جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 06 يناير 2009

الكويتيون والسياسة والكلام

د‮. ‬علي‮ ‬جمال الكندري

الكثير من الظواهر اليومية على ساحتنا السياسية تجعل بلدنا فريداً‮ ‬من نوعه على المستوى العالمي‮ ‬بنوعية سياسته المتداولة بل وتجعل منه أيضا بلداً‮ ‬يستحق الدراسة والتأمل لكثرة هذه الظواهر الفريدة والعجيبة‮. ‬ظواهر كثيرة لم أشاهدها تحدث أمامي‮ ‬أو أسمع بحدوثها في‮ ‬أي‮ ‬بلد آخر ديمقراطي‮ ‬أو‮ ‬غير ديمقراطي‮ ‬وأغلبها بتقديري‮ ‬سلبية وربما سببت وتسبب الكثير من المشكلات اليومية التي‮ ‬تواجهها الكويت سياسيا وربما اجتماعيا‮. ‬وإليكم بعض من هذه الظواهر‮:‬
تحدث انتخابات كثيرة ومتنوعة وعلى مختلف المستويات في‮ ‬الكويت وربما تفوق بعددها مثيلاتها في‮ ‬البلدان الأخرى العريقة بالديمقراطية،‮ ‬ومنها انتخابات مجلس الأمة والبلدي‮ ‬وانتخابات أكثر من‮ ‬40‮ ‬جمعية تعاونية،‮ ‬انتخابات أكثر من‮ ‬20‮ ‬نادياً‮ ‬واتحاداً‮ ‬رياضياً،‮ ‬انتخابات جمعيات نفع عام كجمعية المهندسين والمحامين والصحافيين‮... ‬إلخ،‮ ‬انتخابات مجالس ادارات شركات وغيرها من انتخابات‮. ‬عند مقارنة مجموع عدد الانتخابات بالكويت وعدد المواطنين الكويتيين ربما نجد أن كل مواطن كويتي‮ ‬هو عضو مجلس لادارة ما،‮ ‬أما الغريب والعجيب هو ألا‮ ‬يكون أي‮ ‬مواطن كويتي‮ ‬عضواً‮ ‬بأي‮ ‬مجلس ادارة‮. ‬من عيوب كثرة الانتخابات بتصوري‮ ‬هو أن‮ ‬يكون المواطن مسيساً‮ ‬بدرجة كبيرة‮. ‬فالحديث بين الأشخاص وعلى معظم المستويات وبكل الأماكن دائما ما‮ ‬ينصب على السياسة دون سواها كالاقتصاد والتعليم،‮ ‬ما‮ ‬يجعلني‮ ‬متيقنا أن كثرة الحديث بالسياسة بأي‮ ‬بلد هو مقياس لمدى تخلفه وأفضل دليل على ذلك هو العالم العربي‮.‬
يكثر الحديث عن الديوانية وأهميتها بالكويت‮. ‬شخصيا لست من رواد أي‮ ‬ديوانية لكنني‮ ‬أستطيع أن أعرف ما‮ ‬يتداول بها‮ ‬يوميا حتى من دون الذهاب لأي‮ ‬منها،‮ ‬فكل ديوانية بها نفس المواضيع والكلام والشائعات والشكاوي‮ ‬والتذمر‮. ‬أتوقع أنه لو‮ ‬يتم استبيان آراء مرتادي‮ ‬الديوانيات وغيرهم ممن لا‮ ‬يرتادون الديوانيات فإننا سنجد أن نسبة الاحباط والتذمر بين مرتادي‮ ‬الديوانيات أكثر‮. ‬صحيح أن للديوانية محاسن الا أنها أيضا تشغل الفرد عن أسرته وأولاده بل وعن نفسه‮. ‬فبدل من أن‮ ‬يبحث الفرد عن وظيفة أخرى‮ ‬يحسن من خلالها وضعه المعيشي‮ ‬أو‮ ‬يقرأ كتباً‮ ‬أو‮ ‬ينضم الى دورة تدريبية ما بقصد تطوير قدراته الفكرية والمهارية مثلا فإننا نجده بالديوانيات‮ ‬يتكلم ويتذمر من كل الأوضاع وربما ما‮ ‬يجعل من الكويتي‮ ‬أكثر الأفراد تحدثا مقارنة بمثيله من الرجال في‮ ‬كل بلدان العالم،‮ ‬بل علاوة على ذلك فإنها تجعل منه خبيراً‮ ‬ومتخصصاً‮ ‬ومفتياً‮ ‬بكل المسائل السياسية والقانونية والاقتصادية‮.‬
أغلب كلام الكويتيين بأي‮ ‬ديوانية أو تجمع سواء رجالي‮ ‬أو نسائي‮ ‬هو عن الناس وليست المادة،‮ ‬وأقصد بالمادة هنا ليس المال فقط ولكن الجماد كالتكنولوجيا والبناء والاقتصاد والعلوم‮. ‬أكثر من أي‮ ‬شعب آخر،‮ ‬نحن نتكلم عن الناس وليست المادة ومتعلقاتها المحيطة بحياتنا‮. ‬عندما تسمع لأي‮ ‬فرد أميركي‮ ‬مثلا تجده‮ ‬يتحدث عن أمور مادية وليس عن الناس وبعكس أي‮ ‬مكان‮ ‬يجمع فردين كويتيين فتجدهم‮ ‬يتحدثون عن الحكومة والوزير الفلاني‮ ‬والعضو الذي‮ ‬سرق والشخص الذي‮ ‬فعل‮...‬إلخ‮. ‬كل كلامنا عن الناس وأتوقع أن الكلام عن الناس أو المادة بأي‮ ‬بلد‮ ‬يعكس مدى تخلف البلد أو تقدمه‮. ‬فبإمارة دبي‮ ‬مثلا‮ ‬يتحدثون عن العمران وبالصين‮ ‬يتحدثون عن المصانع وباليابان‮ ‬يتحدثون عن التكنولوجيا وبالهند‮ ‬يتحدثون عن الكمبيوتر ومتعلقاته وأميركا‮ ‬يتحدثون عن الاقتصاد،‮ ‬الا نحن،‮ ‬فإننا نتحدث عن أحمد وناصر وعبدالله وبقية الأسماء‮.‬
ان من أبرز سمات الدولة الشيوعية هي‮ ‬سيطرة الحكومة على وسائل الانتاج الاقتصادي‮. ‬وما أن‮ ‬يتضخم القطاع العام بأي‮ ‬دولة حتى تبدأ علامات انهيار النظام السياسي‮ ‬تبرز بحيث‮ ‬يفقد معها النظام السيطرة على مواطنيه‮. ‬برأيي‮ ‬الشخصي‮ ‬أن أحد أسباب تذمر المواطن الكويتي‮ ‬من حكومته‮ ‬يكمن في‮ ‬أن أغلب الكويتيين‮ ‬يعملون بالقطاع العام وهو المكان الـذي‮ ‬لا‮ ‬يتعدى معدل النسبة الانتاجيه اليومية للموظف به تقريبا‮ ‬10‮ ‬دقائق بحيث‮ ‬يتحتم على هذا الموظف أن‮ ‬يملأ الفراغ‮ ‬والوقت الكثير الباقي‮ ‬بالكلام والتذمر ويستمر الموظف بذلك الدور مساء في‮ ‬الديوانية‮. ‬بينما على العكس نجد أن أي‮ ‬فرد بالدول الغربية مثلا‮ ‬يعمل من الساعة الثامنة صباحا وحتى الخامسة مساء‮. ‬ولأنه متعب بعد دوام‮ ‬يوم كامل وعمل مجهد فنجده مرهقاً‮ ‬وليس لديه وقت كثير للكلام والتذمر‮. ‬هذه هي‮ ‬لعنة السيطرة على القطاع العام على أي‮ ‬حكومة تحاول استخدامه لتحقيق أهداف سياسية‮.‬

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث