جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 25 أغسطس 2019

الشيخ والتاجر والشيطان

وصلت إلى لندن قبل أيام أقضي إجازتي مع أسرتي الصغيرة متنقلاً بين مدن بريطانيا العظمى، وفي القطار المغادر إلى نيوكاسل جمعتني الصدفة بتاجر ابن تاجر حفيد تاجر ، كنا في عهد الصبا صديقين مقربين جداً حتى فرقتنا الأيام والمواقف والآراء قبل أعوام فلم يبادر أحدنا الآخر بالاتصال.

في القطار وعلى مدى ثلاث ساعات تحدثنا عن الاطلال والذكريات وضحكنا ضحك طفلينِ معاً وعدونا فسبقنا ظلنا، كما تغنت أم كلثوم برائعة الشاعر ابراهيم ناجي ،قال لي وقد خطت على ملامح وجهه تضاريس التقدم بالعمر: مازلت شاباً يا ابا انور وتبتسم رغم ما خلفته عليك السنوات الماضية، فأجبته: لم تهزمني الاحزان ولم أستسلم للأفراح, فأنا منذ الصغر متوازن لا أهفو للمال وجمعه ولا اطمح الا لراحة البال. فتنهد صاحبي حتى كادت تنهيدته تفتك بقلبه وقال متحسراً: لقد دمرني النسق العائلي والنهج الذي استقيته من اقراني, فضاعت ايامي في الصفقات وخسارة وقتي أمام ربح الأموال، لكنه استدرك وقال لي: أبشرك الآن أنا خارج دائرة المال والاعمال, فقط أستمتع بالسفر ورفقة زوجتي وبناتي الثلاث، تركت الصفقات والاجتماعات, وما لدي في البنوك يكفيني بفضل الله.
وجهت له دعوة على العشاء نعيد بها أيامنا الخوالي وفعلاً التقينا لكنه اصطحب معه شيخاً ابن شيخ حفيد شيخ، وقدمه لي على انه صديقه العزيز، ودارت رحى الحوار ولا احد منا ممسك بقطبها،فطحنت وقتنا بالسياسة والمال والنفوذ، فالتاجر له رؤيته والشيخ له رؤية مختلفة، لكنني سرعان ما استحضرت الفكرة ونفذت ما تنفذه المجاميع السياسية في الكويت، فبذرت بين التاجر والشيخ بذرة الخلاف لأسيطر على الوضع، فقلت لهما: تشير التجارب والدراسات وبعض الوقائع التاريخية الى أمرين، وأريد منكما الرأي, فما حقيقة المقولتين «لولا التجار لما نهض البلد، ولولا الشيوخ وعطاياهم لما نهض التجار»؟ استشاط الاثنان غضباً وبدا عليهما التجهم وقادتهما آراؤهما الى شيء من التعصب، فقد قال التاجر إن الشيوخ حكام ليس لهم علم بالتجارة، فقال له الشيخ: ومن علم التجار  ادارة الأموال وفقاً للمعطيات السياسية؟ وامتد نقاشهما حتى استأذن الشيخ من التاجر ومني وغادر وحيداً، رغم أنهما جاءا معاً وما هي الا دقائق حتى استأذن التاجر بعد أن «حش بالشيخ» الذي جاء معه، وانتهت مأدبة العشاء بانتصار فكرة القوى السياسية المتمثلة بي على الشيخ والتاجر، وفهمكم كفاية.

جعفر محمد

جعفر محمد

وسع صدرك

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث