جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 28 سبتمبر 2012

الحل الأخير

هناك سبب واحد يدفع النظام في دمشق الى أن يواصل غطرسته ويوغل بالمزيد من دماء الأبرياء.
لا يملك هذا النظام، وقد أثبت أنه نظام أرعن، سوى دعم ايران وروسيا والصين له. ولولا هذا الدعم لما كان بوسعه أن يواصل العناد، ولا أن يحول الحرب ضد شعبه الى أعمال ابادة يومية.
لقد قدمت الجامعة العربية مبادرات عدة للحل. واتخذت العديد من القرارات، حتى فاض بها الكيل، فلجأت الى الأمم المتحدة، سعيا وراء ضغط دولي لعله يجبر الرئيس بشار الأسد وجلاوزته على أن يدركوا أن وقت قد نظامهم قد أزف، وأن ترتيب شؤون الرحيل هو خير ما يمكن أن يفعلوه لأنفسهم.
ولكن، حتى بعد أن أدرك قادة النظام في دمشق تلك الحقيقة، فقد وظفوها في الاتجاه المضاد تماما: تحويل المواجهات مع شعبهم الى مجزرة تنتقل من مكان الى مكان.
لا حاجة للعويل. فالدماء التي تفور وتتناثر، كل يوم، لم تبق مكانا حتى للصراخ. فقد اختنق في حناجرنا الصوت. واختنق البكاء نفسه.
وثمة من هول الصدمات ما يدفع الى الجنون. ولكن بعد الجنون، لا بد للعقل أن يملي نفسه على الخيارات السياسية القليلة المتاحة للخروج من هذه المحنة.
هل تتيح المساعي الدولية والضغوط العربية، ومنها بعثة الأخضر الابراهيمي، فرصة للحل؟
اسألوا الابراهيمي نفسه، وسوف يقول لكم ان مهمته مستحيلة. فنحن أمام نظام لا يقبل أي اصلاح، ولا يستطيع العيش مع أي تغيير، ولا يمكنه أن يقدم لشعبه أي تنازل. لأنه يؤمن (وايمانه صحيح) بأن أي تغيير وأي تنازل، مهما كان ضئيلا، سيكون ايذانا بنهايته.
هل يمكن لأي تغيير أن يبدأ بأقل من اطلاق سراح السجناء السياسيين والكف عن ملاحقة المعارضين بانماط شتى من التهم السوريالية من قبيل »اشاعة الوهن في نفسية الأمة«؟
اذا كان لا يمكن، واذا كان الكفُّ عن نظام الملاحقات شيئا أقل من القليل، فان نظام دمشق سيظل يجد في تغيير طفيف كهذا تهديدا لوجوده. لماذا؟ لانه نظام لا يتحمل وجود معارضين غير مكممين. ولانه لا يتحمل كلمة نقد واحدة. ولانه لا يستطيع العيش من دون ارهاب وتخويف.
فبأي معنى من المعاني يمكن لهذا النظام أن يقبل بأي تغيير؟
أي اصلاح، مهما قل شأنه، هو مطلب مستحيل، بالنسبة لنظام عاش على القهر والظلم والتعدي على حقوق مواطنيه.
لو أمكن لهذا النظام أن يوقف جلاوزته عن العيش على الرشوة واعمال السلب فقط، فانه سينهار بعد أقل من 24 ساعة. ليس لأن سلطة اللصوص ستعجز عن وقف اللصوص عند حدهم، بل لأن اللصوص أنفسهم سوف يتخلون عنه، وسيكون أربح لهم أن ينتقلوا الى صفوف المعارضة ليصيروا من مناضلي آخر ربع ساعة ممن نراهم اليوم.
الحقيقة، هي أن هذا النظام، لا يستطيع، بأي حال من الأحوال، الا أن يفعل شيئا واحدا، هو أن يغري شبيحته بأن منافعهم ستعود الى سابق عهدها، وأنهم سوف يتمكنون من سحق تمرد شعبهم لكي يستردون كل ما خسروه في هذه الأزمة.
اذا، لا أمل بأي حل عن طريق تقديم التنازلات أو التسويات.
العمل العسكري، من جانب آخر، يبدو عملا فارغا.
لا توجد دولة في العالم ترغب أو تستطيع أن تخوض حربا لاسقاط هذا النظام بالقوة. ليس بسبب التوتر الدولي الذي قد ينشأ عن أي مواجهة عسكرية، بل لأن الدفع في هذا الاتجاه سوف يؤدي الى اغراق الدول التي تشارك في الحرب في مستنقع لا مخرج منه. وهذا المستنقع، سيكون كفيلا باستنزاف طاقات وموارد هائلة، دون طائل، لاسيما في بلد لا يملك الكثير من الموارد لتقديم التعويض.
المقاومة المسلحة الداخلية قد تبدو وكأنها خيار أخير، الا أنها في ظل تفوق الامكانيات التي يتمتع بها النظام، وفي ظل استمرار الدعم الايراني - الروسي - الصيني له، سوف تعني حربا طويلة الأمد؛ سوف تعني نزفا لا حدود له، كما أنها سوف تعني خرابا وتفككا يدمر كل فرص المستقبل لبناء نظام يتمتع بأدنى المؤهلات السياسية والأخلاقية للحيلولة دون قيام المتنازعين فيه بأعمال انتقامية ضد المزيد من الأبرياء.
حركة الهجرة المتزايدة، والتي تطال اليوم نحو 3 ملايين انسان تكشف عن شيء لا يلاحظه الكثيرون. وهو أن المقاومة المسلحة تنتحر. فالناس الذين يلوذون بالفرار من أعمال القصف، انما يلوذون بالفرار من مسؤولياتهم في مواجهة الآلة القمعية أيضا. وهذا يزيد في عزلة تلك المقاومة، ويحولها الى جيوب أو فقاعات مسلحة يمكن استئصالها بالتدريج.
وهذا أمر لا أفق فيه، ولا يقدم وعدا بـ»حرب تحرير« كما يزعم الزاعمون. انه يقدم وعدا بشيء واحد فقط: تحويل سورية الى مستنقع خائفين، من ناحية، ومستنقع هاربين، من ناحية أخرى.
في وضع كارثي كهذا، لا يوجد الا حل وحيد. هو أن تتخذ الجامعة العربية قرارا قد يتطلب القليل من الشجاعة، الا أنه ممكن وعملي وناجع في الوقت نفسه.
فمثلما تجرأت الجامعة على أن تطرد سفراء سورية، وأن تسحب سفراءها من دمشق، ومثلما تمكنت من تعليق عضوية دمشق في الجامعة، ومثلما تمكنت من فرض عزلة دولية متزايدة على النظام، فانها تستطيع أن توجه انذارا صارما لايران وروسيا والصين، بقطيعة دبلوماسية شاملة ما لم تتوقف عن دعم هذا النظام الأرعن.
أفعلوا هذا، ولسوف يعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث