جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 04 فبراير 2019

وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

إذا كانت الهمم والآمال عالية تعب الإنسان في تحقيق ما يصبو إليه، فإذا عظمت النفوس وارتفعت التطلعأت والأماني سهل في مرادها كل شديد وهان رغم صعوبته واتعب المرء نفسه في تحقيق هذه الآمال الكبيرة، وهذا البيت يعد من الأمثال الدارجة التي سطرها في أشعاره شاعر العرب المتنبي، ثم يتابع قائلا:
وكذا تطلع البدور علينا
وكذا تقلق البحور العظام
والمعنى ان البدور وهي الأقمار ليلة النصف من الشهر تطلع علينا سائرة وتبدو لأعيننا راحلة وكذلك البحر يمد ويحشر ويهيج ويضطرب، فبين ان من عظم شأنه كثر تمونه ولم يستقر به موضعه، وهذان البيتان ضمن قصيدة ميمية قالها المتنبي في الأمير سيف الدولة علي بن حمدان التغلبي، ونسب هذا الشاعر: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبدالصمد الجعفي الكندي الكوفي، أشهر شعراء العربية على الإطلاق، ولم يكن في وقته من يدانيه أو يصل مداه، حتى أبي فراس لم يجر مجراه وانما كانت شهرته لأنه ابن عم سيف الدولة ولولا ذاك لأخفاه المتنبي، وقد قيل في حقه: نادرة زمانه واعجوبة عصره حتى ان شعره ظل الى اليوم مصدر الهام الشعراء والأدباء، وكان ضليعا للغاية في اللغة العربية عالما بقواعدها ومفرداتها، ومع ما ذكرت فهو بعد صاحب أنفة وعزة نفس وكبرياء وطموح وشجاعة وحب للمغامرة، وقد جرت الحكمة على لسانه وما أجمل قوله:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
وهذا البيت كما يعرف كثير من الناس سبب مقتله (ومن الشعر ما قتل)، ومما لا يعرفه الناس عن المتنبي انه لم يكن يقف عند القائه الشعر بل يقوله جالسا اعتزازا بنفسه ما جعل  الشعراء يشعرون بالغيرة منه، فكادوا له المكائد عند الأمير سيف الدولة، يقول المتنبي في إحدى غزلياته وقد ابدع ما شاء:
لا السيف يفعل بي ما أنت فاعله
ولا لقاء عدوي مثل لقياك
لو بات سهم من الأعداء في كبدي
ما نال مني ما نالته عيناك
وكذلك قوله: 
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني
وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردد في مثل الخلال إذا
أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى نحولا بجسمي انني رجل
لولا مخاطبتي إياك لم أبن
وقال المتنبي في باب الفخر:
ما نال أهل الجاهلية كلهم
شعري ولا سمعت بسحري بابل
وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل
من لي بفهم اهيل عصر يدعي
ان يحسب الهندي منهم باقل
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: شاعر الزمان، بلغ الذروة في النظم، من أذكياء عصره اربى على المتقدمين وسار شعره في الآفاق، ومدح سيف الدولة ملك الشام، والخادم كافور صاحب مصر، وعضد الدولة ملك فارس والعراق ، وأضاف الذهبي: كان المتنبي يركب الخيل بزي العرب، وله شارة وغلمان وهيئة،وكان أبوه سقاء بالكوفة يعرف بعبدان، قيل انه جلس عند بائع كتب فأخذ كتابا للأصمعي وطول في مطالعته فقال له صاحب الكتب: يا هذا تريد ان تحفظه؟ فقال: فان كنت حفظته؟ قال: اهبه لك، فأخذ يقرأه حفظا حتى فرغ منه وكان ثلاثين ورقة، فأعطاه الكتاب،قال التنوخي: خرج المتنبي الى بني كلب وأقام فيهم، وادعى انه علوي، ثم تنبأ، فحبس دهرا واشرف على القتل ثم تاب، وقال غيره: تنبأ ببادية السماوة فأسره لؤلؤ أمير حمص بعد ان حارب فسجنه ثم تاب واطلق،قتل المتنبي عند النعمانية وقتل معه ابنه محسد وخادمه افلح وكان مقتله في رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمئة للهجرة وقد تجاوز الخمسين عاما بقليل هذا، ودمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث