جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 14 فبراير 2013

ثقافة التظاهر

تقول الدساتير المحترمة أن حق المواطن في الاختلاف مكفول والتظاهر محمي بالقانون وعبره، وهذا يعني أنك في أم الديمقراطيات الغربية، واسمحوا لي أن أمنحها لدولة الانكليز؛ يتوجب عليك كجهة منظمة للمظاهرة أن تحصل على تصريح لها من وزارة الداخلية، وبالتالي ستكون حقوقك وحقوق الشارع والمارة ومن يتفق معك ويختلف مكفولة بحكم القانون، بل محمية بعساكر مهمتهم ألا يخرج المتظاهرون عن المسار المفروض لمسيرتهم، وألا تتعدى على أحد، وألا يحرمها حقها أي كان.
هذا في بريطانيا أما في الدول العربية ما قبل الربيع العربي، فاجتماع خمسة أشخاص في مجموعة قد »يوديك في داهية«، ولا أستبعد أن تتهم بالتخطيط للانقلاب على نظام الحكم خصوصاً ان كنت يسارياً أو اسلامياً، فكلاهما يشكل لأنظمة الشخص الواحد هاجساً لزوالها.
بعد أن أينع الغضب العربي وأثمر وتمخض عنه ربيعاً عربياً بدأ في تونس، ونال من مصر واليمن وليبيا، كما سورية على الطريق، بدأت تطفو على سطح الديمقراطية العربية المستجدة مظاهر »همجية سياسية« وعشوائية وديكتاتورية ملفوفة برداء »الشعب يريد«، تطالب بها الجماهير المحتجة في كل وقت، ولن أظلمها ان قلت أن نسبة لا بأس منها »لا تعرف ماذا تريد«، ولم تعتصم وتقذف الشرطة بالحجارة؟ كما أن لا مبرر لها لأن تقتحم مقرات الحكومة وتحرقها وتنهبها، لأنها نفس الجهات التي يطالبها الشعب بمد يد المعونة له، والتي ان كبلها وقيدها فلن يجد بالتأكيد من يرعى مصالحه، ثم بصراحة لم العجلة؟ فهم كمن صمت دهراً ثم نطق كفراً.
التغيير المنشود لن يحدث بين يوم وليلة، ولن يفسد المصلحون ما دمره المفسدون ونهبوه على مدار عقودٍ طويله، كان الشعب فيها يخرج مطبلاً للحاكم ومبجلاً له، معدداً صفاته وأخلاقه وملوحاً له باليمين: سر ونحن وراءك، ولكن وفجأة وبعد أن انكسرت الجرة وهرب من هرب وسجن، يفقد الشعب صبره الذي اكتسبه على مدار السنين، ويصر أن يجعل من وطنه كطوكيو وبرلين في غضون شهور، فيما لا يعلم أن الأخيرتين احتاجتا لعشرات السنين من الجهد الدؤوب حتى يصلوا لما وصلوا اليه، والذي يبدو لي أن شعوب الربيع العربي لن تصل اليه طالما امتهنت السياسة قبل أن تتعلم كيف تعيش وتبني دولةً مدنية حضارية صناعية وزارعية، يكفيها ما تزرعه من قمح لاطعام شعبها بدلاً من أن تستورده من روسيا وأميركا، فتفقد احتياطيها من العملة الصعبة، كما ستخذل فلاحيها ومزارعيها، وتضيع على نفسها فرصة خلق وظائف جديدة، تقلل من نسبة البطالة، وتقدم فرصةً لاقتصاد الدولة ليكون معتمداً ذاتياً على نفسه، وليس اقتصاد خدمات، يعطي المواطن بيد ويأخذه منه بالأخرى.
اقتصاد الخدمات ليس عيباً ولا عاراً خصوصاً ان كانت الدولة غربية وبالخصوص اسكندنافية، حيث يدفع المواطن نحو 60٪ من دخله ضرائب للحكومة، ولكنه في المقابل، يعيش حياة هنية ومستقر ومكفولٌ له بموجبها كل الحقوق التي تتخيلوها ولا تتخيلوها.
مشكلة الشعوب العربية أشبهها »بالبالون«، تستطيع أن تملأه بالهواء كيفما شئت، ولكن مع قليل من التنفيس كل فترةٍ وفترة، وان حافظت على النمط بعناية، فسيحيا معك فترة طويلة، لكن ان كنت أرعن غير مكترث، فقد تنفخه لفترةٍ طويلة، لكني أؤكد لك أن هذا »البالون« سينفجر في وجهك بعد فترة ولن تستطيع لملمته وجمع بقاياه، لأنه حينها يكون قد نال طعم الحرية، وسيأبى أن يعود كما كان حتى لو سببت ثورته أن ترجعه عشرات السنين للخلف بدلاً من الأمام.

الأخير من عماد العالم‮

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث