جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 13 أبريل 2012

المذهب الإنسانية وأفول دولة القانون

لعله من الطبيعي أن مفهوم دولة القانون بكل تجلياتها لم يترسخ بعد في ذهنية المجتمعات العربية باختلاف منابتها وألوانها ولم يتبلور بشكله الصحيح الذي صك هذا المفهوم لأجله، ولم يأخذ مكانه - أي المفهوم - ووضعه الطبيعي بين قائمة المفاهيم التي أنتجتها الثقافة العربية في أطوارها التاريخية المختلفة وصاغتها وعملت على بلورتها بشكل ينسجم والبنية الثقافية والفكرية العربية، ولأن مفهوم دولة القانون مفهوم لم تعمل الثقافة العربية أساسا على صياغته وانتاجه وليس فقط الدول الاسلامية أيضا بل استوردته معلبا جاهزا من دون طبعا - كتلوج - ان جاز التعبير يوضح طريقة عمل آلياته المختلفة من » سيادة القانون والحريات والمساواة والحقوق والواجبات،الخ« لذلك فهو عصي على التطبيق العملي في بيئتنا الثقافية في الوقت الراهن على أقل تعديل.
ولعله أيضا دور المحيط البيئي الأسرى والمجتمعي الذي عمل على تأسيس وصقل بنية العقل العربي المركبة وثقافته على الصعيدين السياسي والثقافي على أقل تعديل، فلم يعد يستطيع أن يتناغم والبيئة الجديدة التي أحد ركائزها كسر هيمنة الأسرة والقبيلة والعمل على انضوائهما بالتالي في الدولة - أي دولة، وبهذا المعنى فأنني - والحق أقول - لا استغرب اطلاقا اذا ما اكتنف الغموض والضبابية للمفاهيم العصرية المستوردة وأخذت هذه الضبابية والغموض في التمدد والاتساع منطلقا من الساحة الثقافة الشعبية الى أن وصلت خيوطه الى جسد السلطة ذاتها ضاربة من بين أيديها سدا ومن خلفها سدا فأغشاها فهي لا تبصر ولا ترى ولا تعي الأضرار المترتبة على ذلك. فلهذا ما عادت هذه الأخيرة التمييز بين الدور المنوط بها من ضبط الأمن وتطبيق القانون على الجميع بدون استثناء،الخ وبين ترك الحبل على جرار الضعف والوهن الذي دب فيها وبالتالي ايلاء أمور السلطة وآليات عملها ليس فقط للمؤسسات المختلفة فحسب ولكن حتى الأفراد صاروا يتلاعبون بهذه السنة الكونية التي تبلورت منذ فجر التاريخ ودخلت في أطور ومراحل عديدة ومختلفة، وما الحروب والصراعات التي دارت رحاها على طول التاريخ البشري والانساني الا من أجل أن تأخذ المفاهيم والنظريات مكانها في التطبيق على أرض الواقع لتنتشل الانسانية من نير الظلم والاستبداد بمختلف أشكاله وألوانه !.
وبمعنى من المعاني انقلبت الأمور رأساً على عقب وتبدلت الأدوار تبدلا دراماتيكيا غير مسبوق، فصار الأصل استثناء والعكس بالعكس الأمر الذي ساعد على تفشي ظاهرة النزعة الفردية في المجتمع وتكريسها ثقافة يتباهى بها المتباهون على حساب الدولة والمجتمع برمته والتي أوصلتنا بدورها الى نير الفوضى الخلاقة التي لا طائل من تحتها غير الدمار والخراب، وتفتيت المجتمع بفعلها الى جزر متناثرة لا يربطها رابط. فلزم هذا في المقابل تكريس الذهنية الفردية وثقافة الأنا على حساب الثقافة المجتمعية، ولم تُعتم الثقافة الفردية بدورها أن قبضت على ناصية القانون - لكي لا أقول السلطة - مما أدى الى تمردها وتحطيمها الروادع والزواجر القانونية والدستورية والأعراف المعمول بها في هذا المجتمع أو ذاك. هذا النوع من الظواهر الطارئة أشد سريانا بالعدوى كما هو معلوم، فهذا يعنى بالضرورة الحتمية أن السلطة ليست فقط غير قادرة على الامساك بناصية القانون وفرضه بالتالي على سائر المجتمع، بل أنها أيضا اكتفت - على ما يبدو - بالنظر والمراقبة فحسب، وتركت سفينة المجتمع المتهرئة سلفا أن تتخبطها رياح الأمزجة الفردية ومصالح الجماعات الضيقة لهذا الطيف السياسي او ذاك التيار الديني - فهي تجري على عواهنها - والاشارات والدلائل في هذا الصدد كثيرة وواضحة أكثر من وضوح الشمس في رائعة النهار. فلنضرب على ذلك الانفراط مثلا بالأمس القريب أحد الأفراد انبرى لتطبيق القانون بأم نفسه على من تسول لها نفسها بزيارة احد الأماكن العامة، وهدد وتوعد ضمنيا تارة، وطورا صراحة بانزال العقاب عليها ضارباً بعرض الحائط الدولة وقوانينها. فهذا المنهج الجديد في السياق الكويتي لاشك كناية عن تنازل السلطة تماما عن مسؤولياتها لصالح الافراد وذيوع ثقافة الفوضى بين أفراد المجتمع الواحد وهي كناية - بدون شك - عن قرب أفول نجم دولة القانون وظهور نجم الدولة الفوضوية وانبعاثها مرة أخرى من رمادها.وفي تصورنا ان هذا التخبط غير المنضبط من السلطة مرده الى وقوعها واستسلامها لنير المذهب الانسانية البائس الذي يقول عنه ذوو الاختصاص »»زيادة اقتراف الجرائم على الخصوص هو انتشار مذهب الانسانية الذي يشل حركة انزال العقاب ويسير بالناس الى كسر جميع الروادع«.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث