جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 16 أبريل 2012

تشريعات التكسب الشعبي

كثيرون هم المسيرون بالعاطفة فقط، وترسم طريق تصرفاتهم من دون تعقل وتدبر في بواطن الأمور، وهؤلاء دائماً ما يكونون فريسة للمتصيدين ولقمة سائغة بفم المنافقين والدجالين، فبالعاطفة يمكن أن تدفع بإنسان لارتكاب حماقات ما كان ليأتيها أبداً لو أنه غلب عقله وتدبر أمره، وأبشع صور استغلال العاطفة عندما يكون الدين وقودها والعقيدة محركها، فباسم الدين وخدمةً للعقيدة قتل الانتحاريون انفسهم في تفجيراتهم، وزهقوا معهم أرواح أطفال ونساء وكهول أبرياء، طمعاً في جنات خلد وحور عين وعدهم بها مصاصو دماء البشر الذين استطاعوا بفضل استغلال عقيدة هؤلاء السفاء أن يحولوهم إلى أدوات قتل مُسخرة بأيديهم لتحقيق مآربهم الخبيثة.
وأذكر كيف كنا قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أي قبل تغيُر لغة الخطاب الديني في المساجد من اللغة المتشنجة إلى اللغة الهادئة، كيف كنا نخرج من بيوت الرحمن عز وجل عقب انفضاض صلاة الجمعة، فنرى أغلب الناس من حولنا زناديق وفساق وأعداء للأمة الاسلامية يستحقون القتل، على إثر خطبة مدوية مليئة بالصراخ، شحنت المصلين وسممت عقولهم المستسلمة لكلام خطيب المسجد، بأفكار بغيضة بعيدة عن سماحة الاسلام وحلمه، وعن سنة نبي الأمة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
في حلقة من حلقات مسلسل »طاش ما طاش« صور الممثل والفنان ناصر القصبي الدجل الديني بطريقة ساخرة أصابت الهدف في الصميم، وعبرت عن الفكرة بصورة مبسطة للمشاهد العادي، وبدأت حكاية حلقته عندما أصابه طفح جلدي في وجنتيه، فنصحه الطبيب المعالج بإطلاق لحيته، وعندما فعل، تفاجأ باحترام الناس له وتقديمه إلى صدور المجالس، بعد أن كان منبوذاً لا يقيمون له وزناً بينهم، فاستحسن الأمر وزاد من اسبال لحيته وتقصير ثوبه، وصار في نظر من حوله شيخ دين مُبجلاً، عندها استغل حسن ظن الناس به واحترامهم له في ترويج بضاعة فاسدة عبارة عن دهن عود مخلوط بزيت السيارات، وبالفعل راجت بضاعته بفضل لحيته وقصر ثوبه، رغم فسادها وشرها، وبارت بضاعة جاره حليق اللحية رغم طيبها.
ما اكثرهم الذين يشبهون شخصية ناصر القصبي في هذا الزمان، ممن يستغلون الدين والعقيدة لترويج بضاعة فاسدة غايتها التكسب الشعبي، ضماناً للبقاء على الكراسي الفانية.
لا ريب ولا شك في حبنا لهادي الأمة صلى الله عليه وسلم، فبأبي وأمي أنت يا رسول الله، لكن عندما يشرع النواب بسن قانون لتعزير كل من تسول له نفسه مس أو تجريح المصطفى حبيب الرحمن، فلا بد أن يخرج هذا القانون مدعوماً بأساس علمي وفقهي، وبعد دراسة متأنية متبصرة في آثاره، بعيداً عن اللعب على وتر العاطفة الدينية، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى خطورة العقوبة المرصودة جزاءً للفعل والتي تصل لحد الإعدام والسجن المؤبد.
لا نريد لأحد أن يراهن على حبنا لنبينا، ولا نريد لأحد أن يستغل الدين في ترويج بضاعته علينا، نريد من حكمة وتدبر وتأن في امورنا العامة.
في الختام، فإن لم أكن مخطأً فأنا لم أسمع بأن أحداً من الصحابة أو التابعين أو من جاء بعدهم قتل انساناً قبل استتابته بسبب التعدي على الرسول صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث