جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 06 يوليو 2009

الوزير القوي‮ ‬أم الوزير الحكيم؟

د‮. ‬علي‮ ‬الكندري

ما أن‮ ‬يأتي‮ ‬برلمان وأعضاء منتخبون جدد في‮ ‬أي‮ ‬دولة من دول العالم المتقدم حتى‮ ‬يبدأ هؤلاء الأعضاء بالمطالبة في‮ ‬اختيار وزراء‮ ‬يمثلون حكومة ذكية‮ ‬يتمتع أعضاؤها بالقدرة على تفهم أولويات الوطن ومقدراته وإمكانياته،‮ ‬وبناء عليه تبدأ الحكومة بوضع برنامجها ليتكون من خطط تطمح لتحقيقها خلال سنوات إدارتها لدفة السلطة التنفيذية فتكون هذه الخطة بمثابة عقد لنجاح أو فشل هذه الحكومة‮. ‬فإن تمكنت هذه الحكومة من تحقيق أهداف وخطط برنامجها فإنها بذلك تؤكد أحقية إختيار الناخبين لها أول مرة بالانتخابات وأنها تستحق أن تنتخب مرة أخرى وتستمر بعملها على رأس السلطة،‮ ‬والعكس صحيح،‮ ‬فإن فشلت في‮ ‬تحقيق أهداف وخطط برنامجها فإنها بذلك تعكس خطأ إعطائها الثقة من قبل الناخبين،‮ ‬وعندها فقط تستحق السقوط في‮ ‬الانتخابات المقبلة‮. ‬وعليه،‮ ‬فإن القدرة على تحقيق أي‮ ‬برنامج ذي‮ ‬خطط‮ ‬يحتاج إلى وزراء لديهم الكفاءة الإدارية والاستراتيجية في‮ ‬إدارة الدولة،‮ ‬وذلك بوضع الأهداف وصيانتها وفقا لأي‮ ‬تقلبات وظروف ومتابعتها للتأكد من نجاحها أو عدمه‮. ‬وفي‮ ‬هذا النوع من الحكومة‮ ‬يملك الوزراء القدرة على المحاورة والاقناع كمهارات تعتمد أساسا على الاستيعاب العقلي‮ ‬للقضايا المختلفة وتعقيداتها‮.‬
بعكس هذا النوع من البرلمانات الواعية والتي‮ ‬كما قلنا تطمح لتواجد وزراء‮ ‬يتميزون بالحكمة والحنكة والذكاء ومهارات الإدارة والاستراتيجية والتي‮ ‬تنبع أساساً‮ ‬من العقل،‮ ‬يطلب بعض أعضائنا الكرام في‮ ‬برلماننا وجود»حكومة قوية‮« ‬فالقوة هنا هي‮ ‬المعيار الأول والأساسي‮ ‬لضمان نجاح أي‮ ‬حكومة لدينا من عدمه،‮ ‬ربما كما هو الحاصل في‮ ‬المسلسل الشهير باب الحارة‮. ‬فأي‮ ‬وزير ناجح‮ ‬يجب أن‮ ‬يملك حنجرة عريضة ليصرخ ويصدح ويجلجل كما الجرس بأعلى الأصوات ليرهب الأعداء وبذلك تكون نبرة صوته وحدته هما الحجة الدامغة وليس تسلسل وترابط ما‮ ‬يطرحه من أفكار،‮ ‬وكلما صرخ الوزير أكثر زادت دماغة حجته وزاد إعجاب الأخرين به‮. ‬وحبذا أن‮ ‬يكون هذا الوزير قادراً‮ ‬على حبس الهواء داخل رئتيه قدر الإمكان ليستطيع أن‮ ‬يتكلم بإستمرار ودون الحاجة إلى التوقف والراحة فعندها فقط‮ ‬يكون مقنعا للآخرين فالإقناع هنا‮ ‬يتأتى من كثرة الكلمات التي‮ ‬ينطق بها وليس أي‮ ‬شيء آخر‮. ‬هذه هي‮ ‬معايير بعض أعضائنا في‮ ‬الوزير الناجح لتصريف أمور مؤسسات دولة مدنية تنتهج من الديمقراطية وسيلة للإدارة‮.‬
معايير القوة‮ »‬والمقدعة‮« ‬والمعلمة والفتونة والفهلوة في‮ ‬إدارة أي‮ ‬دولة للأسف تلاشت إلا من بلداننا العربية في‮ ‬اللحسرة أصبح كل أب‮ ‬يربي‮ ‬أولاده عليها لأنه وبها فقط سيحيا الابن حياة رغدة هنيئة لا‮ ‬ينغصها شيء بالمستقبل‮. ‬وهذه المعايير هي‮ ‬نفسها التي‮ ‬يعكسها تفكير البعض من أعضائنا الكرام‮. ‬ففي‮ ‬الأسبوع الماضي‮ ‬قال أحد الأعضاء ان قيام معالي‮ ‬وزير الداخلية بالرد على الاستجواب والأعضاء‮ ‬يثبت قوة الحكومة‮. ‬ونحن بدورنا نتساءل عن هذا المنطق المعكوس في‮ ‬فهم الديمقراطية كنهج لإدارة الدول،‮ ‬والذي‮ ‬يمثل ثقافة ترى أن القوة هي‮ ‬الوسيلة والمنطلق لتدبير شؤون الدول‮. ‬أليست هذه ثقافة الدكتاتوريين الذين‮ ‬يؤمنون بأهمية القوة في‮ ‬بسط السيطرة والنفوذ؟ أليست ثقافة القوة هذه هي‮ ‬الثقافة التي‮ ‬اتبعتها الدول بالماضي‮ ‬لمحاربة بعضها بعضا وللغزو والتقتيل؟ قد‮ ‬يفهم البعض أن الكاتب هنا قد التبس عليه فهم استخدام القوة المادية لقهر الآخرين وإستخدام لغة الصوت كقوة للقهر،‮ ‬إلا أنهما في‮ ‬الحقيقة‮ ‬يأخذان من نفس النبع كنهج فكلاهما لا‮ ‬يعتمد‮  ‬على العقل والحوار لحل المشاكل وإنما على الفرض والجبر والقهر حيث استخدم أعتى عتاة الدكتاتورية كصدام وهتلر وغيرهم لغة الصوت كقوة‮. ‬وأنا أحتار في‮ ‬من‮ ‬يطلبون أن‮ ‬يكون هناك وزير قوي‮ ‬ليصرخ بوجوههم وكأنهم لا‮ ‬يحترمون إلا القوة‮! ‬وأحيانا أجد أنه فعلا،‮ ‬لا‮ ‬ينفع بعض أعضائنا إلا العين الحمرة فهي‮ ‬اللغة التي‮ ‬يفهمونها وهذا كله خزي‮ ‬عليهم لو‮ ‬يعقلون‮. ‬ويأسف الفرد أحيانا عندما‮ ‬يسمع أن برلمانات أخرى تطلب الوزير الحكيم ونحن نطلب الوزير القوي‮ ‬فكأننا نقول لأنفسنا نحن لا‮ ‬ينفع معنا الحكيم بل القوي‮. ‬ولو نتمعن بهذه العبارة فإننا نجدها عاراً‮ ‬علينا‮.‬
‮ ‬أخيراً،‮ ‬يجب التنبيه هنا إلى أنني‮ ‬لا أعمم تواجد هذه الثقافة أو الظاهرة بالكويت والتي‮ ‬ستتلاشى نهائيا بإذن الله‮ ‬يوماً‮ ‬من الأيام،‮ ‬حيث ان مخرجات انتخابات مجلس الأمة الأخيرة أثبتت انتكاسة هذه الثقافة عندما انتخب الكويتيون الكثير من الأعضاء العقلانيين والذين‮ ‬يجنحون بالأساس إلى التهدئة ويميلون إلى التنمية وتقديم المشاريع كنهج إيجابي‮ ‬للمعارضة بدلاً‮ ‬من المواجهة والتصيد للأخطاء وتكسير العظم كنهج سلبي‮ ‬للمعارضة‮. ‬ولقد أكدت نتيجة التصويت على محاولة إسقاط الثقة بوزير الداخلية مؤخرا نتائج الانتخابات الأخيرة واضمحلال ثقافة قوة الصوت من مجلسنا الموقر،‮ ‬إلا أنه‮ ‬يجب القول إنه لا تزال هناك فئة تعكس ثقافة القوة كنهج لإدارة الدولة وكمفهوم لتسيير العملية الديمقراطية بالكويت‮.‬

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث