جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 26 مايو 2009

هل تنجح نظرية ميشيل فوكو في‮ ‬الكويت؟

خالد القطان
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

تشهد الساحة السياسية في‮ ‬الكويت منذ القدم الصراع الأزلي‮ ‬بين موالي‮ ‬الحكومة والمعارضة،‮ ‬وانتقل هذا الصراع الى مصطلح اكثر تحزباً‮ ‬وهو الليبراليون‮ (‬المتحررين فكرياً‮)‬،‮ ‬من افكارهم عدم خلط الدين بالسياسة،‮ ‬وعلى الكفة الاخرى الاسلاميون المنادون بأن تكون الشريعة المصدر الاوحد والاساسي‮ ‬في‮ ‬التشريع‮.‬
سأعرج قليلاً‮ ‬لاوروبا التي‮ ‬تشهد اقدم النماذج على هذا الصراع ففي‮ ‬العصور الوسطى كانت هناك حرب كامنة ومستعرة ما بين الكنيسة وما بين المستنيرين والذين ظهروا في‮ ‬عصر النهضة والتنوير ليخلصوا اوروبا من عصورها المظلمة بعد ان كانت الكنيسة تعرقل العلم وتمنع التفكير الا من خلالها،‮ ‬فالعلم والتقدم لا‮ ‬يتصاحبان مع الدين لأن الدين قيمة سامية‮ ‬يسمو بالمرء ليعتلي‮ ‬اعلى درجات الروحانية والتقرب من الرب،‮ ‬فاستخدم الدين للوصول الى السلطة وبمجهره تراقب افعال الناس ونواياهم لذا فإن المراقبة لا تشمل المطبوع والمقروء والمسموع من وسائل الاتصالات الحديثة بل تشمل الاحلام والنوايا‮ ‬غير المصرح بها‮. ‬محنة العقل العربي‮ ‬انه ضحية مرض مجتمعي‮ ‬واسير حاضنة جماعية فكل ما‮ ‬يصدر عنه هو جريمة جماعية منظمة لان الانسان العربي‮ ‬على مر التاريخ لم‮ ‬يمتلك لحظة‮  ‬الحرية كاملة لذا فهو قاصر ومريض في‮ ‬سلطته وهرمها‮.‬
بدأت الرقابة متواشجة مع انتصاب الانسان ووقوفه آدمياً‮ ‬حسب نظرية التطور،‮ ‬او عندما هبط آدم من فردوس ربه مخالفاً‮ ‬الوصية الالهية التي‮ ‬كانت اول قانون للمراقبة والمعاقبة معاً‮ ‬في‮ ‬تاريخ البشرية وفق الفهم الذي‮ ‬تسلم به الديانات السماوية والتوحيدية‮.‬
الرقابة او المراقبة بحسب‮ »‬ميشيل فوكو‮« ‬تضعن ايضاً‮ ‬امام استفزازات نصية ودلالية وواقعية فالرقابة تعنى أن هناك موضوعاً‮ ‬محظوراً‮ ‬تقوم عليه وهو دلالياً‮ ‬يعني‮ ‬أن هناك افكاراً‮ ‬ممنوعة من العلن وهناك اشخاص ممنوعون من الاعلان عنها وهناك مجتمع لابد من اقامة الحد عليه‮.‬
تحتل الرقابة حيزاً‮ ‬كبيراً‮ ‬في‮ ‬الفكر بوصف الانسان قاصراً‮ ‬عن اداء اعماله وواجباته ان لم‮ ‬يسعف بلوائح من الوصايا والمقررات السماوية كي‮ ‬يستقيم انساناً‮ ‬صالحاً،‮ ‬والا فقد حلت عليه لعنة السماء والتي‮ ‬نعني‮ ‬بها جهاز المراقبة والمعاقبة‮.‬
في‮ ‬المجتمعات العربية،‮ ‬وصلت الرقابة الى مرتبة العرف المقبول،‮ ‬لم‮ ‬يعد الرقيب عنصراً‮ ‬خارجياً‮ ‬فحسب،‮ ‬لقد اصبح ساكنة في‮ ‬وعي‮ ‬الناس،‮ ‬يعرفون ما‮ ‬يجب فعله او قوله وما لا‮ ‬يجب استبطنوا ضوابط السلطة السياسية،‮ ‬اتقنوا تفاصيلها،‮ ‬تشربوها في‮ ‬الشوارع والمخافر ومن التلفزيون والجرائد وفي‮ ‬ملاعب الكرة وفي‮ ‬المعاهد والكليات ومواطن العمل‮.‬
يسمي‮ ‬هؤلاء الفيلسوف الالماني‮ ‬نيتشه ازاء هذا التصور‮ »‬القطيع‮«  ‬المنساق الى حتفه دون ارادة،‮ ‬ففي‮ ‬اكثر الظروف اختلافاً‮ ‬وصعوبة تزداد قناعتي‮ ‬يوماً‮ ‬بعد‮ ‬يوم ان هناك اناساً‮ ‬تفضل الموت على التفكير،‮ ‬لا‮ ‬يفعلون شيئاً‮ ‬اكثر من تشجيع النقائص والعيوب،‮ ‬خبراء في‮ ‬تجميل افعالهم وعادة ما‮ ‬يظهرون كحمائم بيضاء،‮ ‬باتوا قوة متعاظمة في‮ ‬مجتمعاتنا‮ ‬يشكلون سلطة ظل‮ ‬يحسب الجميع حسابها،‮ ‬ويتحاشى الكثيرون ازعاجها او استثارتها،‮ ‬تتعدى الاصوليات بعضها بعضاً‮.‬
تصبح الرقابة رقابات متضافرة،‮ ‬عليك الا تكتب في‮ ‬الدين ما‮ ‬يؤلب عليك الاخرين والا تكتب في‮ »‬التعددية‮« ‬الاجتماعية لئلا تتهم بالطائفية وتنقلب عليك الطوائف والمذاهب،‮ ‬والا تناصر حقوق الاقليات مراعاة للعروبيين،‮ ‬والا تنتقد اداء المعارضة ان وجدت كي‮ ‬لا تخدم السلطة‮.‬
عليك ان تتغاضى عن الافكار المستوردة بانواعها التي‮ ‬تجعلك عميلاً‮ ‬وخائناً،‮ ‬اياك من الليبرالية او الماركسية وحتى البنيوية او التفكيكية اياك ثم اياك واذا كنت مبدعاً‮ ‬بحق فعليك ان تشق طريقك باظافرك ان تركوها لك،‮ ‬من اشهر الامثلة على المثقفين الذين ظلموا من الكنيسة ديكارت الذي‮ ‬كان‮ ‬يمارس رقابة شديدة على نفسه خوفاً‮ ‬من اليسوعيين وكذلك فعل سبينواز وفولتير واخرون‮.‬
هذه الازدواجية ألغت عملياً‮ ‬مفهوم الحق الدستوري،‮ ‬وتالياً‮ ‬الغت مفهوم المواطن وما‮ ‬يتصل به من حريات فردية وعامة لصالح فئة تقرر الهامش الذي‮ ‬تعيش‮  ‬فيه الرعية،‮ ‬فاذا اتسع الهامش قليلاً‮ ‬صور الامر كمكرمة من الحاكم واذا ضيق الهامش فالذرائع جاهزة من الحفاظ على الامن الوطني‮ ‬والوحدة الوطنية وصولاً‮ ‬الى الحفاظ على قيم مجتمع لا تعترف به الاحزاب الدينية الا باستخدامها الهراوات‮.‬
الآن ماذا لو فكر احدنا بكتابة نص وفق المعايير المرتجاة للرقابات العربية؟ لا داعي‮ ‬للتخيل فهناك ركام من النصوص الفارغة‮ ‬ينتج‮ ‬يومياً‮.‬
‮{{{‬
اجد نفسي‮ ‬عاجزاً‮ ‬عن ايصال رسالتي‮ ‬لمجلس الامة بممثليها ومنادي‮ ‬الظواهر السلبية فلن تجد هذه الكلمات آذاناً‮ ‬مصغية،‮ ‬فمجلس‮ ‬يضم هذه النوعيات‮ ‬يكون في‮ ‬حالة ما بين التعصب والتطير،‮ ‬ما بين الهيجان والحمى،‮ ‬ما بين الحنق والغضب‮.‬
نحمد الله،‮ ‬في‮ ‬الكويت لدينا الديمقراطية المشهودة‮ (‬حرية الرأي‮) ‬ولو كان كاتب هذه السطور في‮ ‬دولة عربية لاختفى من الوجود،‮ ‬وسيقف له المتشددون بالمرصاد،‮ ‬يقمع ويسجن ويقتل ان استدعى الأمر،‮ ‬اما هؤلاء فيبدأون من النهاية لا وقت لديهم لاهداره في‮ »‬التربية‮« ‬خصومهم الافضل التخلص منهم فوراً‮ ‬ونهائياً‮ ‬انهم‮ ‬يصدرون احكامهم باسم الله وباسم الوطن،‮ ‬وهذا نوع من الطغيان الاخلاقي‮ ‬ومراوغاتهم الفكرية فلا عزاء لنا في‮ ‬هذه الفوضى المتسامحة‮.‬

كسروا الاقالم هل تكسيرها
قطعوا الايدي‮ ‬هل تقطيعها
اطفؤا الاعين،‮ ‬هل اطفاؤها
أخمدوا الأنفاس‮  ‬هذا جهدكم


يمنع الأيدي‮ ‬ان تنقش صخراً؟
يمنع الأعين ان تنظر شزراً
يمنع الأنفاس ان تصدر زفراً؟
وبه منجاتنا منكم‮.. ‬فصبرا

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث