جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 10 أغسطس 2014

ليبيا خارج السيطرة

الوضع في ليبيا يشبه الى حد كبير المشاهد الكثيرة والمتداخلة في فيلم سيد الخواتم، فالصراعات لا تنتهي، والتناحر هو سيد الموقف، الا أن الفرق البسيط بين الفيلم الهوليودي والواقع الليبي، هو أن الفيلم يبرز بكل وضوح صراع الخير والشر، وفي لبيبا لا يعرف الأخيار من الأشرار، فالكل يصارع الكل وكأننا أمام احدى مباريات المصارعة حيث الفوز لمن يستطيع البقاء في الحلبة، بعد أن يساهم في اجلاء الآخرين خارجها، لكن على الأقل فالمصارع الفائز سوف يفوز بلقب وبحزام وعقود دعايات والكثير من المعجبات، أما الفائز في التخبط بليبيا فلن يرث سوى شبه وطن، وحقد دفين، وأنانية مفرطة، وتطرف محكم، ولن يحكم سوى نفسه الأمارة بالسوء، وعقدته المتشضية في جبين الجهل، وغبائه المزمن في التحليل والتمحيص.

منذ سنوات وبالتحديد منذ قيام الثورة الشعبية في ليبيا ضد حكم العقيد الراحل معمر القذافي، تحمسنا جداً للحراك الشعبي والشبابي وأسلنا الكثير من الحبر في دعم ذلك التوجه والاختيار، لأسباب منطقية من وجهة نظرنا، أهمها ديكتاتورية العقيد واستئثاره بخيرات البلد، ونشره أفكاراً في غاية الغرابة عن طريق مهزلة الكتاب الأخضر، واقراره نظاماً معقداً وغريباً يعتبر خليطاً غير متجانس من التجارب وهو ما يصطلح عليه باللجان الشعبية، بالاضافة الى أشياء أخرى مرتبطة بشخصيته المفعمة بالنرجسية والمفرطة في الأنا.

لكن سرعان ما راجعنا موقفنا من ذلك الحراك عندما شهدنا بألم، الوحشية التي قتل بها العقيد وأبناؤه، ومنذ ذلك الحين وليبيا في شد جذب ما بين الميليشيات وجماعات مسلحة تتحكم في مفاصل الدولة، وتناحر قبلي يدعو الى الانفصال،وجماعات متشددة تدعو الى اقامة كيان اسلامي على النمط الأموي أو العباسي، وكتائب اللواء حفتر الداعية الى توحيد ليبيا وتطهيرها من الميليشيات والجماعات المسلحة، هذا كله نشط وتطور في ظل غياب سلطة مركزية تحظى باجماع كل الليبيين، وفشل الحكومة الانتقالية في فرض الأمن على كامل التراب الليبي، ما شجع على تقسيم البلد الى كتائب وفصائل من أجل خلق توازنات قائمة على أساس القوة، فهناك جماعات قبلية وأخرى فكرية، وأخرى تتبع أشخاصاً ذوي نفوذ سياسي ومالي، وأخرى ذات مرجعية متطرفة وتعتمد على الغلو في الدين، وأمام هذا الوضع المربك فليبيا تسير بخطى واثقة في نسج النموذج العراقي في شمال أفريقيا وربما تصدير التطرف والمرتزقة الى دول الجوار.

ولعل توالي الصراعات والضربات في مجتمعاتنا العربية، خصوصاً التي تأثرت برياح الربيع العربي، يطرح أكثر من علامة استفهام وتعجب واستغراب، حول أوضاعها الحالية، والجواب هو أن غياب البديل الثوري قد شجع على التخبط والاقتتال لأن عمق التغير يتطلب رؤية بديلة ومشروع دولة ونموذجاً واضحاً، وما حدث هو ثورة من أجل الفوضى، والأمثلة واضحة وعديدة من الشرق الى الغرب.

وبرجوعنا الى الوضع في ليبيا فهو يزيد تفاقما وعتمة، فليبيا خرج فيها الوضع عن السيطرة، فالكل يحارب الكل والهدف الأساسي غير واضح، فمن سرق الثورة؟ ولربما هذا نتيجة من نتائج سياسة الجهل والكره والسيطرة التي رباها القذافي في أجيال عديدة من الليبيين، وبالنظر الى هذا الوضع الكارثي في ليبيا فنحن نرى أن حل هذه الأزمة يتمثل في الرجوع الى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يسمح بالمساعدة الخارجية لحماية المدنيين.

وكم نكره القول: بأن سيف الاسلام القذافي كان على حق عندما قال: بأن انهيار نظام القذافي لن يؤدي إلا إلى مجاز لا متناهية ما بين القبائل والجماعات وهو ما صدق فيه القول.

لكن هذا لا يمنعنا من أن نتأمل في أن يسهم انتخاب رئيس مجلس النواب الجديد في ليبيا عقيلة صالح عيسى، في استقرار الأوضاع وخصوصاً أنه نال اجماع النواب وقد يستطيع أن يوفق ما بين رؤية الشارع ورؤية الوطن ويسهم في استقرار ليبيا. ما يحدث في ليبيا والعرب عموما فيه الكثير من العبر لمن ما زال لم يعتبر. اللهم احفظ أمة العرب والمسلمين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث