جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 09 يوليو 2014

العراق بين مؤامرة الأمس واليوم

هكذا نصحو اليوم لنرى حلقة جديدة من مسلسل تفتيت الوطن العربي، مسلسل انهيار الدولة كجهاز سياسي قانوني له سيادته: مشروع تقسيم العراق. بعد المشروع الأميركي الفاشل في مصر، والذي بدأ بدعم سياسي إعلامي قوي لجماعة الإخوان المسلمين في داخل واشنطن وخارجها قد يتذكر بعضنا مقالات مجلة وزارة الخارجية الأميركية «شؤون خارجية» التي كانت تتحدث عن جماعة الإخوان المسلمين بوصفها جماعة إصلاحية معتدلة جدا ومنفتحة على الآخر، والدعم المادي اللامحدود الذي كانت تدفع فاتورته الحكومة الأميركية لكل الجماعات الشبابية والمعارضة المصرية بكل أطيافها وذلك من خلال مؤسساتها العاملة في مصر مثل فريدوم هاوس، المعهد الديمقراطي الوطني، وغيرها. نذكر أيضا لقاء رئيس المخابرات المصرية الأسبق عمرو سليمان عندما سئل عن درايته بالنشاط المشبوه لهذه المؤسسات الأجنبية في مصر، فأجاب أنه كان يعلم بنشاطها ولكن تحرك الحكومة المصرية تجاهها كان بطيئا. نذكر أيضا أنه عند مداهمة مقار هذه المؤسسات في مصر تم العثور على الكثير من الأموال النقدية وعلى الكثير من المعلومات التي تعدها أي حكومة «تخابراً» ضد النظام من الطراز الأول. لن نخوض في الشأن المصري كثيرا، ما يهمني هنا هو الإشارة لهذا التدخل السافر للإدارة الأميركية في شؤون دول الشرق الأوسط المحيطة بإسرائيل بهدف هدم كيان الدولة المستقلة ذات السيادة.

المحلل السياسي المصري مأمون فندي كان قد أطلق على هذه المحاولات الأميركية التي تريد تقويض النظام وهدمه مصطلح «قضينة» العالم العربي. أي دفع الدولة السيادية نحو الفشل وبالتالي هدمها وتحويلها لمجموعة قضايا: الإسلام مقابل العلمانية، السلف مقابل الإخوان، السنة أمام الشيعة، التقدميون والرجعيون، العرب وغير العرب، الإرهابيون واللا إرهابيون.. إلخ من التقسيمات التي تفتت كيان الدولة وتحولها لكائن ضعيف مشلول غير قادر على الحركة وعلى اتخاذ القرار فيسهل النيل منها. تحويل الدولة السيادية إلى حزمة من القضايا الصاخبة التي لا يمكن الوصول لاتفاق حولها يدخلها بالضرورة في دوامة العملية عملية الحوار بين أبناء الوطن المختلفين، حوار حول قضايا لا يمكن الوصول لحل لها، بالطبع من خلال الأخذ بالاعتبار عاطفة العرب نحو انتماءاتهم الدينية والعرقية.

وبعد مصر، نرى اليوم وبكل أسى ما يحدث في العراق من أحداث دامية توشك على تقسيمه. اليوم وفي وقت كتابة هذا المقال صرحت بعض القيادات الكردية بأن مسألة استقلال الإقليم الكردي هي مسألة مصيرية بالنسبة للشعب الكردي وبأن الأيام المقبلة ستشهد استفتاء للشعب الكردي حول رغبته في الانفصال. داعش دولة الإسلام في العراق والشام وهي الحركة التي تثير العديد من علامات الاستفهام حول توجهاتها وظهورها المفاجئ من رحم القاعدة، تمارس إرهابا في العراق لا يمكن لكل أفكارنا أن تسهم في فهمه، تتساقط المدن أمامها واحدة تلو الأخرى، معلنة رفضها لكل مكونات وتنوعات الشعب العراقي. أما النظام السياسي المنتخب فطائفيته ليست بحاجة لتبرير.

إن تفكك العراق إلى ثلاثة أجزاء‏,‏ الجزء السني والشيعي والكردي يبدو وكأنه قد أصبح أمرا يلوح في الأفق. ‏أليس هذا هو العراق الذي بشر الأميركان بديمقراطيته؟ وبأنه سيكون المثال الديمقراطي الذي تهتدي به كل الديمقراطيات الناشئة؟ المثال العراقي ليس لغزاً. لقد دمرت الدولة العراقية بالفعل مع دخول القوات الأميركية في 2003، أما انسحابها من العراق في وقت من عدم جهوزية قوات الأمن العراقية لتحمل تلك المسؤولية وحدها، فهو أمر يدعو للتساؤل والتعجب في الوقت ذاته. بإمكانك أن تضيف لذلك رفض القيادة الأميركية لتنفيذ الاتفاقيات الثنائية الموقعة بينها وبين العراق والتي تنص على تسليم مقاتلات إف 16 الأميركية للعراق. ويصر الأميركان اليوم على استقالة الحكومة وعلى تغيير النظام القائم كشرط تقديم المساعدات الأميركية للحكومة العراقية. أمام هذه الخلفية السياسية تظهر داعش في منطقة الشرق الأوسط بل وتجد دعما لها لا من الأميركان فحسب بل من بعض دول المنطقة. ألم تكن الأردن مركزا لتدريب قوات داعش كما كتبت بعض الصحف العالمية؟ ألم يكن المستشارون الأميركان هم من يشرفون على تدريبهم هناك؟

أما الضربة القوية التي مني بها الرئيس التركي أردوغان فتمثلت في الفضيحة التي كشفها مؤخرا رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي كمال كليتشدار أوغلو والذي أعلن أن الأسلحة التي يملكها ما يسمى تنظيم «داعش» هي أسلحة أرسلتها حكومة حزب العدالة والتنمية. الضربة الأخرى تمثلت في المقال الذي نشره  النائب عن حزب الشعب الجمهوري التركي محمد علي أديب أوغلو والذي أشار فيه إلى أن تنظيم ما يسمى «داعش» الإرهابي على علاقة وثيقة بحكومة حزب العدالة والتنمية حيث يقوم ببيعه النفط الذي يسرقه من سورية. أما الصحافي التركي تولجا شاردان فلم يتردد في الاعتراف بوجود آلاف الأتراك يقاتلون في صفوف هذا التنظيم. والسؤال هو: هل تم كل ذلك من دون علم الولايات المتحدة وحليفها الناتو؟

لا بد لنا من العودة قليلا للوراء لنتذكر العام  2007 وهو العام الذي تسربت فيه خطة السي أي ايه للإطاحة بنظم الوطن العربي عن طريق حرب طائفية عرقية طاحنة يقودها أطراف مدعومون من قبل الولايات المتحدة. أربع أعوام كاملة قبل ما أطلق عليه «الربيع العربي»: تسربت هذه الخطة الخبيثة وعلق عليها الكثير في الصحف الأميركية والعالمية- وكان أهمهم الأميركي سيمور هيرش الحاصل على جائزة بوليتزر للصحافة- ولكن ذاكرتنا القصيرة لم تسمح لنا بربط الأحداث. وها نحن نفيق اليوم على تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بترحيبه بانفصال الشمال الكردي عن العراق، ولن يمر وقت طويل حتى نرى ترحيبا أميركيا يتبعه.

نحن مع العراق، ومصر وسورية، كدول مستقلة وموحدة. نحن ضد تقسيم العراق، وهذا الموقف هو موقف بعض دول الخليج، ولكن تأليف الحكومة المكونة من السنة والشيعة في العراق اليوم أصبح حاجة ضرورية لمواجهة أخطار الغد، وأهمها وقف نشاط الجماعات الإرهابية ومن يقف وراءها.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث