جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 11 أغسطس 2014

منطق اللغة وروحها

«أنا لا أفهمك بشكل جيد»، عبارة نادرًا ما يقولها من لم يفهم الحوار، لذلك أعتقد أن الجميع يعاني من مشكلة سوء الفهم، لأنه لم يعترف به طلباً في التوضيح. قد يكون الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت على حق عندما قال ان «اللغة مصدر سوء الفهم»، فنحن أبناء الجلدة الواحدة نتكلم لغة عربية ذات قواعد واحدة، وأصول ثابتة، ومع ذلك نقع أحيانا في مشكلة سوء فهم بعضنا بعضاً.

هناك رأي يرى أن سوء الفهم يرجع إلى قلة ثقافتنا بأصول لغتنا وقواعدها، وعدم اهتمامنا بها، بالإضافة إلى توجهنا لاقتناء لغة أخرى ليست لغتنا لأنها فُرضت علينا بحكم قوة وجودها. وهناك رأي آخر يؤكد أن ابتعادنا عن ديننا وعدم تمسكنا بأصول الفقه سببٌ كافٍ لسوء الفهم والاختلاف والصراع. وقد أكد كلا الرأيين أن اللغة العربية في طريقها للاندثار. إلا أن هناك رأياً ثالثاً يعترض على فكرة الاندثار، ويؤكد أن اللغة العربية باقية لأنها لغة القرآن الكريم، وروح العقيدة  كفيلة بحفظ اللغة وأصولها وقواعدها.

اتفق مع الرأيين الأوليين بأن اللغة في طريقها للاندثار، ولكن لنفترض أن صاحب كل رأي منهما كثف جهوده وعالج السبب الذي ذكره، أي بمعنى أوضح: أن تقوم مجموعة بالاهتمام باللغة عن طريق غرس أصولها وقواعدها في أبنائها وتجعل منها لغة جاذبة غير طاردة، وتقوم مجموعة أخرى بالاهتمام بنشر الوعي الديني وأصول الفقه. لنفترض أن الرأيين عالجا النقص الذي يريانه سبب اندثار اللغة، فهل سينتهي سوء الفهم؟ والسؤال الأهم من ذلك: هل للعقيدة بالفعل دور في حل إشكالية سوء الفهم، وبالتالي يمكن لها أن تحفظ اللغة؟

أعتقد أن سوء الفهم لن ينتهي، كما أعتقد أن روح العقيدة ليست حافظة للغة، وليست عاملاً مساعداً في حل إشكالية سوء الفهم . ولكن لماذا؟ لأن اللغة العربية سقف لتعددية عقائدية ينتج عنها اختلاف في طبيعة الروح .إذًا كيف يمكن حل هذه الإشكالية؟ يقول الشاعر والكاتب الألماني كريستيان فريدريش: «لو كانت اللغة ناتجة عن المنطق وليس الشِّعر، لكنا جميعا نتكلم لغة واحدة».. ولكن ما هو المنطق؟ هناك تعريفات كثيرة للمنطق ولكنها لن تخرج عن هذا المضمون: «المنطق هو العلم الذي يدرس القواعد والقوانين العامة للتفكير الإنساني الصحيح». فهل نحن نملك هذا المنطق؟ وهذا التفكير الصحيح لنحمي أنفسنا من سوء الفهم؟ ونحمي لغتنا من الاندثار؟ بالطبع لا، نحن لا نملك ذلك التفكير الذي يستند إلى المنطق.

أحيانا أجد أن الكاتب الانجليزي جورج أورويل على صواب عندما قال: «إذا كان الفكر يفسد اللغة، فبإمكان اللغة كذلك أن تفسد الفكر». وأجد أن كلماته تنطبق علينا، لذا يجب علينا أن ننتبه فنحن لا نحتاج إلى أي فكر قد يفسد لنا لغتنا، كما أعتقد أننا لا نحتاج إلى روح تتنفس العقائد، والعادات، والتقاليد فقط. ولا نحتاج إلى  جسد يُكتب عليه جغرافيا وتاريخ الأمم فقط. ولا نحتاج إلى قلب يشعر، ويحب، ويميل، ويعشق، ويتألم، ويتفاعل فقط. نحن نحتاج إلى منطق .

إن منطق اللغة في اعتقادي يحتاج إلى عقل الإنسان الذي يجب أن يفكر بالروح، ويربطها بالعقل والقلب، ويحلل، ويستنبط، ويستنتج، ومن ثم يقرر كيف يصل إلى صياغة جملة تحمل تصاريف أفعال الإنسان يضاف إليها حال الفاعل والمفعول به. نحن نحتاج إلى المنطق ليس فقط لصياغة الجملة بشكل واضح لنفهمها، أو لاختيار مفردات تتحلى بالجمال لنتذوقها، أو للالتزام  بالدقة في التعبير لنستوعبها بشكل جيد، أو للاهتمام بتقديم ما هو مفيد للاستزادة من المعرفة، فجميع هذه العمليات يشرف عليها المنطق أصلاً! نحن نحتاج لأكثر من ذلك بكثير، فالمنطق في اعتقادي له ثلاثة أضلاع: الأول أنه مركز التقاء العقل البشري، والثاني هو حلقة  تواصل فكري تسلسلي منظم، والثالث عبارة عن قناة للتفاعل الإيجابي. لذلك يجب أن يكون للغة منطق، لا أن تكون  ناتجة عنه فقط، لكي تدب فيها الروح التي ستقضي على سوء الفهم وستحفظها من الاندثار.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث