جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 07 مايو 2012

قانون الضحك على اللحى

لم أشأ تعجل التعليق على الاقتراح بقانون بتعديل بعض مواد قانون الجزاء بهدف تغليظ عقوبة المساس بالذات الالهية والأنبياء والرسل، تريثاً مني لما ستسفر عنه مناقشات مجلس الامة لهذا المقترح، والسبب الآخر الذي أثناني عن الخوض في المسألة منذ يوم اثارتها هو حرجي من الحديث في مسألة دينية حساسة من الراجح أن يؤول فيها الجاهل قولي على غير مقصده، أما وأن مجلس الأمة قد طوى بالأمس هذه الصفحة وحسم رأيه من الاقتراح، وانتهى به المطاف الى صيغه نهائية جاءت مُفرغة في مادتين، نصت الاولى على أن »يعاقب بالاعدام كل مسلم طعن علنا، بالذات الالهية او القرآن الكريم او الانبياء والرسل او طعن في عرض الرسول | او في عرض ازواجه اذا رفض التوبة وأصر على فعله بعد استتابة القاضي له وجوبا ويعاقب بالعقوبة ذاتها من ادعى النبوة«، أما المادة الثانية فقد نصت على انه »يجوز للمحكمة، النزول بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة الى الحبس المؤقت، اذا اعلن الجاني امامها بارادته الحرة عن ندمه وأسفه عن جرمه وتعهد بالتوبة عنه شفاهة وكتابة وبعدم العودة الى ارتكابه مستقبلا«.
كما ان حرجي من الخوض في المسألة قد بددته احدى الصحف عندما باغتتني الاسبوع الماضي بسؤال عن رأيي في المسألة، ومن طبعي غالباً الاجابة عن الاسئلة الحرجة والمثيرة متى دُفعت اليها.
أما بعد.. فلن أقدم لرأيي في الاقتراح بتأكيد محبتي وغيرتي على المصطفى حبيب الرحمن صلى الله عليه وسلم، فهي عقيدة راسخة وشعور متأصل عند كل مسلم لا يحتاج الى توكيد، ولن ينازعني فيه أو يشكك بصدقه الا كل أحمق أرعن، وانما أقول بأن الصيغة النهائية التي توصل اليها مجلس الامة لا تعدو عن كونها كمامة لسد أفواه الناخبين المطالبين بدم (حمد النقي) المتهم بالاساءة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والخاضع للمحاكمة حالياً ولم يفصل القضاء في أمر اتهامه بعد.
فالقانون عبارة عن اكذوبة وضحك على الذقون اذ جاء مُفرغاً تماماً ومحروماً من أهم عنصر فيه ألا وهو عنصر الردع والزجر، وجاء هذا التفريغ على يد عبارة » اذا رفض التوبة « الواردة في متن الاقتراح، فهذه العبارة تفح الباب على مصراعيه أمام كل مسيء للخالق عز وجل أو لأحد أنبيائه ورسله بالتملص بيسر من العقاب المقرر في الاقتراح والذي يصل الى حد الاعدام أو السجن المؤبد بمجرد اعلان توبته بين يدي القاضي اثناء محاكمته، وبالطبع لن يتورع أبداً من تسول له نفسه فيتجرأ على العزيز المقتدر جل علاه أو على نبيه صلى الله عليه وسلم عن اعلان التوبة كذباً لمجرد النجاة برقبته من طوق المشنقة والهرب بنفسه من سجن المؤبد.
وبالتالي فالقانون بحسب صياغته المقترحة مجرد حبرٌ على ورق، بل أنه أضعف وأوهن من القوانين السابقة عليه، فالاستتابة المنصوص عليها في المقترح الحالي لا وجود لها في القوانين الواردة في قانون الجزاء وقانون المرئي والمسموع والتي تعاقب على ذات الفعل، وبينما يتمتع الجاني في المقترح الحالي بفرصة الفرار من العقاب بمجرد اعلان التوبة وان لم يؤمن بها قلبه، فان هذه الرخصة لا وجود لها في تلك القوانين، وهو ما يقودنا لنتيجة مفادها أن هذا التعديل ما هو الا ردة فعل متسرعة ارضاءً لرغبة ناخبين ساخطين، انتهت بالنواب لصياغة ركيكة لا تحقق الغاية من الاقتراح بقانون، بينما الأصل في صياغة القوانين التأني والاحكام بعد دراسة مستفيضة، لتعلقها بحياة البشر ولكونها عنوان تقدم الشعوب، وكلما كانت القوانين رصينة كلما استقرت معها أركان الدولة المدنية.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث