الأربعاء, 07 أبريل 2010

الحصانة البرلمانية‮ ‬

د‮. ‬فالح العزب‮ ‬

كانت الرقابة البرلمانية سيدة نفسها في‮ ‬بداية الحياة البرلمانية بعد صدور الدستور،‮ ‬الا انه بعد الفرز الطائفي‮ ‬والقبلي‮ ‬والعائلي‮ ‬للدوائر الانتخابية اصبح النائب‮ ‬يتناغم مع الناخبين الذين‮ ‬ينتمي‮ ‬لهم وبرزت المنافسة بين اعضاء البرلمان من اجل الناخب،‮ ‬ولان بعضهم لا‮ ‬يملك رأيا او فكرا لذلك فانه‮ ‬يلجأ للاسلوب الاسهل للوصول إلى قواعده الانتخابية وهو اثارة النعرات وجرفت تلك المنافسة تيار الاثارة وطغى الخطاب الفئوي‮ ‬والطائفي‮ ‬والقبلي‮ ‬على الخطاب الثقافي‮ ‬والقانوني‮ ‬ما افقد الرقابة البرلمانية مضمونها وانحرفت عن المصلحة العامة،‮ ‬وبرز التعصب القبلي‮ ‬والديني‮ ‬والعنصري،‮ ‬ما نتج عنه السب والقذف العلني‮ ‬بين نواب مجلس الامة انفسهم مستغلين الحصانة البرلمانية لتصفية الحسابات الشخصية وجعل قاعة البرلمان منبرا لتلقي‮ ‬الشتائم والطعن في‮ ‬ذمة المواطنين‮. ‬
وسوف نوضح حدود الحصانة البرلمانية‮:‬
ان الحصانة البرلمانية قد تكون موضوعية اي‮ ‬تمنع المسؤولية وقد تكون حصانة اجرائية لحماية النائب من الاجراءات الجنائية التعسفية التي‮ ‬قد تلجأ اليها السلطة التنفيذية كنوع من الكيد له،‮ ‬لذلك فان الحصانة البرلمانية لها شق موضوعي‮ ‬وشق اجرائي‮ ‬وبالنسبة للحصانة الموضوعية فقد نص المشرع على هذه الحصانة حتى لا‮ ‬يسأل عضو مجلس الامة اثناء ادائه عمله في‮ ‬مجلس الامة وقرر ان عضو مجلس الامة حر فيما‮ ‬يبديه من الآراء والافكار بالمجلس او لجانه ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك بحال من الاحوال‮. ‬
ومعنى ذلك ان الحصانة وجدت لحماية النائب من كيدية الدعاوى التي‮ ‬قد تختلقها السلطة التنفيذية بقصد منع نواب مجلس الامة من اداء دورهم الرقابي‮ ‬والتشريعي‮. ‬
وليس من المنطق ان تكون الحصانة البرلمانية تشمل الجرائم التي‮ ‬يرتكبها النواب في‮ ‬داخل القاعة بين النائب وزملائه‮. ‬
وقد اقرت المحكمة الدستورية ان المجلس النيابي‮ ‬ليس منبراً‮ ‬تلقى منه المطاعن الشخصية على الوزراء او تناول امورهم الشخصية وخصوصياتهم بقصد النيل منهم أو التهجم عليهم او التشهير بهم‮. ‬
فالواقع ان جميع الحقوق لها حدود من حسن الاستعمال فاذا تجاوزت هذه الحدود انقلبت الى ضدها وفقد صاحبها الحق فيها‮. ‬ويذهب رأي‮ ‬راجح من الفقه إلى ان هذه الحصانة لا تهدف إلى ان تجعل من النواب طائفة من المواطنين‮ ‬يستطيعون عمل ما‮ ‬يشاءون دون مساءلة بل تهدف فقط إلى ان توفر للنواب الشعور بالحرية والطمأنينة اللازمتين لادائهم لمهام النيابة دون خشية ودون حرج،‮ ‬ومن ثم كان لنطاقها حدان أو قيدان فهي‮ ‬ليست مطلقة‮. ‬
فبالنسبة للقيد الموضوعي‮ ‬الذي‮ ‬يتعلق بنوع الافعال التي‮ ‬تشملها هذه الحصانة فهي‮ ‬لا تغطي‮ ‬سوى الافكار والآراء والاقوال التي‮ ‬يبديها النائب وتكون لازمة حتما لاداء وظيفته،‮ ‬ومن ثم فانها لا تشمل الجرائم العادية التي‮ ‬يرتكبها العضو مثل اعتدائه على زميل له داخل مقر المجلس او خارجه او تزويره في‮ ‬مضابط الجلسات او ما إلى ذلك مما‮ ‬يصدر من العضو دون ان‮ ‬يكون لازماً‮ ‬حتماً‮ ‬لاداء وظيفته‮. ‬
ويذهب رأي‮ ‬الى انه بالنسبة للقيد المكاني‮ ‬تقتصر الحصانة على الاقوال التي‮ ‬يبديها العضو في‮ ‬ِأثناء انعقاد جلسات المجلس أو لجانه،‮ ‬ولا تشمل الأقوال التي‮ ‬تصدر منه خارج جلسات المجلس،‮ ‬ولا تشمل عدم المسؤولية البرلمانية القذف أو السب الذي‮ ‬يصدر من العضو حتى لو كان ذلك في‮ ‬مبنى البرلمان نفسه‮.‬
وتختلف الحصانة عن عدم المسؤولية البرلمانية في‮ ‬أنها تشمل الجرائم التي‮ ‬وقعت خارج المجلس،‮ ‬أما عدم المسؤولية البرلمانية فتنصرف إلى جرائم الرأي‮ ‬والتعبير داخل المجلس،‮ ‬فالحصانة البرلمانية تغطي‮ ‬جميع أنواع الجرائم ما عدا حالة التلبس في‮ ‬الجرم المشهود‮.‬
أما عدم المسؤولية البرلمانية فلا تغطي‮ ‬سوى جرائم القذف والسب والبلاغ‮ ‬الكاذب التي‮ ‬تقع داخل المجلس،‮ ‬وتطبق عليه كافة القواعد القانونية التي‮ ‬تحكم الأفراد،‮ ‬دون اغفال لما‮ ‬يتمتع به النائب من حصانة برلمانية ضد الاجراءات‮.‬
وتعتبر هذه الحصانة حصانة مطلقة،‮ ‬أي‮ ‬انها تحصن النائب عن أقواله وأفكاره وآرائه في‮ ‬الحدود السابقة ضد المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية والمسؤولية السياسية،‮ ‬كما ان هذه الحصانة مستمرة أو دائمة أو ممتدة أي‮ ‬انها تستمر آثارها وتمتد حتى إلى ما بعد انقضاء العضوية أو انتهائها لأي‮ ‬سبب من الأسباب‮.‬
وفضلاً‮ ‬عن ذلك فهي‮ ‬من النظام العام،‮ ‬أي‮ ‬انه‮ »‬ليس للعضو ان‮ ‬ينزل عن الحصانة النيابية من‮ ‬غير اذن المجلس‮«.‬
وخلاصة القول فانه‮ ‬يجب نشر الوعي‮ ‬السياسي‮ ‬والثقافة القانونية خصوصاً‮ ‬بين بعض أعضاء البرلمان الذين‮ ‬ينتمون للمؤسسة التشريعية ولا‮ ‬يؤمنون بالديمقراطية أساساً‮ ‬للعمل المؤسسي،‮ ‬ويتضح ذلك من الممارسة الفعلية لنواب مجلس الأمة الكويتي‮.‬
كما ان العمل البرلماني‮ ‬بطبيعته عمل سياسي‮ ‬في‮ ‬المقام الأول ولكن في‮ ‬اطار قانوني،‮ ‬والعمل السياسي‮ ‬لا‮ ‬يتصف بالمثالية وحتى لا تتصف الحرية بالحرية السلبية‮ ‬يجب ان تتفاعل جميع السلطات مع الحفاظ على حقوق المجتمع،‮ ‬وذلك في‮ ‬اطار الديمقراطية المبنية على أساس المساواة في‮ ‬الحقوق والواجبات،‮ ‬لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على حكم الأكثرية أو نظام الفصل بين السلطات،‮ ‬بل تقوم أيضاً‮ ‬على ضمانات حقوق الأقلية،‮ ‬كما ان القانون لا‮ ‬يصنع الديمقراطية إلا متلازماً‮ ‬مع الثقافة السياسية في‮ ‬المجتمع‮.‬

الأخير من د فالح العزب

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث