-الاسرائيلي،تطفو على السطح نزاعات كثيرة: العربي - الايراني،والعربي - التركي،والاسرائيلي -الايراني،والايراني - التركي، والاميركي - الروسي،والتوتر الديني بين المسلمين والمسيحيين،والطائفي السني - الشيعي المستعر ويزداد سخونة،واخيرا،وليس آخرا،الازمة المستجدة في الخليج.وهذه احدث الادلة بالنسبة لترامب وفريقه،على كم هو معقد الشرق الاوسط، ومن غير الممكن اختزال مشاكله بواحدة فقط اسرائيلية - فلسطينية!
بناء على هذه الرؤية،فإن اي اتفاق ثنائي في المنطقة سواء بين الفلسطينيين والاسرائيليين،او بين اي طرفين آخرين متصارعين سيكون غير ذي جدوى،ولن يؤدي الى حل نهائي دائم واستقرار.فحتى لو اتفق الفلسطينيون والاسرائيليون،او انتهت معركة العراق ضد داعش،او الحرب الاهلية في سوريا،او حرب اليمن،او سويت ازمة الدول الاربع مع قطر،فإن ازمة هذه المنطقة  لن تنتهي ولن تنعم بالهدوء  لان اللاعبين كثر والمصالح مختلفة ومتضاربة وستبقى معرضة لاشكال جديدة من الانفجارات والنزاعات!
ليس اكيدا ان ترامب يريد فعلا شرق اوسط هادئا،وإن كانت تعتريه رغبة متضخمة في تحقيق إنجاز مميز ويرى تمثاله محفورا في صخر جبل راشمور العالي مخلدا الى جانب الزعماء الاميركيين الاربعة الكبار. لكن بغض النظر عن نوايا ترامب تبقى رؤيته للشرق الوسط غير واقعية حولاء. ولدت وهما بحل مجنون  يحاول تسويقه وبيعه،للعرب طبعا. جوهره تحالفات ومحاور جديدة،عمودها الفقري صلح بين اسرائيل ومن تيسر من العرب،وتحديدا من دول الخليج،يتلو ذلك تسوية مع الفلسطينيين الذين سيضعون رأسهم على المخدة نفسها التي تجمع العرب والاسرائيليين!
هذا التصور  الذي يسميه ترامب الحل   الاقليمي اولا ويسبق  تسوية القضية الفلسطينية وهذه تأتي بعده ثانيا،يعتمد في تمريره وانجاحه على صهره جاريد كوشر اليهودي المتشدد ومستشاره المكلف بحل النزاع العربي  - الاسرائيلي، والشخص المقرب من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو صديق والده منذ زمن بعيد.ثم على وزير خارجيته ريكس تيلرسون ذي العلاقة الطويلة مع دول الخليج كونه جاء الى منصبه من رئاسة شركة إكسون موبيل النفطية العملاقة.
تستفيد هذه الرؤية من النهجين الايراني والتركي تجاه قضايا المنطقة.اذ تقدم  طهران خدمات جليلة لهذا المشروع باصرارها على  الهيمنة على ما يمكن من الدول والقوى العربية .وهو ما تفعله انقرة ايضا وإن بسياسات اكثر نعومة ودهاء امبراطوريا. أما الدولة العبرية التي تراهن على المواجهة بين ايران والعرب ليتقربوا منها على قاعدة عدو عدوي التي يعشقونها، فترى في مشروع ترامب فرصتها الثمينة لإنهاء الصراع مع الفلسطينيين والعرب لصالحها. فهم وليست هي،من عليهم تقديم التنازلات.فلا دولتين احداهما فلسطينية مستقلة،ولا حقا في عودة اللاجئين او تعويضهم،ولا انسحابا من الاراضي المحتلة في سوريا ولبنان،والمكافأة الكبرى القدس عاصمة ابدية لاسرائيل.
هل اوضاع الشرق الاوسط هي  وحدها المقلوبة،ام ان مشروع ترامب  واقف  هو الآخر على رأسه وقدماه الى الاعلى فيرى الاشياء على غير حقيقتها فيحمل الى المنطقة المزيد من الفوضى والخراب؟!

السبت, 17 يونيو 2017

إبليس حرك الوتد!

بعيداً عن النكد السياسي، وانعدام القدرة على فهم اسباب الخراب الذي تتعرض له بلداننا،  سأنقل هذه القصة  التي وصلتني من الصديق  والجار حمد خالد المطوع أبو طارق، والذي يعتقد ان مؤلفها هو دونالد ترامب وليس احدا غيره. 
تقول القصة  ان  إبليس قرر الرحيل من قرية مكث فيها بعض الوقت، لكن ابنه الصغير طلب في اللحظة الاخيرة  أن يشرب الماء، فقال له: اذهب ولا تحدث شيئاً في القرية . ذهب  ابليس الصغير الى خيمة غير بعيدة، وشرب حتى ارتوى.  ولما هم بالخروج، رأى  في الخيمة وتدا  وامرأة تحلب بقرة مربوطة  إليه.
حرك إبليس الوتد فهاجت البقرة ودلقت الدلو الذي كانت المرأة تحلب فيه، غضبت  المرأة واخذت عصا ضربت بها البقرة فقتلتها.
لما  حضر رب البيت  وعرف بالامر، غضب من زوجته  وانهال عليها ضربا، فأصابها في مقتل وماتت.
عرف قوم المرأة بالمأساة، فجاؤوا ومعهم عصيهم وأسلحتهم وفي الوقت نفسه استنفرت قبيلة الرجل، ووقع بين القبيلتين شجار عنيف وعراك، وعلت  أصوات  المتقاتلين والمصابين والجرحى.
عاد إبليس الصغير الى ابيه الذي نهره  وسأله عن المشاجرة، فقال لم أفعل شيئا سوى أني حركت الوتد!
اما الخبير الدستوري الدكتور محمد الفيلي فأرسل نكتة من المحاكم العراقية القديمة:
قيل انهُ عُرضت مرة على قاضي إحدى الدعاوى وقد جاء في حيثيات التحري ان المتهم  وكان من شقاوات بغداد المعروفين، اساء للشاكي وشتمِه.
استعان المتهم بالمحامي القدير الأستاذ عبدالرزاق البحراني أحد عمالقة القانون،وابرز محامي بغداد آنئذ.
حين جاء دورهُ في المرافعة ابتدأها قائلا:
«سيدي القاضي» ان موكلي  معروف بعفة لسانه وأدب تعابيره بين اهل الكرخ والرصافة، وهو لم يسُب الشاكي ابدا، فنيته صافية  وقصده نبيل، وكل ما تلفظ به فقط هو  ذِكره لعضو من أعضاء جسم الانسان،لكن للاسف، لم يترك  الشاكي لموكلي الفرصة لاكمال جملته... وقد كانت نيته ان يصف هذا العضو من أعضاء جسد امه وصفا جميلا جذابا، يليق به.
وغني عن القول ان هذا العضو موجود في أمك سيدي القاضي.. وفي أُم الشاكي كما في أمي انا وأُم جميع الناس... ولكل واحد منا في هذه القاعة، ولكل انسان، رجلا كان ام امراة. لذا، فإن موكلي كان يقرر واقعا لا شتيمة، وأنا أترك أمر موكلي  ذي النية الحسنة بين يدي عدالتكم»!
صمت القاضي قليلا، وكان يعرف المحامي وقدرته جيدا، ثم قال: «حكمت المحكمة ببراءة المتهم  مما نسب إليه، لكن المحكمة توجه العبارة الى ام المحامي الماثل امامها»!
لو كنت مكان  القاضي، وحدثت القصة في أيامنا هذه.  لوضعت «العرب» بدل المحامي  في منطوق الحكم!

الصفحة 1 من 15