جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 15 نوفمبر 2018

إن الغني الذي يرضى بعيشته لا من يظل على ما فات مكتئبا

هذا بيت شعر يدعو إلى القناعة، وقد قال الحكماء: القناعة كنز لا يفنى، وليس معنى ذلك أن نجلس في بيوتنا، بل نسعى في مناكبها في طلب الرزق، شريطة ألا نتمنى ما ليس بكائن، اقنع بما قسم الله لك، اما الغنى والفقر فبيد المولى عز وجل القائل: «إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه كان بعباده خبيراً بصيرا»، الاسراء 30. والغنى غنى النفس لا المال، فلا تندم على ما فاتك، فكل حياة الانسان بقدر. اعلم ايها الرجل، وكلنا هذا الرجل، ان كل ما قضاه الله تعالى هو كائن لا محالة، كما ان ما في علم الله ما هو يكون فهو كائن، وما قدر الله وصوله اليك بعد الطلب فهو لا يصل إليك إلا بعد الطلب، توكلوا على الله وضعوه بين اعينكم، وانظروا الى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عمه عبدالله بن عباس يذهب عنكم الحزن، وتطمئن نفوسكم، يقول صالح بن عبدالقدوس:
إن الغني الذي يرضى بعيشته
لا من يظل على ما فات مكتئبا
لاتحقرن من الايام محتقرا
كل امرئ سوف يجزى بالذي اكتسبا
قد يحفز المرء ما يهوى فيركبه
حتى يكون الى توريطه سببا
وقد صور لنا ابن عبدالقدوس تلاقي الجنازة وزفاف عروس تصويراً بديعاً، خاصة ان هذا اللقاء جاء عفوياً، وكيف سكت من يسير مع العروس ونطق من يسير مع الجنازة، حيث يقول:
واذا الجنازة والعروس تلاقيا
ورأيت دمع نوائح يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتا
ورأيت من تبع الجنازة  ينطق
وقد بدأ هذه الأبيات الرائعة بقوله:
المرء يجمع والزمان يفرق
ويظل يرقع والخطوب تمزق
ولئن يعادي عاقلا خير له
من أن يكون له عدو أحمق
وكل قصائد هذا الشاعر حكم وامثال وزينبيته متداولة بين ارباب الادب ومحبي الاشعار حتى يومنا هذا، وستظل كذلك، وهي بحق منهج حياة، وهو القائل على اختلاف بعض الروايات :
ليس من مات واستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء
انما الميت من يعيش كئيبا
كاسفا باله قليل الرجاء
ولم أر لابن عبدالقدوس هذا قصيدة غزل، وانما قصائده كلها حكم ونصائح وامثال، وتخويف من عذاب الآخرة، والعجب كل العجب كيف قتله محمد المهدي العباسي على الزندقة، وهذا من قضاء الله وقدره الذي أحدثكم عنه وحتى نتعرف عليه اكثر فهو صالح بن عبدالقدوس بن عبدالله بن عبدالقدوس الازدي الجذامي، أبو الفضل البصري، عرف بأنه شاعر حكيم كان له مجلس في مسجد البصرة، يقص فيه على الناس، وله مع ابي الهذيل العلاف مناظرات، قال المرزباني في معجم الشعراء : صالح بن عبدالقدوس الأزدي مولى لهم، كان حكيم الشعر زنديقاً متكلماً قتله المهدي على الزندقة، أمر بحمله إليه، فلما خاطبه اعجب بغزارة أدبه وعلمه وبراعته وحسن بيانه، وكثرة حكمه، فأمر بتخلية سبيله، فلما ولي رده وقال له : ألست القائل :
والشيخ لا يترك أخلاقه
حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله
كذي الضنى عاد الى نكسه
قال: بلى يا أمير المؤمنين قال : فأنت لا تترك اخلاقك، ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك، ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر، ورئي له بعد قتله منامات صالحة منها ما رواه  احمد بن عبدالرحمن المعبر الذي قال: رأيت صالح بن عبدالقدوس في المنام ضاحكا مستبشرا، فقلت له : مافعل الله بك ؟ وكيف نجوت مما ترمي به ؟ قال : اني وردت على رب لا تخفي عليه خافية، فاستقبلني برحمته، وقال لي: لقد علمت براءتك مما كنت تقذف به، «انتهى» وقد كان قتله سنة مئة وسبع وستين للهجرة.
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث