جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 18 يوليو 2014

واغزتاه

انتهى مهرجان كأس العالم، وتوجت المانيا بطلاً لهذه الكأس في نسختها العشرين، وربما آن الأوان لان ينتبه المجتمع الدولي وإعلامه، الى فداحة الموت وجبنه في قطاع غزة بفلسطين، فبعدما أسر العالم وبفضل قوة الاعلام، ولفترات بقصص لاعبي الكرة، وتقليعاتهم الهووليودية، وقصات شعرهم الغريبة، وأسرار المشجعات والقمصان وأشياء أخرى من قيم الزمن التافه، فمثلا عندما كانت المانيا تقابل الارجنتين مباشرة في الدور النهائي من البطولة بلعب «الماركانا» كانت اسرائل قد استطاعت ان تصل الى حصيلة 103 قتلى و710 جرحى وبإطلاق 1874 صاروخ على القطاع، وتحطيم 160 بيتاً ومسجداً، وكأنها تحاول ابلاغ ابطال العالم الجدد في كرة القدم بإعادة انتاج هوولوكست آخر لكن هذه المرة ضد المدنيين والعزل من ابناء فلسطين وبأيادي من يتبجحون بأنهم ضحاياها.

في غزة يموت يوميا الاطفال والشيوخ والشباب، ويوميا تتحطم الدور والمنازل فوق رؤوس اصحابها، ويوميا تزداد المقاومة الشعبية قوة وإرادة بإصرار الذات وعزيمة الوطن في ظل غياب تام للمساندة العربية، والتي لن تتجاوز على العموم مراحل عقد اجتماعات واختتامها ببيانات للشجب وتأكيد المسؤولية الاسرائيلية في الصراع غير المتكافئ مع الفلسطينيين، وإسرائيل بدورها تعي ذلك جيدا، لذلك فهي مستمرة في اسلوب القتل الممنهج بفلسطين بدون ان تحسب أي حساب لدول المنطقة والدول العربية والإسلامية، فطول الصراع العربي الاسرائيلي والذي امتد لأكثر من خمسين سنة قد ولد شعوراً حقيقياً لدى الاسرائيليين بأن العرب شعوب تجيد جيدا الخطابة وفنون الحماسة، لكنها لا تفعل ما تقول ويظل فعلها اسلوبا مجازيا في قصص التمني، لذلك تمادت اسرائيل وأصبحت تهدف الى ابادة الفلسطينيين باتباع اساليب التطهير العرقي والقتل الممنهج، وهي الافعال التي ترتقي الى جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب كذلك وتخضع لولاية المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي.

وقد استغلت اسرائيل في ذلك، انشغال العالم بقضايا وفعاليات اخرى كمونديال البرازيل لكرة القدم، وتوسع الدولة الاسلامية في العراق والشام على حساب ضعف الحكم المركزي في بغداد، وضعف طوائف المقاومة في سورية، وقضية ازدياد الدعوات الداخلية لانفصال شرق أوكرانيا عن البلد الأم وانضمامه الى روسيا، وقضايا أخرى مرتبطة بتراكمات الربيع العربي البائس والذي لم يجلب لنا سوى الضعف والعصبيات والصراعات. فكان لإسرائيل ما استطاعت، مبررة تدخلها بأنه دفاع عن الذات ضد صواريخ كتائب القسام وهو مبرر أهون من بيت العنكبوت، ولعل الذي ساعد ذلك الطرح في أن يفرض واقعاً على الخريطة الإعلامية، هو تواطؤ الإعلام الغربي والأميركي معه، فأصبح يهرع ليصور مشاهد سقوط صواريخ القسام في إسرائيل، وكأنه يعطي بذلك لإسرائيل الضوء الأخضر والحجج المقنعة للاستمرار في القتل والتهويد، مقابل التغاضي عن المجازر الحقيقية التي تقع في قطاع غزة.

فالصراح الفلسطيني – الإسرائيلي، لا يتعلق بموضوع مواقف، أو مشروعية، ولا بتوافق ما بين فصائل المقاومة، وما بين فتح وحماس، وتوحيد الرؤى، بل هو مرتبط بأدبيات توجيه الصراع والذي تتحكم فيه إسرائيل، فالصراع حول الأرض لم يكن وارداً أبداً في سياق الفلسفة اليهودية، لأن الصراع أعمق من ذلك بكثير فهو يدور حول فكرة «أورشليم» الدينية والتاريخية لذلك فالصراع يحركه الدين والعاطفة من الجانبين، فجميع الأحزاب الصهيونية المشاركة في الحكومة الإسرائيلية تدعو إلى تهويد القدس، فحتى زعيم الحزب العلماني «ييش عتيد» يرى السيطرة على القدس وجعلها تحت الحكم الصهيوني، لأن ذلك من متطلبات احترام تراث أنبياء وملوك إسرائيل.

وللوصول إلى هذا المطلب وهو السيطرة على القدس، لجأت إسرائيل إلى المال إذ ان الجماعات اليهودية تعد من أكثر الأقليات ثراء في العالم بأسره ونظراً لنشاطهم السياسي اللامنتهي والفعال فهم يوظفونه بدون حرج في شراء النفوذ وفي ممارسة السلطة كيفما كانت درجتها، وفي تخريب الضمائر كيفما كانت صلابتها، وإفساد الناس في كل بقاع الأرض، وهو ما جعل من كتاب أحجار على رقعة الشطرنج للكاتب الكندي وليام غاوي كار كأنه محاكاة حقيقية لواقع دولة إسرائيل.

فإسرائيل يأسرها إلى حدود الساعة حكايات الهيكل، وحلم إعادة بنائه وإحياء أمجاده واسترداد مقتنياته التي صادرها الحاكم الروماني تيتوس، عندما قام بتدمير الهيكل الثاني عام 135م، وأمام اختلاط الأسطورة بالحقيقة والرغبة بالعاطفة في المشهد الإسرائيلي، فالحرب وإن وضعت أوزارها حاليا، فلن تخمد أبداً، لأنها حرب مغلفة بعباءة دينية يشعلها الحاخامات، ويخوضها الجنود، ويذهب ضحيتها الفلسطينيون، ليس سوى أنها أرض الهيكل.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث