جريدة الشاهد اليومية

الجمعة, 16 أغسطس 2019

الدولة المدنية

كنت أقرأ الفوارق بين نظم الدولة الدينية والمدنية والعلمانية والدينية والديمقراطية الليبرالية والديمقراطية غير الليبرالية وأنا على قناعة خلصت إليها بأننا ما لم نعمل ونستعد مكانتنا العلمية وما لم نبن اقتصادا يقترب بنا من مراحل الاكتفاء الذاتي بالامن الغذائي تحديدا واحتياجات الحياة اليومية للإنسان والمجتمع  وهذا الكلام لا يشمل الطائرات والاسلحة الفتاكة وقوة الردع وبقية الاسلحة المحرمة, فإن الكلام عن الديكتاتورية والنظم الشمولية يظل أهون وأقل ضررا خاصة ان اغلب دولنا العربية تعتمد الآن على عائدات النفط وهي مادة ناضبة ولن تستمر اكثر من ثلاثة او اربعة عقود مقبلة ما يستوجب البدء من الآن في الاعداد لمرحلة ما بعد النفط. الامر لا يحتاج الى معجزات للتخطيط للمستقبل فهنالك تجارب عظيمة لدى شعوب كانت معروفة بالتواضع في الاداء في كافة المجالات الا ان المشكلة ان العرب مصابون بإرادتهم واستسلامهم للمعتقدات التي لم يرد بها نص رباني ، ما اوصلنا الى الجلوس على مقاعد المتفرجين لا اللاعبين. نحن اكثر شعوب الارض تعطشا للانتقام من بعضنا البعض إما بسبب الطائفية البغيضة او لخلافات على الحدود او لأطماع توسعية كانت الصين, ولن اشير الى تجربة ماليزيا ودور مهاتير محمد في نقلها من مرحلة العجز المتناهي الى ان تصبح احدى اقوى دول النمور الاسيوية ممن هم على مستواها وبامكاناتها، كانت الصين  دولة شعبية فقيرة جدا وضعيفة  حتى عام 1977وكانت اعلى المنتجات الصناعية الرئيسية في البلاد هي الغزل والاقمشة والفحم الخام والحبوب والقطن الى ان تحرك دينغ  شياو بينغ في عام 1978 للحصول على موافقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم على استقدام خبير تنمية ادارية واقتصادية عالمي  للنهوض بالواقع الاقتصادي المتردي . وتم رفض طلبه سبع مرات وفي المرة الثامنة حصلت الموافقة واستقدم خبيرا من كلية الادارة والاقتصاد والسياسة في جامعة اوكسفورد البريطانية العريقة وتم التعاقد معه بدرجة مستشار اول بعد ان تعب في اقناع الكلية بقبول اعارته, هذا الخبير الذي تم اختياره بعد ان تقدم لقبول طلب التطوع لاداء هذه المهمة في الصين بناء على اعلان نشرته عمادة الكلية لطاقمها الاكاديمي . وفي سبيل التحول بالصين تدريجيا الى اقتصاد السوق وفتح الابواب امام الاستثمارات الاجنبية وخاصة في مجال الصناعة ، حدد الخبير اربع نقاط اساسية لمشروعه مع حكومة الصين وهي بايجاز : العمل من اجل حكومة نظيفة وأمينة ونزيهة, تضييق الفجوة الاقتصادية بين شرق وغرب الصين بتبادل الخبرات المتوافرة، العمل على تقليل التضخم بالعملة وأخيرا تدريب الوزراء على الادارة والقيادة وتعلم الانكليزية ومن ثم الزم الوزراء بنقل هذه التجربة الى موظفي وزاراتهم. النتيجة ان الصين الآن دولة صناعية عملاقة تفوقت على انكلترا وفرنسا والمانيا وايطاليا وهي في طريقها  الى تخطي الولايات المتحدة بعد ان تخطت اليابان . بقي ان نعرف ان الخبير الاستراتيجي  الذي ورد ذكره والذي حقق المعجزة خلال 10 سنوات فقط هو البروفيسور العراقي الياس كوركيس الاستاذ في جامعة اوكسفورد البريطانية. مثل هذه التجربة لن تنجح في دول قائمة على المذهبية والمحاصصة ولا دول قائمة على القبلية . لي جانغ وهو استاذ في جامعة بكين قال ان الرشوة والسرقة والفساد الاداري كانت متفشية في الصين قبل ذلك الا انه داء تم استئصاله. مشكلة العالم العربي ليست في الفساد والسرقة والرشوة وإنما بالجهل والامية العلمية وكره العمل والتفاني في الحصول على المال بأي طريقة. فأيهما أفضل، المدنية ام الدينية ام العلمانية التي لا تعني ابدا الكفر بالله؟ المدنية معناها دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث