جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 25 أبريل 2017

بمَ نصحت إليزابيث ترامب؟!

حتى لو كانت قوة الريح هي التي حرفت مسار حاملة الطائرات كارك فينسن، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقع في حرج مخجل والنتيجة نفسها ستحصل لو كان قائد الحاملة واثقا من أنه سيصل الى سواحل كوريا الشمالية لو سار في أي اتجاه لأن الأرض كروية!
الحادث إن كان حقيقيا أو مفتعلا، فهو أحد الأمثلة على تخبط ترامب وإدارته، وحالة القلق التي تخلقها تصرفاته غير المتوقعة.
فهو مَنْ أمر الحاملة ومجموعتها الهجومية بالتوجه الى مقربة من السواحل الكورية لتخويف الديكتاتور كيم وردعه، فربما يرغمه استعراض القوة على التعقل والكف عن الاستفزاز.
لكن «الجيش العرمرم» تاه عشرة أيام، تبيّن بعدها أنه كان يسير في الاتجاه المعاكس نحو استراليا، فانفجرت موجة ساخرة من التعليقات على الحاملة «المصابة بمرض النوم أثناء السير». واكبت السخرية حالة خوف من الكيفية التي تُدار بها السياسات في البيت الأبيض وآلية اتخاذ القرار، وكيف يكون العالم آمنا وحقيبة الازرار النووية بين يدي صاحب هكذا قرار!
روسيا استفادت من الحدث حتى تروج لقدراتها في التشويش، وان تقنياتها في هذا المجال حيّدت الحاملة التي تسير بالدفع النووي، وجعلتها تائهة بلا فاعلية.
بيونغ يانغ هدّدت بأن «قواها الثورية مستعدة لاغراق الحاملة، التي سمّتها حيوانا عملاقا بضربة واحدة».
الإعلام أيضاً نال نصيبه من النقد والسخرية. فهو كان فيما مضى زمن الاحترام يتبع تقليدا احترافيا، فيتأكد من الأخبار قبل نشرها، لكنه الآن «تابع» الحاملة عشرة أيام بلياليها، وذهب حتى الى وصف كيف تلاحقها السفن الحربية الروسية والصينية، دون أن تكون هناك أصلا قطع حربية من أي نوع!
البيت الأبيض نفسه أظهر حيرته وحمّل المسؤولية للبنتاغون التي «زودت الرئيس بمعلومات خطأ»!
خبراء لم يستبعدوا أن تكون واشنطن مارست التضليل كتكتيك عسكري معروف ومتبع.
صديق يعرف بواطن السياسات وسلوك الحكومات ومتابع للارتباك والفشل الذي تتخبط فيه إدارة ترامب داخلياً ودولياً ما جعل المائة يوم الأولى من حكمه الأسوأ في تاريخ الرؤساء الأميركيين،أرسل طرفة شديدة التعبير عن واقع الحال في البيت الأبيض تقول:
التقى ترامب الملكة اليزابيث الثانية فسألها: «جلالتك كيف تشكّلين حكومة كفؤة وفعالة؟ بماذا تنصحينني؟».
أجابت ملكة بريطانيا: «حسنا،الأهم أن تحيط نفسك بأناس أذكياء».
انفعل ترامب وسأل: «كيف يمكن أن أعرف من هم الأذكياء حولي؟»
ارتشفت الملكة قليلا من الشاي وقالت: «هذا سهل. اطلب منهم الاجابة عن لغز ذكي». ضغطت على الانتركام وطلبت رئيسة الوزراء تيريزا ماي.
جاءت ماي: «نعم جلالة الملكة»؟ فابتسمت وسألتها: «تيريزا، لأبيك وأمك ولد ليس أخوك ولا اختك فمن هو»؟
أجابت تيريزا فورا: «أنا»، عقّبت الملكة.. «نعم ممتاز».
عندما عاد ترامب الى واشنطن، استدعى نائب الرئيس مايك بنس وسأله السؤال نفسه، فرد هذا «لست متأكدا، دعني أسأل وأعود بالاجابة لاحقا»!
جمع بنس مستشاري البيت الأبيض وسألهم فلم يجد الاجابة. في الليلة التالية التقى على العشاء سارة بيلين حاكمة الاسكا التي رشحها جون ماكين لمنصب نائب الرئيس فعرفت الاجابة فورا: «إنه أنا».
شكرها بنس وذهب مزهواً الى ترامب وأخبره أنه أجرى «بحثا معمقا» وتوصل الى أن الولد المقصود هو سارة بيلين!
غضب ترامب وصرخ منفعلا: «لا يا غبي.. إنها تيريزا ماي»!
فعلاً، كيف تُشكّل حكومة كفؤة؟! سؤال مهم جداً في العالم العربي.
 

السبت, 22 أبريل 2017

انكسارُنا المُذل

كنت بصدد الكتابة عن الاستفتاء في تركيا الذي حوّل نظامها من برلماني إلى رئاسي كخطوة إضافية نحو الأوتوقراطية، ليس من باب التلاعب وانعدام الشفافية والفوز بطعم الهزيمة للرئيس أردوغان، بل من زاوية تغلّب الريف على المدينة، وزحف التريف إلى الحياة العامة والنظام السياسي في تركيا، كما في أكثر بلدان الإقليم، ما يعني زيادة موجة المحافظة والانغلاق في نظامين دينيين إقليميين مجاورين للعرب، (تركيا وإيران) والانعكاسات السلبية الكثيرة لذلك عليهم.
لكن تقريراً صادماً لجامعة هارفارد عن مأساة الأطفال المشردين في اصقاع اليابسة والبحر، وغالبيتهم من بلدان عربية، دفعني لعرضه. فبدل أن يكون لأطفالنا الأحسن والأفضل والأجمل، فإن المآسي التي نصنعها نحن أو نحياها حروباً أهلية وموتاً وخراباً وطائفية واستبداداً وقهراً، يعود النصيب الأكبر منها إليهم.
ما يدمّر بأيدينا وأمام أعيننا، بسكوتنا وعجزنا وتفاهتنا، ليس يوم العرب وحاضرهم فقط بل يدفن معه غدهم ومستقبلهم!
في العام الماضي، كشفت  الشرطة الأوروبية (الأوروبول) أن عشرة آلاف طفل لاجئ اختفوا بعد وصولهم إلى أوروبا. انتهوا تحت سيطرة عصابات اجرامية تسيء استخدامهم وتستعبدهم جنسياً.
أطفال سوريون وعراقيون وليبيون ويمنيون يركبون البحار والمحيطات حتى بدون عائلاتهم أو رفيق راشد هرباً من الجوع والموت والتشرد، فيقعون في مهاوٍ إضافية من المآسي ويدفعون ثمناً غالياً جداً للكوارث التي تضرب أوطاننا المبتلاة بالمصائب من كل نوع.
لا تتحدث دراسة هارفارد عن المال ثمناً. إنما عن أطفال يُرغمون على تقديم أجسادهم ليتقدموا خطوة اضافية من اليونان باتجاه أوروبا الغربية.
مطلع عام 2015 كان كل واحد من عشرة لاجئين طفلاً دون سن الـ14 عاماً، لكن بعد ثلاثة أشهر فقط،  أصبحت النسبة طفلاً غير بالغ لكل ثلاثة فارين. اجتاز اليونان 500 ألف طفل، تعرض من تعرض منهم للاستغلال الجسدي والجنسي، وبقي حتى الآن نحو ثلاثين ألف طفل عالقين في الجزر اليونانية. يعيشون مأساة إنسانية فظيعة حتى بالمقارنة مع الأطفال اللاجئين خلال الحرب العالمية الثانية. وتكشف الدراسة واقعاً صارخاً فـ«الاستغلال الجنسي» الذي يُجبر عليه هؤلاء الأطفال أصبح «استراتيجية للبقاء على قيد الحياة».
الأطفال التائهون لا يملكون مالاً يدفعونه للمهربين، فيضطرون للدفع بطريقة أخرى. يبيعون أجسادهم مقابل 15 يورو. فيما المهرب يتقاضى ألف يورو لينقل الطفل غرباً من اليونان. فكم يتعرض هذا الطفل للاغتصاب حتى يجمع المبلغ؟!
«لم نعد نستطيع الجلوس دون أن نفعل شيئاً، واللاجئون الأطفال يُجْبرون على بيع أجسادهم في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع في شوارع أثينا»، أو عندما تتواصل مأساتهم في إيطاليا والسويد وفرنسا وبقية المدن الأوروبية، كما تصرخ مؤلفة الدراسة الدكتورة فاسيليا ديجيدك في وجه أبشع أنواع انتهاك حقوق الإنسان، أما نحن العرب المقهورين بالعجز والوهن والعقم، فغير قادرين على حماية أطفالنا، فنجعلهم فريسة حتى تنتهك طفولتهم.
لا أمن ولا أمان لهم، يعيشون القهر والاذلال والموت يومياً: تحرش، اغتصاب، انتهاك، عنف ومضايقات جنسية وجسدية وتعرية.
لم نؤمن لهم بيتاً ولقمة، ولا مدرسة وثوباً ولعبة وفرحاً، نقتلهم وندفن أحلامهم، ونواصل انكسارنا ولا نرى له آخر.
ما نستحقه فقط هو «تفوه علينا». بصقة الشاعر الكبير سعيد عقل الذي رمانا بها بعدما عجزنا عن اشهار سيف القدس وضيعنا بغداد وأحرقنا الشام و....

الثلاثاء, 18 أبريل 2017

آخ

بعدما غادر الكاتب الكبير أمين معلوف بيروت واستقر في فرنسا وحصل على جنسيتها، طالما سُئل عمّا إذا كان يشعر بنفسه «فرنسياً» أو «لبنانياً»، حتى تفجرت الإجابة كتاباً بحثياً غنياً بالأفكار صارت اليوم أكثر حدة وإلحاحاً، رغم أن مبدعها تمنى ان تصبح سريعاً تاريخاً للذكرى وليس للعيش.. لأنها تتعلق بأزمة عميقة تعيشها أكثرية الشعوب العربية، الأزمة التي سماها معلوف «الهويات القاتلة»، لأنها تجسد اهتزار انتماء العربي اليوم وهويته وجنسيته.

ومع أن الكتاب «ليس دليلاً للأدوية» كما يقول الكاتب، لكنه يشخص المرض العضال الذي يزداد استفحالاً في الجسد العربي، وحوّل أكثرية بلدانه الى دول طاردة لمواطنيها، حتى لم يبق سوى دول عربية نادرة، تعد على أصابع اليد الواحدة تنعم بجنسية جاذبة ثمينة، الكويت بين تلك الدول، والأصح أنها في طليعتها.ففي الجنسية الكويتية سمات الكويت، دستورها، ديمقراطيتها، أمنها وأمانها، احترام المواطن ورفاهه، الاستقرار، المستوى المعيشي الراقي.
بعد فلسطين التي هجرت إسرائيل أهلها وشردتهم، كونها استعمارا استيطانيا يبتلع الأرض وينفي البشر، فجّر الاستبداد والقهر والاضطهاد السياسي والاجتماعي، والفشل في التنمية والعجز عن التقدم، معظم دول المشرق العربي ومغربه لأهلها وناسها وجعلها طاردة.
في المشرق ضربت النكبات المركبة والحروب الأهلية لبنان وسوريا والعراق، واليمن، والأزمات السياسية مصر والأردن، فجعلها دولاً طاردة لمواطنيها، يفرون ويهاجرون ويتشردون في بلاد الله الواسعة. الصورة المؤلمة نفسها في المغرب.. فدوله كلها المغرب والجزائر وتونس وأخيراً ليبياً وموريتانيا تطرد مواطنيها الى المنافي عبر الأطلسي.
تعكس أزمة الهوية في تلك البلدان أزمة أعنف وأقسى، أزمة وجود، هي أخطر نتاجات الحروب الأهلية والطائفية والقبلية. وأزالت في الوقت نفسه أي حلم عن التكامل والوحدة وجعلته حلماً طوباوياً.
سياسات الاستبداد والاضطهاد والحرمان هزّت الهوية وأضعفت الانتماء وجعلت الجنسية ورقة تُرمى، وجعلت حامليها يبحثون عن دار أمان واستقرار.
في المقابل، جعلت أزمة العرب وموجات التهجير، معظم دول العالم تتشدد في منح جنسيتها إلى القادمين الجدد، حتى أصبح الحصول عليها أكثر صعوبة مما كان ويصل حد الاستحالة، وعدلت دساتيرها بحيث لا تلزم دولها في تبرير عدم منح جنسيتها لطالبيها، ولا تشّرع منحها إلا في حالات محددة، تحدد أجهزة الدولة نفسها إمكانيتها وشروطها، لأن أولى واجبات الدولة وحقوقها هي حماية الدولة نفسها، وأساسها المواطنون أنفسهم.
الهويات الوطنية تضيع بالاحباط وفقدان الأمل  فيحصل الهروب منها ومن الوطن نفسه. لكن الهويات تضيع أيضاً بالإغراق والتخمة، ومن حق الشعوب أن تصون ذاتها وتحمي هويتها وجنسيتها.

السبت, 15 أبريل 2017

الرقص بين البيض

ما أهمية التصريحات الحربية التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن سوريا، وتتناقض وتتذبذب يومياً، وتفتقد الحد الأدنى من اللياقة الدبلوماسية، وتصل إلى تهديد روسيا باستخدام الضغوط السياسية والاقتصادية لاجبارها على التفكير بالطلاق مع الرئيس بشار الأسد؟
وهل تشي بخطة محددة تضمرها واشنطن تجاه سوريا؟ أو بمعنى آخر ماذا يمكن أن يعقب حرب التصريحات التي أعقبت العدوان الأميركي على مطار شعيرات العسكري السوري؟
حول هذه الأسئلة تبلورت حتى الآن ثلاث قراءات:
-1 لا أهمية لتلك التصريحات مهما بدت قاسية وتحذيرية في ظاهرها ولن تتبعها إجراءات عسكرية ضد النظام السوري.
-2 كلام لا يثير إلا العرب وعبارات تستفزهم وحدهم. فبين العملاقين الأميركي والروسي حواران: أحدهما للاعلام ولدغدغة من يدفعون ثمن إعادة تقاسم النفوذ.. والآخر بلا سماعات لا يعرفه الضحايا بل يلمسون آثاره. فكل الأمور يُتفق عليها بينهما قبل أي إجراء. وإلا وقعت الكارثة بينهما وهذه تعني حرباً كبرى.
-3 الكلام مؤشر على أن ترامب مستعد للذهاب إلى الحرب ويمهد لها، وهو يخطو على هذا الطريق، كلما زاد عدد الصقور في إدارته وارتفع صوتهم.
العدوان الأميركي على سوريا قبل عشرة أيام أكد أن ترامب لا يختلف جوهرياً عمن سبقه في البيت الأبيض. فالهجوم جاء برقاً ورعداً في سماء صافية جداً. ليس لأن أحداً لم ينتظره من الأميركيين بل لم ينتظره من ترامب بالذات. إذ سبق العدوان رسالة من الرئيس الأميركي إلى السوري ان يستعد للاتصال به، وإن اسقاطه لم يعد هدفاً لواشنطن، التي عليها ألا تتورط في الرمال السورية، وأن حل الأزمة المعقدة هناك تتولاه موسكو بالدرجة الأولى.
لكن فجأة أصبح ترامب محارباً وأمر بتنفيذ أول عمل عسكري بداية حكمه ضد دولة عربية. لقد أصبح حقاً رئيساً أميركياً بكل ما يحمله هذا المنصب من سمات، خصوصاً استعداده لإرسال جيشه إلى الحرب، وممارسة دور شرطي العالم وفرض سطوة الدولة العظمى بفوهات المدافع والصواريخ.
مع كل هذا، أعطى ترامب مؤشرات كثيرة على الفوضى الناجمة عن عدم التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي الجديد والحسابات قصيرة النظر المترتبة على الارتجال والتخبط، ومحاولة اعطاء صورة مختلفة عن عهده الذي مني حتى الآن بفشل بعد آخر في السياسة الداخلية، وفظاظة وفجاجة غير مألوفتين في السياسة الخارجية. من تسليم فاتورة الـ 375 مليار دولار للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل مديونيتها تجاه حلف الأطلسي، حتى وصف الرئيس السوري بـ«الحيوان»!
روسيا صبّت سريعاً ماءً بارداً على رأس ترامب الحار. أبلغته أنها سترد فوراً حال استهداف مواقعها العسكرية في سوريا. وعمدت إلى توسيع نطاق حمايتها الجوية فوقها ما يعني أن الخطوط الحمر في سوريا تحددها هي وليس واشنطن. وأن الرقص بين البي ض هناك هي لعبة الدب الروسي ولا الفيل الأميركي.
هذه المعادلة التي أدركها ترامب وإدارته بسرعة، لم يستوعبها قارعو الطبول الفارغة في العالم العربي. هؤلاء لم يدركوا بعد أن الدعوة لانسحاب روسيا من المواجهة في سوريا مجرد كلام فارغ، فهي اللاعب الأول توزع الأدوار والحصص وتحدد الأحجام.
يأسهم وبؤسهم ضيعا عليهم رؤية مَنْ السلطة البديلة لنظام الأسد؟ هل ستأتي من الـ 1200 فصيل مسلح التي تحارب النظام وتتقاتل فيما بينها على شارع وزاروب ومغنم، وراتب هذه المخابرات أو تلك؟!
غريب أن يضرب العمى إلى هذا الحد. وكأن النموذج العراقي والليبي واليمني إذا ما تكرر في سوريا لن يحمل الفوضى والخراب والتفتت ليس إليها فقط، بل إلى الأردن ولبنان معها؟!

الثلاثاء, 11 أبريل 2017

تفجير الكنيستين صناعة ترامب

«أشهر مسدسك، أطلق النار أولاً ثم اخترع أي مبرر»، تلكم القاعدة التي اعتمدها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب لتنفيذ أول عمل عسكري في عهده استهدف القاعدة الجوية السورية في شعيرات.
مبرّر استخدام الغاز السام من قبل النظام السوري ضد المعارضة في إدلب واهٍ جداً عسكرياً وغير منطقي حد الجنون سياسياً. فلم يتأكد نوع الغاز المستخدم حتى يُعرف من يمتلكه ويمكن أن يستخدمه.
السؤال البديهي في أي جريمة هو من المستفيد؟
الجيش السوري يحقق مكاسب عسكرية، والإدارة الأميركية ذاتها أعلنت قبل الاعتداء أن إسقاط الأسد لم يعد أولوية بل القضاء على داعش والنصرة، وكان هذا مكسباً سياسياً للنظام الذي ظلت الإدارة السابقة تكرر عزمها على التخلص منه.
فهل من عاقل يمكن أن يفرط بهذه المكاسب مقابل عملية إجرامية مدانة سياسياً وإنسانياً وأخلاقياً وتافهة عسكريا لا جدوى منها؟!
المشكلة في الرئيس الأميركي نفسه الذي يتخبط داخلياً وخارجياً ويفشل، وفي ادارته المهتزة غير المستقرة، وتعاني من التخبط وعدم الثبات.
أولى سمات ترامب - وهذه مهمة وإن بدت شكلية - أنه نموذج صارخ لرجال الأعمال والتجار عندما يمارسون السياسة فهم يفعلون ذلك بكثير من التمثيل والاستعراض والبهرجة الفاقدة للعمق وبعد النظر. خلال أسبوع واحد فقط قلب ترامب موقفه من سوريا مئة وثمانين درجة،وارتكب عدواناً عسكرياً عليها.
فما الذي تغّير؟ ومن هو أو هم صانعو سياسة ترامب السورية؟ هل هم غير أولئك الذين كانوا وراءها أثناء حملته الانتخابية؟ وما هدف العملية العسكرية؟ وماذا بعدها؟
ترامب رئيس هاوٍ سياسياً، اختار عكس كل ما قاله حتى الآن عن أن العدو الرئيسي في سوريا هو المنظمات الارهابية. أراد أن يظهر نفسه سياسياً قوياً وصاحب قرار مختلف عن سلفه ويمتاز عنه بالإرادة والتنفيذ. وهو بأمس الحاجة إلى انجاز بعد الفشل الذريع داخليا في مسألتين رئيسيتين: القيود التي وضعها على الهجرة من سبعة بلدان عربية وإسلامية ورفضها القضاء، وفشله في إلغاء نظام التأمين الصحي «أوباما كير».
أما خارجياً فهو يحاول أن يقدم أميركا قوية وقادرة في رسالة إلى كثيرين: لاعبين كبار كالصين وروسيا، وإقليميين كإيران ومعها سوريا وحزب الله وكذلك كوريا الشمالية مع التزام حتى الآن بقاعدة أن لا حرب باردة كلاسيكية ولا حرب ساخنة، مع إشارة عن استعداد للتسخين، وهذا المرجح حصوله.
على هذه الخلفية، فالهجوم بحد ذاته كان رمزياً من حيث نتائجه، وتغطية للفشل داخلياً، واستعراضاً للقوة خارجياً. لكن هذا لا يعني أن إدارة ترامب ليست في صدد تغيير باتجاه المزيد من العمل العسكري والعنف. فالحروب المشتعلة والمتحركة في سوريا، وفي الشرق الأوسط عموماً، لا تتوقف عن إنتاج المفاجآت الساخنة والأشد سخونة. وفيما يحيي ترامب مبدأ أن القوة العظمى تفعل ما تشاء، أصبح هناك على الأرض قواعد عسكرية أميركية في العراق وسوريا وهي للاستخدام وليست للتخويف فقط.
الإدارة الأميركية لم تقم في الماضي اعتباراً لتعميم الفوضى والدمار ونسف الاستقرار ونشر الإرهاب حتى تقيم الآن.وها هو العدوان على سوريا يعطي دفعاً للإرهاب. ودفع الجهات الإرهابية والأصولية والمتطرفين للتحرك فوراً على الأرض السورية وفي ليبيا، وفي مصر حيث ارتكبت جريمتان وبربريتان ضد كنيستين وهما بيتان من بيوت الله، أسالتا دماء عشرات المصلين الأبرياء.
هذا هو ترامب، وهذه باكورة سياسته.

السبت, 08 أبريل 2017

قصة حقيقية من الشام

القصة أدناه تلقيتها من الصديق عبدالصمد العوضي الخبير النفطي في لندن والمتابع باهتمام للأزمة السورية. تذكّرتها عندما رواها لاحقا الزميل جعفر محمد في اجتماع مجلس التحرير المسائي. ولأني معجب بأسلوبه كمقدّم متميز وحكواتي طبيعي بانفعالاته، جذبني وهو يبرز عمق ولاء السوريين لوطنهم، ما يفتقده المنخرطون في الحرب الأهلية وتخريب سوريا الذين كشفت المخابرات المركزية الأميركية تبعيتهم لها، ومنها يتلقون أسلحتهم ورواتبهم وتمويلهم وينشطون بإمرتها.
• • •
«في عام 1898 زار الامبراطور الألماني غليوم الثاني دمشق فخرجت المدينة عن بكرة أبيها واستقبلته استقبالا حافلا.
خلال الاستقبال وعند مدخل القلعة، لاحظت الامبراطورة زوجة غليوم حمارا ابيض جميلا، فأثار انتباهها وطلبت من والي دمشق حينها مصطفى عاصم باشا ان يأتيها به لكي تأخذه معها ذكرى الى برلين.
راح الوالي يبحث عن صاحب الحمار، وكان يدعى أبوالخير تللو، فطلب اليه اهداء الحمار الى زوجة الامبراطور فاعتذر. غضب الوالي وعرض على أبوالخير شراء الحمار، ولكنه أصر على الرفض وقال: «يا افندينا، لدي ستة رؤوس من الخيل الجياد، ان شئت قدمتها كلها الى الامبراطورة هدية دون مقابل، أما الحمار فلا».
استغرب الوالي هذا الجواب وسأله عن السبب، رد تللو مبتسما: «سيدي اذا اخذوا الحمار الى بلادهم ستكتب جرائد الدنيا وسيسأل الناس منين هالحمار؟ فيردون: «من الشام»، ويصبح «الحمار الشامي» حديث كل الناس، وربما معرضاً للسخرية، ويقول الناس: هل يعقل ان امبراطورة ألمانيا لم تجد في دمشق ما يعجبها غير الحمير؟ لذلك لن أقدمه لها ولن ابيع».
نقل الوالي الخبر للامبراطور والامبراطورة فضحكا كثيرا، واعجبا بالجواب، وأصدر الامبراطور أمره بمنح تللو وساما رمزيا.
العبرة: رحم الله أجدادنا فقد كانوا يخافون على سمعة بلادهم من ان تمسها الألسن بالسوء.
أما اليوم فهناك حمير تبيع البلد بما فيه».
• • •
ومن عبدالصمد ايضا ومن اليمن المضحك المبكي التالي:
«كنت مسافرا من دولة كافرة الى اخرى، وفي المطار سألني رجل اجنبي يبدو عليه الوقار والكفر:
• من أين أنت؟
- قلت: من اليمن.
•  فقال: من رئيسكم؟
- قلت: لدينا رئيسان.. الأول لا يستطيع دخول اليمن، والآخر لا يستطيع الخروج منها، فضحك وضحك المسافرون، وشعرت ان الطائرة قد ضحكت ايضا حتى انقلبت على ظهرها من الضحك!
• • •
هل كان المتنبي سيكتفي بأنها أمة ضحكت من جهلها الأمم؟!

الثلاثاء, 04 أبريل 2017

نهاية الربيع والدومينو؟

أيا تكن زاوية النظر إلى قرار واشنطن «التخلي عن ازاحة الرئيس بشار الأسد لأن مصيره يحدده الشعب السوري، وهدفنا الرئيسي هو هزيمة داعش ودولته»، فهو تحوّل جذري في السياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية. بل لعله أول قرار واقعي يتعلق بأزمات الشرق الأوسط طوال 16 عاماً، خلال إدارتي الرئيسين السابقين الجمهوري جورج بوش الابن، وسلفه الديمقراطي
باراك أوباما.
سوقت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية في عهد بوش لما أسمته «الشرق الأوسط الجديد» فأرادت اجراء عملية تغيير شاملة في المنطقة. وفي عهد أوباما كررت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون الهدف نفسه بالمضمون ذاته تحت مسمى «الربيع العربي» الذي فجّر حروبا أهلية وطائفية وقبلية ضحاياها ملايين القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين وخرَّب البلدان التي هبّ فيها.
إدارة بوش أسقطت نظام الديكتاتور صدام حسين الذي كان ظهره مكشوفا، لا تغطية عربية ولا دولية، معزول على الصعيدين. إلا أن ازاحته أسفرت عن نظام عراقي جديد طائفي فيه كل صفات الديكتاتورية والاستبداد والقمع والفساد والتمييز بين قوميات الشعب الواحد وطوائفه، وانعدام العدالة والمساواة بين المواطنين.
أما اقليميا فكان اسقاطه بداية تساقط حلقات كثيرة في النظام العربي. استكملت إدارة أوباما التخريب وتخلصت من أنظمة تونس وليبيا واليمن (ومصر قبل ان يستدرك الجيش)، وفجرت الأزمة السورية. لكنها أخطأت في تقدير دعم روسيا وإيران لنظام الأسد عسكريا يضاف إليهما الصين سياسيا، ما ثبّته وابقاه لاعبا رئيسيا رغم إصرار واشنطن على سياسة التخلص منه، وان استمرت الحرب إلى ما شاء الله، ورغم الدمار والموت.
عقدان من الزمن مخضبان بالدم والدمار، احتاجهما الأمر لتأتي إدارة أميركية جديدة برئاسة مثل دونالد ترامب البراغماتي لعودة شيء من الواقعية والتحول في السياسة الأميركية.. فيؤكد بقراره أن العدو الأول هو داعش والفصائل الارهابية.
أعلن هذه القناعة أثناء حملته الانتخابية وبرأيه أن العرب غير مستعدين بعد لديمقراطية وفق النموذج الغربي وان الاصرار على ذلك لا يعني سوى السيناريو الليبي والعراقي واليمني والسوري. وتحويل البلدان التي يُفرض فيها الى اشلاء وخراب، وبيئة ينمو فيها التطرف والارهاب ومنها يصدران إلى انحاء العالم.
حسب ادارة ترامب فإن «ديكتاتوريين معتدلين يفصلون بين السياسة والدين ولو بالحد الأدنى، أفضل من الفوضى التي غرق فيها العالم العربي بعد الربيع والديكتاتوريات الدينية التي انجبها».
مع نقد لاذع لسياسة إدارة أوباما، تؤكد الإدارة الجديدة أن أحداً لم يعطها تفويضاً للتدخل وتركت حيث تدخلت بلدانا خرابا مدمرة، أقامت فيها أنظمة أكثر استبدادا وعنفا وأقل ديمقراطية وعدالة.
مازال من المبكر طبعا انتظار أي شيء نهائي ومؤكد من واشنطن، لكن الواقع فرض عليها تغيير الأولويات، كما لمعظم الدول الأوروبية الفاعلة التي تميل تباعاً لمواقف أكثر واقعية، وهذا بحد ذاته تحول جذري يحمل دلالات رئيسية في الأزمة السورية وامتدادها العربي.
أولى الدلالات أن مشروع داعش وأخواته من المنظمات الإرهابية كالنصرة في طريق مسدود ويسير إلى نهايته، بعدما لحقت واشنطن وموسكو في تصنيف تلك الفصائل العدو الأول.
ثانيها: ان المنطقة العربية تعود بعد ثلاثين عاماً إلى دائرة تقاسم النفوذ بين أميركا وروسيا رغم أن واشنطن سعت إثر سقوط الاتحاد السوفيتي في التسعينات الى فرض هيمنة أحادية عليها.
وأهم تلك الدلالات ربما، انه كما كان سقوط نظام صدام بداية تساقط أحجار الدومينو في النظام العربي، فإن تثبيت نظام الأسد سيكون منطلقا لتثبيت حلقات ذلك النظام التي صمدت أمام عواصف الربيع وصدتها، وربما أيضاً لمنظومة عربية إقليمية جديدة.
 

يستحيل ان يكون  الصحافي كالطبيب يعزل الثاني نفسه عن موضوعه،اي المريض، ليشخص حالته ويصف له العلاج. أما الصحافي، مهماً كان موضوعياً وحياديا، فلا يمكنه أن يفصل نفسه كلياً، عن موضوعه، أي الحدث. من واجبه أن ينقله بموضوعية ودقة ولا يضع فيه نفسه لكنه لا يمنعها من الأحاسيس والانفعالات التي يولدها فيه الحدث، إيجابا أم سلبا، خصوصاً عندما يقيم الحدث ويعبر عن رأيه فيه.انه كتلة مشاعر لذا اعمار الصحافيين قصيرة.
عندما تعثر الرئيس اللبناني ميشال عون الأربعاء الماضي في قمة البحر الميت، توترت وتألمت،  شعرت بضيق إذ عادت الى مخيلتي تلك اللحظة البشعة التي استشهد فيها رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري. تجمد تفكيري للحظة التي احتاجها عون كي ينهض مجدداً ويقف.
تعاطفت مع عون الإنسان أولاً. ولأنه رئيس جمهوريتي، أكن له الاحترام والتقدير. تعجبني صلابته واستقامته، وما أعلنه في خطاب القسم يوم تبوأ سدة الرئاسة عن محاربة الفساد، وإعادة توحيد لبنان واعماره والنهوض به من جديد. عندما تعثر شعرت بأن الجمهورية نفسها تتعثر. واستعدت تلك الفكرة التي رددتها قبل اثني عشر عاماً: قتلوا الحريري ليغتالوا لبنان، مع فارق ظرف الحدث وزمانه ومكانه، والتعمد الإجرامي في الأول والصدفة في الثاني  يتعرض له رئيس او خفير.
مشاعري السلبية محتها أخرى ايجابية مجبولة بالفرح تجاه تعثر عون ونهوضه، اما مشاعري تجاه حدث آخر، وأصحابه وفعلتهم،  فتترسخ سلبية عنها وعنهم ،كلما فكرت في ما فعلوه، والاصح فيما ارتكبوه وجنوه.
خمسة رؤساء لبنانيين سابقين، اثنان للجمهورية وثلاثة للوزراء، بعثوا إلى القمة نفسها التي كان الرئيس عون أحد نجومها المميزين، برسالة سموها بيانا لاعطاء قيمة لانفسهم تنقل إلى القادة العرب هماً لبنانياً صرفاً يتعلق بحزب الله وسلاحه ودوره.
الخمسة:امين الجميل وميشال سليمان وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام، سجلوا على انفسهم سابقة سلبية غير حميدة لا تبررها الممارسات السياسية اللبنانية المزدحمة بالحزازات والمليئة بـ«الحرتقات». لفد نقلوا قضية لبنانية داخلية إلى خارج لبنان. ذلك ليس خروجاً عن الحدود الجغرافية فقط،
بل أسوأ لأنه خروج عن أصول السياسة.
الخمسة باستثناء اخرهم، تمام سلام، لا ينظر إليهم اللبنانيون بارتياح بل بمرارة وخيبة امل. ففي عهودهم ارتكبت أخطاء وخطايا سياسية واقتصادية ومالية. رسالتهم إلى القمة آخر تلك الخطايا، لانها خطيئة وطنية، إذ تستدرج وصاية خارجية إلى شأن داخلي. بينما هم يزعمون أنهم يسعون لوقف تدخل خارجي إيراني في لبنان  فيما يفعلون الشيء نفسه.وذكروا بتبعية الساسة اللبنانيين للخارج، بينما وجدان كل لبناني ينبض بالرغبة في استقلال بلده وتكريس سيادته تجاه الخارج كله بدون استثناء.
مشاركة الرئيس عون في القمة وكلمته التي خاطبت القادة العرب من الوجدان إلى الوجدان، اكدت عودة لبنان بقوة إلى حضنه العربي. أما رسالة الخمسة المفخخة فقد ارتدت على أصحابها. كشفت حنينهم الى السلطة واشتهائها لكن طريقهم اليها اصبح مسدودا، وعرت يأسهم وشعورهم بأنهم أصبحوا من الماضي: رؤساء سابقين.

لتركيا أن تدير سياستها، داخلية كانت
أو خارجية، وفقاً لمصالحها. ولرئيسها رجب طيب أردوغان الحق ذاته، ولكن ليس من حقهما مطلقاً، أن يعلنا مواجهة بين الهلال والصليب، أي بين المسلمين والمسيحيين.
يسعى أردوغان لتأكيد سلطته المطلقة بتغيير النظام البرلماني القائم في تركيا إلى نظام رئاسي يتيح له جمع المفاصل الأساسية للحكم التركي بين يديه.
هو يرى أن النظام الذي سيجري التصويت عليه في 16 ابريل المقبل، الأنسب لتركيا، لانه برأيه «يقضي على بؤر الوصاية التي يفرزها النظام البرلماني».
بينما لا ترى فيه شرائح واسعة من المجتمع التركي سوى طموح سلطوي لأردوغان.
ويعتبره كثيرون مساراً حتمياً لكل نظام أيديولوجي كحال النظام التركي ذي التوجه الديني، ففي كل حكم من هذا النوع نزعة أصيلة لإحتكار السلطة والتفرد بها، وهو ينتهي دائماً إلى الديكتاتورية.
هكذا تجربة الاحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية السابقة، وتجربة حزبي البعث في العراق وسوريا، وكذلك حكم رجال الدين في إيران.
حلم أردوغان في نظام رئاسي لا يوّحد الاتراك. فكثيرون يرون فيه رغبة في تحجيم الكمالية والتقليل من علمانية الدولة والتعليم والمجتمع، وزيادة جرعة الأردوغانية الدينية والسلطوية فيه.
أردوغان سياسي مجرّب، صعد من الشارع إلى أعلى قمة في السلطة، وخاض معارك الإخوان المسلمين في تركيا وبلدان المنطقة، وهو يدرك تلك الحقيقة، فاختار تكتيكا قديماً معروفاً: يصنع عدواً داخلياً وخارجياً لشد عصب جمهوره. حتى يأتي الاستفتاء بنتيجة كاسحة لمصلحته. لذا لا يوفر تهديداً أو شتيمة لقادة محترمين في أوروبا كالمستشارة انجيلا ميركل أحد أبهى نماذج الديمقراطية المعاصرة، وأبرز رجال دول الحاضر.
لم يحصل أردوغان في الانتخابات الرئاسية عام 2014 سوى على 56% من أصوات الأتراك، واذا ما كرر هذا الرقم في الاستفتاء الجديد فيكون قد حقق مجرد فوز عددي، وليس انتصاراً سياسياً بحجم تغيير دستور الدولة ونظامها. ويوحي تكتيكه بأنه غير واثق في الحصول على النتيجة المرجوة سياسياً. فهو يستشعر، عن حق، أن تعديل الدستور يواجه معارضة ملموسة
ولا يحظى بتأييد شريحة لا بأس بها حتى داخل حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه.
يتعزز شعور أردوغان هذا، بأزمة عامة يمر بها نظامه. فيضّيق على الحريات في الداخل، ويخوض الصراعات العبثية على معظم الجبهات في الخارج، وتتزايد عدوانيته في الاتجاهين. تزيدها حدة مؤشرات اقتصادية سلبية تتجلى في ركود متزايد وتراجع في النمو.
أردوغان حرّ في ما يتبعه من تكتيك إلا التبشير بحرب بين الهلال والصليب، فهو بذلك يحشر الإسلام في مواجهة مع المسيحية غير واقعية
ولا موجودة أصلا، ولا يريدها المسلمون لأنها لعبة خطيرة جداً.
النزاعات المسلحة والحروب الأهلية التي تعيشها مناطق عدة من العالم، أولاها المنطقة العربية، ليست حرباً دينية على الإطلاق، إنها حرب مصالح، تخوضها قوى دينية متطرفة وإرهابية كثير منها حليف لأردوغان تغلفها برداء ديني وطائفي.
الهلال والصليب برمزيتهما الدينية، ليسا في حرب ونزاع، انهما معاً ضد شيطان التطرف ووحش الإرهاب، والكفاح ضدهما لا يجري أبداً ولا يكون على أساس ديني.
 

السبت, 25 مارس 2017

لو تُعيد صفاء النظر!

وأنا أتابع التصريحات الغزيرة للأخت الفاضلة النائبة  صفاء الهاشم واقتراحاتها لمعالجة مشاكل الهدر في المال العام، والاختلالات في عمل مرافق الدولة والوزارات والأجهزة الحكومية ولاحظت كما الكثيرين غيري، إصرارها على شيطنة الوافدين واعتبارهم كأنهم بقعة سوداء في الثوب الكويتي، قرأت بالصدفة تقريراً حول مشكلة تتفاقم في اليابان والحلول التي تطرح من قبل السلطات المعنية والعاملين في الشأن العام والناس العاديين علاجاً لها.
حسب التقرير،تعاني اليابان من ارتفاع حوادث السير والوفيات الناجمة عنها، وحددت  معالجة المشكلة هدفا.
اولا أخضعت المعضلة لدراسة علمية معمقة، فاكتشفت أن كثرا من كبار السن سبب تلك الحوادث، حيث يقعون في خطأ متكرر اذ هم  يدوسون على دواسة الوقود بدل الفرامل.
بعد نشر التشخيص انطلق  نقاش  عام على الصعيد الوطني الياباني بلور اقتراحات عديدة، بينها إقناع كبار السن بالتخلي طوعاً عن رخص قيادتهم  مقابل مميزات منها تخفيض نفقات الدفن، وأجرة التاكسي، والمصحات.
واقتراح آخر بوضع حد أقصى لعمر السائق،أو إخضاع كل من يقود سيارة،بغض النظر عن عمره، لاختبار دوري: عملي في القيادة ونظري في قواعد السير كل خمس سنوات،وكذلك أن تكون رخصة القيادة ميزة وليست حقاً مكتسباً.
الملاحظ أن القاسم المشترك الأبرز بين كل المقترحات،التشديد على  ضرورة تطبيق القانون بحزم على الجميع دون استثناء او واسطة من أي كان ولأي سبب كان.
في الكويت، كما في أي بلد،مشاكل منها ما هو مرتبط بالنمو لذا فهي طبيعية، وأخرى سببها سوء الادارة والبيروقراطية وغياب المحاسبة، وهناك نقاشات جدية بشأنها تتمخض عن اقتراحات ريادية وفعالة اذا وجدت طريقها للتطبيق، لكن بعض المواقف «فرسانها» نواب ديدنهم دغدغة مشاعر الناخب، تخلو، للأسف، من تشخيص موضوعي للمشاكل ونهج علمي لمعالجتها. الاستسهال فيها سيد الموقف، يلقون المسؤولية على كاهل الوافدين، فيأتي الحل  عشوائيا سهلا : تخلصوا منهم،وتشددوا في معاملتهم وقللوا التقديمات المقدمة لهم او حتى الغوها وارفعوا تكاليف معيشتهم، فتنفروهم وكفى الله ضرورة الاجتهاد والبحث الجدي عن حلول حقيقية مفيدة للكويت. الشعبيوية والإثارة والتأليب يمكن ان تكون بضاعة رائجة لبعض الوقت لكنها حكما عاجزة عن معالجة مشكلة.
الوافدون  يأتون إلى الكويت لأنها بلد خير وأمن وأمان. يعملون فيها ويجدون  ويجتهدون ويكسبون، يقدمون قوة عملهم وخبراتهم ومعارفهم، مقابل أجر او شراكة. أما تحميلهم مسؤولية اختلال التركيبة السكانية فمبالغة فجة. العدد الفائض من الوافدين او العمالة الهامشية  أو البطالة المقنعة افراز تجارة اقامات او رغبة في زيادة المعروض من  العمالة لتخفيض أجرها، اذن الوافدون  هم، قبل غيرهم، ضحايا هذا الخلل لا سبب له.
أزمة السير وراءها سلسلة أسباب أصغر حلقاتها هم الوافدون.  اما  كون الطرقات تُستهلك أو يتطاير حصاها  فمن سوء خلطة الإسفلت المستخدم في تعبيدها،وعدم مطابقته للمواصفات.اما رقم الاربعة ملايين وافد الذين سيصادرون فرحة اهالي الجهراء بطريقهم الجديد فتحريض ليس في مكانه وتلاعب بالرقم يفترض الا يمر على الاخت صفاء وهي اقتصادية تعرف ان الدقة صفة ضرورية في الارقام التي تبنى عليها المواقف الجادة.
واذا   ذهبنا الى  الهدر الكبير  في وزارة الصحة يستحيل لمنصف ان يرميه على الوافد المقيم، وهو بالمناسبة يدفع ضماناً صحياً لإصدار إقامته ورسما لمراجعة المستوصف أو المستشفى.وقس على ذلك بقية المشاكل والاختلالات التي لن يتوج البحث على حلول لها بنتائج جدية اذا نظر اليها بعين واحدة لا ترى الا الوافد لإرهاقه بالرسوم والضرائب ومختلف اشكال الجباية.
نعم، يمكن عدم استقدام الوافد لانعدام الحاجة إليه. فهذا أمر منطقي بالنسبة للمؤسسات العامة والخاصة. ويمكن الاستغناء عنه عندما تنتفي الحاجة لعمله. أما عندما يأتي الوافد إلى الكويت ليعمل ويقيم وينتج بطريقة مشروعة فدخله الذي يتقاضاه والحقوق التي يكتسبها مقابل جهده وعمله، فلا يمكن مصادرتها.  كما لا يمكن الإساءة إليه وتجريحه والاعتداء على كرامته الشخصية وعزته الوطنية وتحميله مسؤولية لا يتحملها أبداً. يمكن ان يكون ذلك اسلوبا لكسب انتخابي او اعلامي،لكنه فيه اولا اساءة للكويت نفسها،وهي البعيدة عن هذا التفكير، اشتهرت  منذ وجدت بانفتاحها على أمم وشعوب واعراق وديانات مختلفة ومتنوعة ومتعددة.
أمضيت ثلاثين عاماً من عمري في الكويت أي أكثر مما أمضيته في وطني لبنان. هنا ربيت ولديّ، ومما جنيته علمتهما وزوجتهما، وساعدت أهلي، وبنيت بيتي واشتريت بستاناً ومزرعة وأرضاً، وأسست مشروعا يديره ابني بنجاح وان تعثر بسبب الأوضاع المتأزمة في لبنان.
وفي الكويت حققت مكانة مرموقة اعتز بها لدرجة ان مقربين جدا من السيدة صفاء وصفوني برئيس التحرير الفعلي لجريدة القبس التي كنت مديرا لها لربع قرن، واقمت صداقات من كل المستويات اعتز بها وأفتخر، دائماً إلا قلة قليلة جداً.
لذا، لا أبالغ ولا أتزلف فهذا ليس من طبعي، عندما أعتبر الكويت بلدي الثاني.
وانا متأكد ان الوافدين مثلي  يحبون الكويت ويكنون لها العرفان والتقدير، لأنها حقاً بلد خير وتسامح وانفتاح وأمن وأمان. فحبذا، لو تقلع القلة من أبنائها وبناتها عن قول ما ليس أصيلاً فيها، فمحبتها لا يمكن التعبير عنها بإبداء الكراهية للآخرين، والاستهتار بحقوقهم.

د.أحمد طقشة

الصفحة 1 من 13