جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 19 مايو 2009

كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة

خالد القطان
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

‮»‬نادراً‮ ‬ما تثمر النصيحة الجيدة نتيجة حسنة‮« (‬بيرون شاعر إنكليزي‮).‬
عندما اخترت‮ ‬يا عزيزي‮ ‬الناخب،‮ ‬اتمنى ان تكون اخترت اقلهم شراً،‮ ‬ولا ترشقونا باليأس،‮ ‬لا تجردونا من لغتنا لننحدر لمستوى الصمت،‮ ‬لا تجردونا من قشرتنا الثقافية،‮ ‬هي‮ ‬نصيحتي‮ ‬لكل نائب كان بالأمس مرشحاً‮ ‬فمن منطلق واقع الانتخابات لا الواقع النظري‮ ‬تكمن اشكاليتنا،‮ ‬فلا‮ ‬يستقيم الحديث عن التغيير وهذه نفس المخرجات في‮ ‬كل انتخابات،‮ ‬حسنة الامس الوحيدة كانت دخول‮ ‬4‮ ‬مرشحات ودخول مرشحين من الاخوان الحساوية بعد انعدام تمثيلهم في‮ ‬المجالس السابقة،‮ ‬واعتقد ان‮ ‬يهز هذا الموضوع وعي‮ ‬الناس بسبب مضامينه الاخلاقية،‮ ‬يؤسفنا اننا بحاجة الى اعادة تأهيل فمشهد الانحطاط ازداد بؤساً‮ ‬وخسفاً‮ ‬وموتاً‮ ‬حضارياً‮ ‬مريعاً‮.‬
ان ارضاء عواطف الناس لجعلهم ادوات للطموح السياسي‮ ‬عند احدهم هو واحد من اشد انواع الاحتيال قسوة واكثرها وقاحة،‮ ‬لانه‮ ‬يقدم الناس ضحية على مذبحه،‮ ‬آلاف الناس‮ ‬يتحمسون لايمانهم بالوعود التي‮ ‬لن تتحقق ابداً‮ ‬لانهم‮ ‬يستخدمون فقط كطعم انتخابي‮ ‬والسلطة هي‮ ‬الكسب الذي‮ ‬يتحقق،‮ ‬سلطة في‮ ‬خدمة الدوائر الحزبية العليا لا في‮ ‬خدمة الناس،‮ ‬وتأتي‮ ‬ردود فعل هؤلاء الناس عنيفة عادة عندما‮ ‬يدركون أنهم خدعوا،‮ ‬فيلقون باللائمة ظلماً‮ ‬على اناس لم‮ ‬يخطئوا وليس على من كذبوا عليهم عمداً‮ ‬لتسلم السلطة،‮ ‬وكما‮ ‬يقال‮ »‬السياسة هي‮ ‬فن تحقيق الفائدة من الناس بحملهم على الاعتقاد بأن المرء‮ ‬يخدمهم‮«‬،‮ ‬وقد قال دالامبير‮ »‬فن الحرب هو فن تدمير البشر،‮ ‬كما ان السياسة هي‮ ‬فن خداعهم‮« ‬فالنفاق الجماعي‮ ‬يحول دون الاعتراف ببعض الحقائق عند الكشف عنها والمبادئ الراسخة مسبقاً‮ ‬هي‮ ‬مصدر الطمأنينة العاطفية بالنسبة لكل من‮ ‬يخشون الاعتراف بأي‮ ‬عيب أو نقيصة في‮ ‬النظام الانتخابي‮ ‬لانهم تعودوا عليه،‮ ‬هذا هو خطر‮ »‬الموالاة‮« ‬انه نوع من داء خبيث‮ ‬يقود المرء الى الايمان عاطفياً‮ ‬بالنظام الحزبي‮ ‬لجماعته ويرفض من‮ ‬غير تمييز اي‮ ‬نقد في‮ ‬سبيل كماله فالديمقراطية لا توجد فقط كمسألة اتفاقية او قرار ولكنها على الاصح تمثل حالة الوعي‮ ‬الذي‮ ‬يتطلب عملية طويلة شاقة من التحسين‮ ‬يكون فيها كل مواطن مجبراً‮ ‬على التخلي‮ ‬عن السلطة الابوية التي‮ ‬تمارسها القبيلة والحزب ويضطلع بمسؤوليته تجاه نفسه‮.‬
فكنت اتوقع ان الناخب الكويتي‮ ‬تواق الى الحق‮ ‬يتفوق على ذاته لا‮ ‬يعطي‮ ‬الفرصة لهذه الاهرامات المتوترة اجتماعياً‮ ‬والتي‮ ‬كبدتنا اوجاعاً‮ ‬سياسية،‮ ‬حصل ما توقعناه،‮ ‬وبانت الرؤية بعد انقشاع العواصف الانتخابية والتي‮ ‬وصمت فكرنا باليأس فالاشكال لم تتغير ولم تكن نسبة الاقتراع افضل من سابقتها فالديمقراطية الحقة‮ ‬يا عزيزي‮ ‬الناخب هي‮ ‬تربية وسلوك وممارسة حرة لا كما‮ ‬يطوعها البعض ويفسرها بأنها تغليب ارادته على القانون كملف مزدوجي‮ ‬الجنسية والذين جاؤوا والذين توافدوا على الكويت بمشهد شبيه بحملات الحج‮ ‬يوم الاقتراع‮.‬
كثيراً‮ ‬ما‮ ‬يعمل الكائن الانساني،‮ ‬دون وعي‮ ‬ضد نفسه عن طريق مناورات نفسية مدمرة للذات،‮ ‬والنكث بالوعد واحدة من هذه المناورات فقد اعتاد الناس على ان‮ ‬يتعهدوا شفهياً‮ ‬بالقيام بعمل ما ولكنهم في‮ ‬النهاية‮ ‬يقومون بعمل مختلف تماماً‮ ‬وهؤلاء الناس لا‮ ‬يقيمون وزناً‮ ‬لهذا السلوك ولا‮ ‬يدركون انه آلية للانتحار ولما كانت هذه الحالة هي‮ ‬الحالة الوحيدة المنطقية،‮ ‬فإنها لا تشير الى الحالات التي‮ ‬فيها‮ ‬يقول الفرد انه سيذهب شمالاً‮ ‬وينتهي‮ ‬الى الذهاب جنوباً‮ ‬لان المزيد من التحليل المفصل للحقائق‮ ‬يبين له ان قراره السابق كان خطأ‮.‬
هذا‮ ‬يعلل التناقضات العميقة لنوعنا كإنسان عاقل‮ ‬يتحدث عن السلام ولكنه‮ ‬يعيش باستمرار في‮ ‬حالة حرب ويعظ بالحب ولكنه‮ ‬يتصرف بحقد،‮ ‬يحقق انجازات كبيرة علمية وتقنية ولكنه‮ ‬يعلن عن تقدم روحي‮ ‬عديم الاهمية او‮ ‬غير موجود‮.‬
ان الهواء الذي‮ ‬نستنشقه في‮ ‬المدن الكبيرة والضجة وتلوث الغذاء وانتهاك القانون والارهاب واستغلال الانسان للانسان والكفاح ضد الاسماك الكبيرة‮ (‬الحيتان‮) ‬ومحاولة الدفاع عن النفس ضد مختلف مظالم الدولة،‮ ‬والحرب ضد سوء توزيع الثروة‮ ‬يشجع على المراباة في‮ ‬بعض الانظمة المالية،‮ ‬كلها صفات‮ ‬غير مرغوبة لعالم هذا الانسان الذي‮ ‬يمثلنا بوقاحة كملك على الطبيعة والكائنات الاخرى‮.‬
ادى انحطاط القيم بالناس الى محاولة التغلب على الآخر عن طريق الاسراف في‮ ‬اللجوء الى الخداع من خلال التكتم المنهجي‮ ‬الحذر على العيوب،‮ ‬والابراز الاصطناعي‮ ‬المتكلف للصفقات الملفقة التي‮ ‬لا وجود لها على ارض الواقع،‮ ‬يحاول الرجال والنساء دائماً‮ ‬تزييف صفحتهم النفسية بصورة كاذبة لا تحمل شبهاً‮ ‬لكينونتهم الحقيقية ويتظاهرون بفضائل لا‮ ‬يتمتعون بها،‮ ‬وبالتالي‮ ‬يحتالون لخداع الطرف الآخر الذي‮ ‬عندما‮ ‬يخدع بهذه الطريقة‮ ‬يعتبر الخيال حقيقة دون ان‮ ‬يدرك الطبيعة الحقيقية للشخص الذي‮ ‬يجد فيه جاذبية،‮ ‬ودخولهم البرلمان سيساعد بشكل حتمي‮ ‬على كشف الصفات الحقيقية التي‮ ‬كانت محجوبة،‮ ‬ولكن حقيقة ما حدث فعلاً‮ ‬هو ان بنيان الخداع قد انهار من خلال العجز او فقدان الاهتمام بمواصلة تستر احد الشريكين على حالته الحقيقية التي‮ ‬تصبح واضحة عند مواجهة الواقع في‮ ‬الوقائع‮ ‬يكون المغدور به شخص واحد ولكن هناك حالات فيها تتعرض الامة بكاملها لخداع المرشحين عندما‮ ‬يكتشف الناس بمرور الزمن ان صور هؤلاء المرشحين كانت قد عرضت بما لا‮ ‬يتناسب ابداً‮ ‬مع الواقع المادي‮.‬
ولنتعرف على ضعف الحجة وسذاجة المقصد علينا ان نضع في‮ ‬اعتبارنا ان التلاعب بالصورة‮ ‬ينطوي‮ ‬على رغبة واضحة بالغش وان هناك اغتصاباً‮ ‬خبيثاً‮ ‬للصفات والمواقف بقصد الحصول على فائدة وكلما كان عدد الناس المتأثرين بهؤلاء المحتالين اكبر كانت الجريمة المرتكبة اكبر ويجب ان تتناسب العقوبة مع حجم الجريمة ان الدعاية الانتخابية تضفي‮ ‬على منتجها‮ »‬النائب‮« ‬صوراً‮ ‬زائفة تثير الخيال والشهوات اللاواعية عند الناخب الذي‮ ‬لا‮ ‬يهتم في‮ ‬اكثر الحالات بالناتج الذي‮ ‬يشتريه وتتبع الجاذبية الحقيقية من الخيال الذي‮ ‬يضاف اليها وهذا هو السبب الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬يجعل بعض الغرماء‮ ‬يفقدون اهميتهم بسرعة في‮ ‬نظر الناخب حالما تصبح في‮ ‬حوزته لانه‮ ‬يبحث عن الخيال فيها وهو لن‮ ‬يجده ابداً‮ ‬وهكذا‮ ‬يواجه على نحو فظ الواقع الموضوعي‮ ‬لصفته‮.‬
يظن الناخب وهو‮ ‬يواجه هذا المأزق انه ربما ارتكب خطأ بانتخاب هذا المرشح انه‮ ‬ينبغي‮ ‬ان‮ ‬ينتخب مرشحين آخرين‮ ‬يبدون له اكثر جاذبية لانهم لا‮ ‬يزالون‮ ‬يتغلفون بالخيال الذي‮ ‬يتسمون به ما دام لم‮ ‬يخضع بعد لاختبار المواجهة مع الواقع‮.‬
يقول جبران‮: ‬من لم‮ ‬يكن صديقاً‮ ‬لنفسه كان عدواً‮ ‬للناس‮.‬
ونصيحة أخيرة‮: ‬اصطلحوا مع ذاتكم قبل ان تولوا الأدبار‮.‬

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث