جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 09 أبريل 2013

البؤساء!

أمارس رذيلة الكتابة منذ مدة طويلة لدرجة أنها تحولت الى » عادة « أمارسها في » السر « بيني وبين نفسي كلما أحسست بألم في » وطني «، حتى قررت أن أجاهر بالمعصية وأنشر هرطقاتي على صفحات الجرائد، واضعاً » رقبتي « الطويلة نسبياً تحت رحمة مقصلة القراء.
وعلى أية حال فأنا واحد من الذين حكم عليهم برؤية الأمور من زاوية فسفورية فاقعة، لذلك فأنا أحمل في جعبتي كماً من حكايات » البؤس « تكفي لكي تجعل العالم ينسى رائعة الأديب الفرنسي فيكتور هيوغو »البؤساء«.
كان جارنا » الشايب « رحمه الله نسونجياً من الطراز الأول لذلك قررت الحكومةتعيينه » حارساً « لمدرسة ثانوية للبنات، نكاية فيه، وهو الرجل الوحيد الذي أعرفه والذي أتاحت له الأقدارللعمل في مكان يناسب » تطلعاته «.
فحكومتنا الودودة تعتنق فكراً » طرطنقياً « يعتمد على مبدأ »ضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب ليتحول ذلك الرجل الى غير مناسب« يعني وباختصار »فين أذنك يا جحا«، و»اللي ما يعرف الصقر يشويه«.
أعرف دكتورة كويتية كانت تحاضر لنا أيام الدراسة، ذكرت لنا مأساتها وهي تحدثنا عن الطموحات والآمال العظيمة التي يعيشها الطلبة أثناء سنوات الدراسة، وقالت إنها حاصلة على تخصص يعد نادراً على مستوى الشرق الأوسط في الكيمياء من جامعة أميركية عريقية، وبعد تخرجها وعودتها للكويت خاطبت المسؤولين في قطاعات الحكومة المختلفة ليوافقوا لها على إعداد مختبر للابحاث متعلق بموضوع دراستها، لكن السادة المسؤولين قرروا تعيينها في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب لتدريس مواد الكمياء والأحياء، ووعدوها أن يخصصوا لها مختبر العلوم في احدى كليات التطبيقي لتمرح فيه وتسرح على »كيفها«.
ودعوني أخبركم أيضاً عن صديق لي أيام الدراسة الثانوية شاب كويتي كان حلمه أن يمتلك مصنعاً للسيارات يقوم فيه بتصنيع السيارات الكويتية والتي يضع تصميمها بنفسه فقد كان صديقنا محترفاً في رسم صور السيارات ومحركاتها وكل ما يتعلق بها، ولم تسلم طاولة من طاولات الصف من أنامله حيث زينها برسمة لسيارة من رسوماته المبدعة.
و بعد سنوات من »الغلب« في دنيا حكومات الكويت رأيت الشاب ذاته صاحب حلم مصنع السيارات وكنت لم أره منذ ما يقارب احدى عشرة سنة، يعمل » سيكيورتي « في إحدى المنشآت النفطية، وتبادلت معه حديثاًطويلا أخبرني فيه أنه أصبح أباً لثلاثة أطفال ويسكن في شقة ايجار في المهبولة، وعندما سألته عن حلمه في أمتلاك مصنع سيارات، أجاب بابتسامة ذابلة »لسه فاكر«.
ولم أكن بحاجة لأكثر من تلك الابتسامة التي تحمل من »البؤس« ما الله به عليم لأفهم أن الدنيا والحكومة تعاونا على ذلك الشاب و»هتكا عرض« أحلامه وطموحاته حتى استكان وتقبل مصيره بكل »أريحية«.
أعرف خياطاً باكستانياً ثرثاراً لا أزال أتردد عليه منذ زمن طويل، قال لي ذات مرة وبالحرف الواحد »ولد مال أنا بيزنس مان، فيه ثلاثة محل داخل بلاد مال أنا«، عندها ترقرقت الدموع في عيني وخرجت من محل ذلك الخياط كعذراء خٌدش حياؤها وقاومت رغبة ملحة في البكاء حيث كانت لي أحلام وطموحات في أن أصبح »زي اسمه أيه« أقصد ذلك »الهامور« الكويتي المعروف الذي نشأت وأنا أرى صورته في الجريدة والذي كنت أحلم أن أكون مثله عندما أكبر، كنت عندها في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمري، وبعدسنوات من الصراع مع وزارة التجارة والشؤون والبلدية، شنقت أحلامي وطموحاتي نفسها على باب فيلا ذلك »الهامور« ولم أجد أمامي سوى ممارسة رذيلة الكتابة تلك العادة التي لم يعد بالامكان الاقلاع عنها.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث