جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 20 يونيو 2014

سورية ورهانات المستقبل

انتهت الانتخابات في أواخر الشهر الماضي ما بين من انتقدها ومن أثنى عليها. وتزامن هذا الحدث من فوز للرئيس بشار الأسد مع عفو عام تم اطلاقه ليشمل حتى المطلوبين على ذمة قضايا إرهاب وأمن دولة. نسبة المشاركة كانت معقولة، أما محمد اللحام رئيس البرلمان السوري فقد أعلن بأن الانتخابات قد شملت المناطق الواقعة تحت حكم السلطات السورية الحكومية.

لن نخوض هنا في قضية ما اذا كان ينبغي على بشار الأسد أن يرشح نفسه من عدمه، فنحن أمام حالة استثنائية لا بد للحكم السياسي فيها أن يتصف بالحكمة والروية وعدم الاستعجال. نحن أمام حالة استثنائية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان. قد نتفق في أنها لم تكن ديمقراطية مئة في المئة، ولكن هل كانت كذلك في أي بلد عربي؟ حتى تلك التي خاضت ثورات «الربيع العربي»؟ يبدو بأن المشكلة، وما يزيد الأمر تعقيدا، هي تلك الاتهامات الغربية مزدوجة المعايير والتي تتهم الانتخابات السورية وتصفها بانعدام الديمقراطية وتسكت في نفس الوقت عن الانتخابات في بلدان أخرى ليست ببعيدة عن سورية.

تحاول هذه المقالة استشراف المستقبل السوري بمنهج سياسي واقعي ينظر فقط للوقائع وامكانية تحقيق التقدم والاستقرار وفق الظروف المعطاة والمتاحة. وهذا ما نعتقد بأنه المنهج العقلاني الوحيد للتعامل مع الأحداث الحالية. ان سورية تعاني ومنذ ثلاث سنوات من صراع مرير دخلت فيه أطراف عدة: الجيش النظامي، القاعدة، داعش، الجيش الحر وجبهة النصرة. أمام هذه الأطراف المتناحرة والتي تسعى عدة أطراف اقليمية ودولية لدعمها وبشكل متزايد، ناهيك عن الأهداف الخاصة بكل طرف فيها، ماذا بامكاننا أن نفعل؟ ماهو الطريق للخروج من الأزمة؟

أولا: علينا نحن العرب وبصورة خاصة أن نتيقن من أن العالم اليوم قد أصبح متعدد الأقطاب لا يمكن للولايات المتحدة بمفردها أن تفرض عنجهيتها عليه كما كان في السابق، وبأن القرارات الجيو سياسية الكبيرة لم تعد حكرا للولايات المتحدة وحلفائها.

ثانيا: علينا التيقن بأن القوة الدافعة لعدم الاستقرار في المنطقة منذ احتلال العراق قبل عشر سنوات، مرورا بفوضى الربيع العربي في مصر وليبيا وغيرها، لم تكن سوى أميركا بتحالفها مع الكيان الصهيوني. لقد أدى هذا التحالف الصهيوني المشؤوم الى هذا السيناريو من الفوضى التي مر بها العالم العربي وما زال يعاني من توابعها. ان سيناريو انهيار الدولة المركزية ومؤسساتها وتحويل الدولة الى مجموعة من القضايا التي تناقش كل على حدة، كالارهاب واسلامية الدولة أم علمانيتها والأقليات وحقوقها، كان يعني منطقيا فقدان الدولة العربية لقدرتها على النهوض والتهديد للكيان الاسرائيلي. واليوم لم يربح أحد من فوضى الربيع العربي الذي حركته ودعمته أميركا مثل ربح اسرائيل.

ثالثا: علينا التعامل مع الرئيس بشار الأسد كحقيقة قائمة اختارها الشعب السوري، وبأنه لن تتمكن الجماعات الارهابية من فعل أكثر مما فعلت في السنوات الثلاث الماضية، وبأن التحالفات الغربية لن تقدم أكثر مما قدمت كدعم لهذه الجماعات من أجل تغيير المعادلة داخل سورية. تفرض علينا الواقعية السياسية اليوم التعامل مع بشار كأفضل الخيارات القائمة من حيث الاعتدال والرغبة في استكمال الدولة، هذا ان كنا بالفعل قد وضعنا في أولوياتنا رفع المعاناة عن أبناء الشعب السوري وانهائها.

لقد أدركت بعض الدول العربية هذا التغير العالمي في موازين القوى، وها هي مصر الناهضة تنظر بعين الشك للسياسات الأميركية في المنطقة وتدرك حجم الفوضى الذي ساهم في تراجع اقتصاد الدولة ومؤسساتها عشرات السنين للوراء. هذا وتشير التقارير الواردة من مصر الى أن القيادة المصرية الجديدة ستحرص على اشراك الجانب الروسي كحليف استراتيجي في المرحلة المقبلة.

أما بخصوص سورية فيبدو بأن الحل الروسي لها هو الأكثر عقلانية وواقعية. لم يشترط الروس في البداية ضرورة ترشح بشار الأسد للانتخابات، ولكن، وأمام هذه البدائل الارهابية الخطيرة التي ستجر المنطقة لمزيد من العنف والاحتقان الطائفي، لم لا يتم التعامل مع بشار أو أفراد حزبه تماما كما يتم التعامل مع الآخرين من قبل الغرب؟ أما الشرط الذي وضعه الكرملين لهذا فكان الانتقال السلمي. لا يمكننا أن ننسى في هذا السياق فشل كل الحلول السياسية اقليميا ودوليا، ولذا أصبح لا بد من التمسك بالجهة الوحيدة التي حفظت سورية من التدمير والعنف ووفرت سبل الاستقرار على مدى عقود كثيرة.

للموقف الروسي تجاه القضية السورية ما يبرره أيضا، فلقد أدرك المواطن السوري العادي المخطط الدموي الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وما فعلته أميركا من تردد مخيب للآمال في مصر دفع الشعب المصري ثمنه وهو الضحية، لقد كان ذلك السبب الحقيقي وراء اندفاع السوريين للتصويت للرئيس بشار الأسد. الموقف الروسي ليس سوى صدى لرغبة الشعب السوري في الحفاظ على قيادته.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث