جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 28 يناير 2009

قمة الكويت والتحول

د‮. ‬علي‮ ‬جمال الكندري

يمثل انعقاد القمة العربية الاقتصادية بالكويت اخيراً‮ ‬تحولاً‮ ‬بالعقلية والمنهجية السياسية‮  ‬في‮ ‬التعامل مع القضايا العربية‮ ‬يحسب للسياسة الخارجية الكويتية وديبلوماسيتها وذلك لغربلتها للمفهوم النمطي‮ ‬السائد للممارسة السياسية العربية البينية‮. ‬فمن خلال هذا النهج تحاول الكويت تحويل مفهوم الترابط العربي‮ ‬والأسباب الداعية لنشأته والذي‮ ‬كان محركها السياسة والأيديولوجيا وشعارات الخمسينات والستينات والتي‮ ‬دعت في‮ ‬تلك الفترة الى قيام وحدة عربية مصيرية بسبب وحدة اللسان والأصل العربي‮ ‬تحاول تحويله الى ترابط‮ ‬يقوم أساسا على الاقتصاد والتبادل المصلحي‮ ‬والنفعي‮ ‬لهذه الدول‮.‬
استوعبت الدول الأوروبية أهمية الترابط الاقتصادي‮ ‬قبل‮ ‬غيرها معتبرة أياه لب أي‮ ‬وحدة متينة الأساس ليبعدها عن المشكلات الناجمة عن الأيديولوجيا والحروب ويقربها بنفس الوقت سياسيا وثقافيا واجتماعيا فيما بعد‮. ‬الترابط الاقتصادي‮ ‬هو بالأساس ترابط واقعي‮ ‬وعملي‮ ‬سهل فهمه وتطبيقه وقياس نتائجه على أرض الواقع وتقييمه وتعديل طريقته فيما بعد اذا ما اتضح أن تطبيق الخطط‮ ‬يواجه أي‮ ‬مشكلة أو خطأ‮. ‬ونتيجة لأن الترابط الاقتصادي‮ ‬قائم على أساس تبادل المنفعة بين هذه الدول فمدى انتاجية كل دولة وروحها التنافسية والأداء والعمل وقدرتها على توفير مناخ اقتصادي‮ ‬سليم وقوانين اقتصاديه تشجع الاستثمارات المختلفة وتسهل عملية الدخول للسوق،‮ ‬فإن هذه الأسباب هي‮ ‬ما‮ ‬يوجه أي‮ ‬قمة‮ ‬يعقدها قادة هذه الدول والذين عادة ما‮ ‬ينظرون الى أرقام وميزانيات كل دولة على حدة للتأكد من مدى التزامهم بقرارات القمم بعيدا عن التنظير والشعارات‮.‬
العكس صحيح بالنسبة للترابط العربي‮ ‬والذي‮ ‬هو أساسا ترابط سياسي‮ ‬وأيديولوجي‮ ‬نابع من شعارات متصلة بنظرة تمييزية مبنية على وحدة الأصل والعرق تنظر لأصل الفرد لا لعمله وجهده وانتاجيته‮. ‬القمم العربية السابقة انعقدت لمعرفة كيفية التعامل مع الاسرائيليين كعدو مشترك،‮ ‬فبالتالي‮ ‬أنتجت هذه القمم خطابات انفعالية لحظية أساسها سياسي‮ ‬وايديولوجي‮ ‬احتوت على شجب واستنكار وتنديد وذلك لدغدغة المشاعر وتهدئة‮ ‬غضب الشارع العربي‮ ‬من خلال استصغار شأن الآخرين وتضخيم امكاناتنا العسكرية لمواجهة الأعداء‮. ‬لقد كان من الصعب على أي‮ ‬من القمم العربية لاحقا تقييم هذه الشعارات والعمل على متابعة نتائجها‮.‬
قمة الكويت،‮ ‬على العكس،‮ ‬عقدت أساسا لاتخاذ قرارات اقتصادية ممكن متابعة تنفيذها اذا ما تكونت النية لذلك‮. ‬فخطاب قمة الكويت ارتكز على توصيات وخطط تنموية‮ ‬يستلزم تنفيذها القيام باجراءات ملموسة ونتائج رقمية وأداء توضح مدى التزام هذه الدول بالقرارات الاقتصادية‮. ‬قمة الكويت تمثل توجهاً‮ ‬جديداً‮ ‬وذلك لأن الاقتصاد عادة‮ ‬يرتبط بعوامل عقلانية‮ ‬يحاول كل طرف التضحية بكبرياء نفسي‮ ‬لتحقيق خير أعم‮ ‬يجعل من أي‮ ‬دولة تفكر مليا قبل الخوض بأي‮ ‬مغامرة سياسية طائشة‮. ‬فالنظريات الاقتصادية،‮ ‬أكثر من الأيديولوجيا السياسية،‮ ‬غالبا ما تكون عملية وواقعية وتحتوي‮ ‬على حلول عملية للمشكلات بعيدا عن العاطفة والمشاعر‮. ‬إن أهم ما على السياسة الخارجية الكويتية فعله في‮ ‬المرحلة المقبلة هو متابعة تنفيذ قرارات القمة والعمل على تفعيلها وفق آلية محددة المعالم وكذلك محاولة الضغط لتحويل أي‮ ‬قمة عربية مقبلة الى قمة اقتصادية أساسا أو محاولة تضمينها بنودا اقتصادية قابلة للتطبيق‮.‬

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث