جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 04 أبريل 2011

الحريات في الإسلام

مشعل الصباح

المتساهلون يصفون المتمسكين بالدين والوسطية بأنهم متشددون وغلاة ومتطرفون، ويرون الإباحية والتحلل من الدين والأخلاق تقدما ورقيا وحضارة، ويقولون ان التمسك بالدين فيه كبت للحريات وعائق عن الانطلاق مع الحضارة العالمية. ان الإسلام دين يعلي من قيمة الإنسان وأعطاه القدر الكافي من حرية التصرف على الأرض والقدرة والإرادة على فعل الشيء ونقيضه. وكذلك احترم الإسلام حياة الإنسان، واعتبر من أحياها كأنما أحيا الناس جميعا، ومن قتلها متعمدا كأنه قتل الناس جميعا وجزاؤه جهنم. وان النفس في الاسلام تشمل نفس الجنين الذي دبت به الروح والكبير كما ان الاسلام لم يترك النفس لتصرف الإنسان فإنه يعاقب المنتحر لأن حياته هبة من الله ولا يحق له ان ينهيها إلا بمشىئة الله.
كذلك الاسلام لم يسمح للبشر ان يعبدوا الأصنام ولا بشرا أمثالهم، ولم يرض لهم الذل لغير الله الخالق، وأعلى الاسلام من شأن عمل المسلم واهتم به اهتماما أساسيا وجعل عمل الناس مربوطاً بمصيرهم، ففي سورة الروم قول الله تعالى: <ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون>، وفي الحديث الشريف: »كيفما تكونوا يولَّ عليكم«.
كذلك جعل الاسلام الرأي والعقيدة ثمرة حقيقية لنتاج فكر الإنسان فلا إكراه لإنسان في اتباع شيء إلا باقتناع تام ولا تعذيب ولا يفرض على أحد عقيدة معينة إلا بالتفكير، فبالنسبة لاتباع دين الاسلام يقول تعالى: <لا إكراه في الدين>.
وجعل الاسلام النية الحسنة روح العبادة: <إنما الأعمال بالنيات>، فالنية هي التوجه الحقيقي المعبر عن حقيقة الفرد لذلك الاسلام يجعلها روح العبادة والأعمال كلها.
أما بالنسبة لعلاقة المسلم بالمجتمع فالاسلام أرسى دعائم التعاليم والقواعد والأسس التي تربط علاقة الإنسان بالمجتمع، فهي علاقة تكامل وتكافل ومبنية على الرحمة والخدمة وفي ذلك ثواب من الله على كل عمل خير يؤديه المسلم تجاه المجتمع وهي رسالة الاسلام في حقيقة الأمر. فالاسلام أجزل الثواب لكافل اليتيم والمنفق في سبيل الله والمتصدق وجعل الزكاة التي هي أساس التكافل في المجتمع ركن من أركانه.
أما عن علاقة الإسلام بالأديان السماوية الأخرى فإن الاسلام يرى ان الدين كله لله وأنه دين واحد ولكن الاختلاف ليس في جوهر الدين إنما الاختلاف في شكل العبادات والعقوبات وغيرها، فالإسلام يؤمن بجميع الرسائل السماوية السابقة وبجميع الأنبياء وأنهم جميعا جاءوا بالحق وان خاتمهم محمد |، وقياس الأفضلية عند المسلمين هو التقوى والعمل الصالح.
ان علاقة الاسلام بالإنسانية علاقة طيبة تحترم الإنسانية، وجميع الدول التي فتحت على أيدي المسلمين العرب أصبح الدين الاسلامي ظاهراً ومسيطراً على كل الأديان الأخرى، ومع ذلك لم يكن المسلمون الفاتحون رجالاً متخصصين بالدعوة مثل القساوسة والرهبان في المسيحية مثلا، وذلك لأن أخلاق المسلم الحق تظهر جلية أمام الكثير من الناس فيقتنع بالاسلام بلا حاجة الى ادلة أو إجبار أو غير ذلك فإن أخلاق المسلمين هي السبب الرئيسي في الانتشار السريع للإسلام.
ففي مصر مثلا اتبع الدين الاسلامي الكثير من المسيحيين في الوقت الذي لم يكتمل الفتح الكامل لمصر وكانت أجزاء كبيرة ليست تحت سيطرة المسلمين، بل قام الذين أسلموا بالانضمام الى صفوف المسلمين ومعاونتهم وكان منهم الرهبان أيضا فيوحنا راهب دير سيناء اتبعهم وحارب معهم في بداية الفتح الاسلامي في مصر حتى ان الجزية التي كان يجمعها المسلمون كانت تقدر لاعتبارات إنسانية وكان يعفى منها الشيوخ والأطفال والإناث والذين لا يعملون، بالاضافة الى انها كانت تؤخذ مقابل تأمين أنفس وأموال أهل الذمة الذين كانوا يعيشون بحرية وأمان لأنهم في ذمة الاسلام.
وملأ الإسلام الدنيا عدلا وحكمة ورحمة، وهذا ما جعله ينتشر بهذه السرعة، وكان الاسلام يشرف على تطبيق العدل وكان أيضا يعتمد على الكفاءات من أبناء الوطن والبلدان المفتوحة، ففي مصر مثلا كان وزراء المالية منذ الفتح الى نهاية العصر الأموي من الأقباط وسمح للاقباط بممارسة شعائرهم ولم يضطهد أي مذهب من هذه المذاهب وكان يعتبر رؤساء الحكومات الذين يمثلون الخليفة من الأقباط وان الاسلام ساعد على إحياء اللغة القبطية مقابل اللغة اليونانية التي انتشرت في البلاد، ولم يأخذ الاسلام موقف المتعصب ضد الأديان الأخرى، ولكن كان دائما يعتمد على العقل وضرب النموذج الأمثل للحياة الصحيحة العادلة الاسلامية الحقة.
إن ما حدث اليوم من تخلي المسلمين عن أخلاقهم الحقة التي تعبر عن روح الدين الاسلامي والتي تعطي الجميع نموذجا ناجحا للحياة الصحيحة دفع الى حدوث الكثير من المسائل الشائكة التي اتهم بها الاسلام من ان الاسلام دين تعصب ويرفض جميع الأديان، وهذا خطأ، ومن ناحية أخرى نرى دعاة التحرر يتحررون من كل شيء حتى الدين.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث