جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 12 فبراير 2019

في عالم الخطابة

الخطابة من حيث اللغة هي: «إلقاء الكلام على الآخر»، ومن حيث الاصطلاح كما يضيف الفقيه الكرباسي: «إلقاء الكلام على الجماهير لإيصال فكرة ما»، وبهذا المعنى فإن للخطابة أركاناً أربعة هي: الخطيب، والمستمع، والمادة «الحديث»، والخطابة «عملية الخطابة»، ومن الأركان المساعدة والمؤثرة على عملية الخطابة المكان والزمان، حيث لهما مدخلية كبيرة في وصول الخطيب إلى المراد من خطبته والتأثير على المتلقي بما يحقق الهدف من الخطابة ذاتها، لأنها وإن كانت فنًّا وموهبة واستعداداً بيد أنها رسالة، لأن الخطابة من أجل الخطابة نفسها هي تصنّع وافتعال، في حين أن الرسالة المرجوة من الخطابة هي بحد ذاتها عامل دفع للخطيب وعامل جذب للمتلقي، ولهذا يحدد الشيخ الكرباسي في الخطيب شروطا شخصية وموضوعية ذكرها بالتفصيل في الجزء الاول من كتاب «معجم خطباء المنبر الحسيني» الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن سنة 1999م، وفي الشريعة يشير إلى أهمها: «أن يكون عارفاً بالذي يريد قوله، وأن يكون صادقاً في حديثه، وأن يكون مفيداً للناس».
ووفقا لما ذكر فإنه يقرر: «من يجهل أمراً لا يجوز له أن يتحدث فيه ليوقع الناس في الخطأ»، لأن الحديث والخطابة على غير هدى وبيّنة مظلمة للمتلقي ولهذا: «إغواء الناس بأي شكل لا يجوز»، وإذا كانت الخطابة هي جزء من رسالة الأنبياء في هداية الأمة وبيان مصلحتها وتحذيرها مما يضرها، وهي كذلك لمن أحسن القول وقدّر المنبر واحترم عقله، فمن الخير أن لا يخوض الخطيب بما لا يعلم وبخاصة الخطيب الحسيني أو الداعية الإسلامي أو خطيب الصلاة، وأن لا يدعي العلمية والحذلقة في كل باب من أبواب المعرفة، لأن منبر الخطابة رسالة وتعليم، ومن ذلك تعليم المتلقي على أن لا يقول ما لا يعلم بل وأن لا يقول كل ما يعلم، فليس من العيب أن يتوقف الخطيب عن البوح بما لا يعلم، ولكن من المعيب أن يكذب، ومن الحكمة أن يسعى ليتعلم ما يجهله، وعليه: «لا يكفي في النقل وجود النص في كتاب، فإن كان على علم بعدم صحته، لا يجوز نقله»، ويستدرك الفقيه الغديري في تعليقه: «إلا إذا كان مؤلف الكتاب من الأعاظم في الموضوع ومشهور في التحقيق والدقة العلمية».
وفي الواقع أن الخطابة هي محل محك للخطيب والمتحدث والسياسي في قول الحقيقة، وبعضهم قد يقدم الكذب على الحقيقة من أجل كسب عطف المتلقي والاستحواذ على مشاعره وأسر عقله وإيقاعه في حبائل كذبته، لأنه يدرك أن المتلقي بشكل عام لا يسأله عن مصدر معلوماته، وهذا من الإغراء بالجهل سعياً لتفعيل مجلسه ولهذا يرى الفقيه الكرباسي أنه: «إذا تيقّن عدم صحة أمر ما، فلا يجوز له أن ينقله لأجل إثارة الناس والمستمعين، أو لكسب المال أو الجاه أو ما شابه ذلك»، وبشكل عام: «يجب أن لا يكذب الخطيب على الناس، ويجب أن يكون صادقاً في كلامه، ولا يجوز بأي نحو كان أن ينقل الأكاذيب إلى الناس»، ويشدد الفقيه الكرباسي على المنبر الحسيني إذ «لا يجوز أن يضيف الخطيب الحسيني ما ليس في تاريخ السيرة الصحيحة ليثير الناس ويجلب عواطفهم ليزدادوا بكاءً»، وذلك لخطورة المنبر والخطيب الحسيني وبتعبير الشيخ الغديري: «للخطيب وبالأخص الخطيب الحسيني منزلة عالية ومقام كريم ودور كبير في إرشاد الناس وسوقهم إلى ما يُرضي الرب العظيم، فيجب أن يتّصف بالعلم والمعرفة المطلوبة في العمل، وكذلك العمل بما يقوله وما ينقله إلى الآخرين».

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث