الأحد, 31 مايو 2009

عودة للحالة بين الكويت والعراق

د.معصومة المبارك

لعقود عدة والعلاقات الكويتية ـ العراقية تتأثر وبشكل سلبي‮ ‬بالمطالبات والتصريحات التي‮ ‬يطلقها الساسة العراقيون،‮ ‬فمنذ الثلاثينات من القرن الماضي‮ ‬والتجاذب الحاد على الحدود‮ ‬يتصاعد وبشكل حاد بل وصل الأمر إلى التهديد بكينونة الكويت ووجودها‮.‬
وكنا نأمل بأن القرارات الدولية المعالجة للحالة بين الكويت والعراق والصادرة عن مجلس الأمن الدولي‮ ‬وتغيير النظام البعثي‮ ‬في‮ ‬العراق أن كل ذلك سيؤدي‮ ‬إلى انهاء حالة التوتر والتصعيد بين البلدين وأن العلاقات بينهما ستعود إلى علاقات قائمة على حسن الجوار والثقة المتبادلة ولكن في‮ ‬كل مرة‮ ‬يخفق ذلك الأول في‮ ‬ان‮ ‬يتحقق على أرض الواقع،‮ ‬وتتصاعد اللهجة الإعلامية المستندة الى تصريحات السياسيين وتعود الأجواء إلى التوتر وإلى تراجع مؤشرات الثقة وتراكم‮ ‬غيوم التشكيك واحتمالات المزيد من التصعيد‮.‬
آخر تطور في‮ ‬حلقات الحالة بين الكويت والعراق بدأ قبل اسابيع قليلة عندما أكدت الكويت على ضرورة تسوية الملفات العالقة بين البلدين وأن القرارات الدولية التي‮ ‬حكمت الحالة بين الكويت والعراق من الواجب احترامها واستكمال تطبيقها‮.‬
أدت هذه التأكيدات الكويتية إلى اثارة ردود فعل حانقة وغاضبة من الجانب العراقي‮ ‬واتهامات اطلقها رئىس الوزراء العراقي‮ ‬نوري‮ ‬المالكي‮ ‬بأن هناك دولاً‮ ‬تسعى إلى ابقاء العراق في‮ ‬اطار الفصل السابع من الميثاق وان هذه السياسات ستؤدي‮ ‬الى المزيد من التوتر‮.‬
مع كامل احترامنا لموجبات العلاقة الايجابية بين الكويت والعراق وبأنها مدخل حقيقي‮ ‬للاستقرار في‮ ‬منطقة شهدت الكثير والكثير من التوتر إلا اننا وبنفس القدر من الاحترام نؤكد على موجبات احترام القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي‮ ‬منذ القرار الأول رقم‮ ‬660‮ ‬والصادر في‮ ‬2‮ ‬أغسطس‮ ‬1990‮ ‬وحتى آخر قرار سيصدر لانهاء الحالة بين الكويت والعراق واغلاق التعامل الدولي‮ ‬بموجب الفصل السابع من الميثاق وبما‮ ‬يعلن عن ان العراق قد طبق كامل التزاماته الدولية المترتبة على جريمة الغزو والاحتلال وما رافقهما من آثار تمت معالجتها بسلسلة من القرارات اهمها قراران هما القرار رقم‮ ‬687‮ ‬الصادر في‮ ‬3‮ ‬ابريل‮ ‬1991‮ ‬والخاص بمعالجة آثار العدوان والاحتلال والذي‮ ‬انشأ لجاناً‮ ‬دولية لتسوية ومعالجة هذه الاثار‮.‬
1‮- ‬اللجنة الدولية لترسيم الحدود بين الكويت والعراق‮.‬
2‮- ‬اللجنة الدولية للتعويضات وإنشاء صندوق خاص بذلك‮.‬
3‮- ‬اللجنة الدولية للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل‮.‬
‮٤- ‬تكليف اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالعمل على اعادة جميع الرعايا الكويتيين ورعايا البلدان الثالثة الى الوطن‮.‬
هذا القرار الدولي‮ ‬مثله مثل كافة القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية وخاصة مجلس الأمن الدولي،‮ ‬هذا القرار صادر بموجب الفصل السابع من الميثاق الأمر الذي‮ ‬يجعله ملزما كامل الالزامية ولا‮ ‬يجوز التراجع او التعديل على أي‮ ‬جزئية منه من الأطراف المعنية ولم‮ ‬يسبق ان عدل مجلس الأمن الدولي‮ ‬ايا من قراراته الصادرة عنه خاصة اذا كانت مرجعيتها هي‮ ‬الفصل السابع من الميثاق‮.‬
كما ان اقرار او عدم اقرار الدول المطبقة عليها القرارات الصادرة من الفصل السابع لا‮ ‬يقدم ولا‮ ‬يؤخر في‮ ‬فاعلية والزامية القرار بمعنى ان تطبيق قرارات مجلس الأمن والزاميتها لم‮ ‬يكن على الاطلاق مرتبط بموافقة العراق او الكويت بل هي‮ ‬بمثابة أحكام نهائية صادرة عن المجتمع الدولي‮ ‬ممثلا بمجلس الأمن الدولي‮ ‬ملزمة وواجبة التنفيذ للطرفين‮.‬
اذن،‮ ‬خلاصة الموقف الكويتي‮ ‬من هذا القرار وهي‮ ‬بكل جزئياته ملزمة تقوم على احترام كامل القرارات وعلى رأسها القرار ‮٧٨٦ ‬الذي‮ ‬نحن بصدد تحليله وان متابعة تنفيذ الملفات المتعلقة بذلك هي‮ ‬من اختصاص المنظمة الدولية ممثلة بمجلس الأمن الدولي‮ ‬ولا‮ ‬يجوز ان‮ ‬يؤخذ اصرار الكويت على تنفيذ بنود القرارات الدولية مدعاة للشكوى العراقية او مثارا للاتهامات العراقية ضد الكويت وبأنها،‮ ‬اي‮ ‬الكويت،‮ ‬تثير التوتر والتصعيد فكما ان من حق العراق ان‮ ‬يراعي‮ ‬مصالحه ويرفع المطالبات سواء بشكل ثنائي‮ ‬مع القيادة الكويتية او على المستوى الدولي‮ ‬من خلال المطالبة برفع الحالة بين الكويت والعراق من الفصل السابع فانه بالضرورة من حق الكويت كدولة متضررة ان تلتزم بالشرعية الدولية المتمثلة بالقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي‮ ‬وعلى رأسها كافة بنود القرار ‮٧٨٦ ‬لأن هذا القرار‮ ‬يجسد الالتزام الدولي‮ ‬بحماية الحقوق الكويتية‮ »‬الدولة المعتدى عليها‮« ‬وتسوية آثار العدوان التي‮ ‬ارتكبتها‮ »‬الدولة المعتدية‮« ‬أيا كان نظام الحكم الذي‮ ‬ارتكب في‮ ‬عهده العدوان لأن القانون الدولي‮ ‬معني‮ ‬بالدول ولا‮ ‬يتأثر بمن‮ ‬يتولى الحكم‮. ‬فكما الاتفاقيات الدولية تمتد آثارها عبر انظمة الحكم المتتالية الا اذا عدلت الاتفاقيات بموجب اتفاق بين الأطراف المعنية فكذلك التزامات الدول تنتقل عبر أنظمة الحكم للدول المعنية ولا‮ ‬يؤثر في‮ ‬التزاماتها واستحقاقاتها تغيير نظام الحكم،‮ ‬ونحن على ثقة تامة بأن القانونيين في‮ ‬العراق وكذلك السياسيين على علم بهذه الحقيقة،‮ ‬كما ان الجانب الكويتي‮ ‬على ادراك تام بها مؤكدين الحرص التام على مبادئ حسن الجوار واستمرار تطوير العلاقات الايجابية ولكن بشرط الا تؤثر على الحقوق والالتزامات،‮ ‬بمعنى الا تكون المعادلة قائمة على المقايضة،‮ ‬باشتراط الخروج من قبضة الفصل السابع والتزامات القرارات الدولية مقابل تطوير العلاقات وتحسينها،‮ ‬فالكويت لها مصلحة حقيقية في‮ ‬تحسين العلاقات مع العراق ولها مصلحة حقيقية في‮ ‬بناء الثقة ومد جسور التعاون وفتح قنوات التواصل الأخوي‮ ‬ولكن لها مصلحة حقيقية كذلك بالالتزام بالقرارات الدولية كافة وعلى رأسها القرار ‮٧٨٦.‬
أما القرار الثاني‮ ‬شديد الأهمية والذي‮ ‬لا‮ ‬يقل اهمية عن القرار ‮٧٨٦ ‬فهو القرار ‮٣٣٨ ‬الصادر في‮ ٧٢ ‬مايو ‮٣٩٩١ ‬والمستند الى القرار ‮٧٨٦ ‬وما تلاه من قرارات،‮ ‬هذا القرار ‮٣٣٨ ‬الخاص بترسيم الحدود الكويتية-العراقية،‮ ‬وخطأ كان العراق‮ ‬يطلق عليه قرار تحديد الحدود‮. ‬فالحدود قد حددت بموجب المحضر المتفق عليه بين الكويت والعراق في‮ ٤ ‬أكتوبر ‮٢٦٩١‬،‮ ‬ويؤكد القرار ‮٣٣٨ ‬في‮ ‬الفقرة الرابعة منه على ان
اللجنة الدولية المعنية بترسيم الحدود قامت بعملها من خلال عملية تخطيط الحدود ولم تقم باعادة توزيع الأراضي‮ ‬بين الكويت والعراق،‮ ‬وان عملها كان منحصرا في‮ ‬تحديد دقيق لاحداثيات الحدود الواردة في‮ ‬المحضر المشار اليه أعلاه والصادر في‮ ‬4‮ ‬اكتوبر‮ ‬1962‮ ‬وينتهي‮ ‬القرار في‮ ‬البند‮ ‬الخامس الى مطالبة كل من العراق والكويت باحترام حرمة الحدود الدولية كما خططتها اللجنة باحترام الحق في‮ ‬المرور الملاحي‮ ‬وفقا للقانون الدولي‮ ‬وقرارات مجلس الامن ذات الصلة،‮ ‬وفي‮ ‬البند الخامس‮ ‬يؤكد القرار‮ ‬833‮ ‬على قراره بضمان حرمة الحدود الدولية المذكورة اعلاه والتي‮ ‬اقامت اللجنة تخطيطها وبشكل نهائي‮ ‬والقيام حسب الاقتضاء باتخاذ جميع التدابير الضرورية لتحقيق هذه الغاية وفقا للميثاق على نحو ما نصت عليه الفقرة‮ ‬4‮ ‬من القرار‮ ‬773‭.‬
خلاصة ما سبق ان مطلب الكويت بضرورة تسوية كافة الملفات العالقة بين البلدين‮ »‬العراق والكويت‮« ‬هو مطلب مشروع ويؤكد على انه بالرغم من مرور كل هذه الفترة من التحرير منذ‮ ‬26‮ ‬فبراير‮ ‬1991‮ ‬الى‮ ‬اليوم مازالت بنودا من القرارات الدولية وخاصة القرار‮ ‬687‮ ‬والقرار‮ ‬833‮ ‬غير منفذة بالكامل والجهة المعنية بالمتابعة والاشراف على التنفيذ هي‮ ‬منظمة الامم المتحدة ممثلة بمجلس الامن الدولي‮ ‬ولا‮ ‬يجوز ان تخضع لمشاورات او محادثات ثنائية بين‮ ‬البلدين فمجلس الامن في‮ ‬القرارين قد جعل نفسه مشرفا ومراقبا ومتابعا وضامنا للتنفيذ ومن الخطورة بمكان ممارسة العراق اساليب الضغط على الكويت بل ومن الخطورة بمكان ممارسة اي‮ ‬من القوى‮ ‬الدولية وخاصة الولايات المتحدة اي‮ ‬ضغط على الكويت للتراجع عن حقوقها المقررة في‮ ‬القرارات الدولية،‮ ‬كما لا‮ ‬يجوز ولا نسمح كشعب بأن نخضع لمساومة للتراجع عن حقوقنا أيا كانت الاسباب والمبررات التي‮ ‬تدفع الولايات المتحدة للتراجع عن بعض من حقوقها لانه من الواضح ان الولايات المتحدة لها مصالح عدة في‮ ‬هذا الجانب لذا اتبعت اسلوب‮ »‬اكرم البطن تستح العين‮« ‬فقد اعلنت عن تراجعها عن بعض من ديونها تجاه العراق مقابل ضمان اقرار الاتفاقية الامنية والتي‮ ‬سيحين موعد مراجعتها في‮ ‬المؤسسة التشريعية العراقية قريباً،‮ ‬هذه الجزئية معنية‮ ‬بالعلاقات العراقية الاميركية وما تحمله من مصالح‮ ‬يحددها الطرفان المعنيان‮ »‬العراق والولايات المتحدة الاميركية‮«. ‬اما الجزء الخاص بالمطالب الكويتية والمقررة وفقا للقرارات الدولية‮ ‬او تلك الديون والتي‮ ‬تمثل عبئا على‮ ‬المال العام الكويتي‮ ‬فالجهة المعنية بالجانب الاول والملزمة بضمان تنفيذها هي‮ ‬مجلس‮ ‬الامن الدولي‮.‬
اما الجانب الثاني‮ ‬والمعني‮ ‬بالديون فالجهة الملزمة بضمان حماية المال العام فهي‮ ‬المؤسسة التنفيذية والمؤسسة التشريعية وكلتاهما مراقبة من الشعب اما بشكل مباشر او‮ ‬غير مباشر من خلال نواب الشعب،‮ ‬الفصل السابع لم‮ ‬يوضع عبثا في‮ ‬الميثاق بل لتأكيــد هيبة المنظمة الدولية‮ ‬واحترام حقوق الدول،‮ ‬وكل ما نأمله ونسعى اليه في‮ ‬هذه المرحلة هو احترام المواثيق‮ ‬الدولية والالتزامات الدولية وبناء الثقة بين الدول على هذه‮ ‬الاسس وخاصة بين الكويت والعراق فالثقة بينهما ترسخ علاقات الاخوة وحسن‮ ‬الجوار بين‮ ‬الشعبين وتغلق ابواب الشر التي‮ ‬يتحين الكثيرون فتحها فان فتحت فستلتهم الاخضر واليابس‮.‬
العقلاء في‮ ‬البلدين كثر وهذا دورهم‮.‬

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث