جريدة الشاهد اليومية

السبت, 12 يناير 2019

قتيل العيون الفاترة «2-2»

وكان لقاضي القضاة أخوان هما إبراهيم والحسين، وتجمع المصادر على ان اسرته كانت مشهورة بالفقه والعلم وقد ولد هذا الفقيه المصقع بالمدرسة المظفرية، التي كان أبوه محمد يدرّس فيها بمدينة إربل، على الأرجح يوم الخميس بعد صلاة العصر الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة 608 هـ، وذاق طعم اليتم، والعزة لله وحده، وهو في السنة الثانية من عمره، ولكن والده كان حريصاً قبل وفاته على أن يتجه ابنه الى طريق العلم والاصلاح فكان له ما أراد بإذن رب العباد، حيث وصل هذا الطفل إلى أن يكون قاضي القضاة في الشام ثم في مصر معقل الإسلام والمسلمين، وقتها كان ذلك اثناء حكم الأيوبيين. ومن اهم الاسباب التي اوصلته الى هذه المكانة البارزة شخصيته المحبوبة وعلمه الذي لا يجارى ولا يبارى، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية صداقته لاثنين من كبار رجال الدول الايوبية من أهل مصر، أحدهما البهاء زهير وكانت له مكانة مرموقة، فولي ابن خلكان نيابة القضاء بمصر وكان ذلك بحدود سنة «645 هـ»، وكانت لهذا القاضي - رحمة الله عليه - أحلام عجيبة وردت في كتابه «وفيات الأعيان». وبعد انتصار المسلمين على التتار في معركة «عين جالوت» ثم مقتل السلطان قطز وتولي الظاهر بيبرس الحكم، بزغ نجمه وأتاه سعده وعين قاضياً للقضاة في ديار الشام، وقد عاصر معظم معارك بيبرس والصليبيين، وكان كثير الرياضة الأدبية مغرماً بالألغاز، وقد عزل وأعيد إلى منصبه مرات كثيرة وهو الذي يقول فيه نجم الدين أبي المعالي ابن إسرائيل الشيباني - رحمة الله عليه:
قاضي قضاة المسلمين ومن إلى
أبوابه تتوجه الرغبات
شمس المعالي والمعالي والذي
بسناه زال الظلم والظلمات
بحر المعارف والعوارف من جرت
أبداً له بفوائد عادات
وكان يجيز الشعراء الجوائز السَنية على مدحهم، كما كان نزيهاً وافر العقل ثابت الجأش، شاعراً متمكناً سريع الإنابة عند الخطأ، كما كان مؤرخاً قلما يجود بمثله الزمان وقد توفي إلى رحمة الله تعالى يوم السبت في السادس والعشرين من شهر رجب سنة إحدى وثمانين وستمئة للهجرة بالمدرسة الجمالية النجيبية ودفن في اليوم التالي في مدينة دمشق من بلاد الشام وصُلي عليه في دمشق ثم دفن بسفح جبل قاسيون بالصحراء شرقي التربة الصوابية الواقعة بسفح الجبل من جانبه الغربي، وكان رحمه الله شافعي المذهب. ولولا خوف الإطالة لاوردنا من الاخبار عنه كتاباً كاملاً، رحمه الله تعالى، أما البيت السائر والذي أشرنا إليه في البداية فهو ضمن قصيدة يقول فيها:
أعد متني بالجوى يا فاتر المقل
فضجّ وجدي على ما بي من العلل
وملت عنّي إلى الواشي فلا عجب
فالغصن مازال مطبوعاً على الميل
يا واحد الحسن عدني زورة حلما
وها يدي أن نومي قد جفا مقلي
يا جيرة بأعالي الخيف من أضم
خيبتم بجفاكم في الهوى أملي
وملتم بجميل الصبر عن دنف
أجلّ ما يتمنى سرعة الأجل
تجري على الربع مذ غبتم مدامعه
وما عسى ينفع الباكي على طلل
وابن خلكان هو قائل هذين البيتين السائرين:
يقول عذولي والغرام مصاحبي
أمالك عن هذي الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى
فقلت لهم دعهم يخوضوا ويلعبوا
دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث