جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 23 فبراير 2009

قانون‮ ‬فوكوياما‮ ‬

خالد القطان
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

فرانسيس فوكوياما وهو المفكر الأميركي‮ ‬الياباني‮ ‬الذي‮ ‬اشتهر في‮ ‬العالم العربي‮ ‬بكتابه‮ »‬نهاية التاريخ وخاتمة البشر‮« ‬كتب شيئاً‮ ‬قد‮ ‬يكون أكثر أهمية عن القانون،‮ ‬باعتباره المرجعية الاخلاقية البديلة في‮ ‬المجتمعات المتمدنة،‮ ‬فإذا حدث ان ارتطمت سيارة بأخرى أو بباب منزل،‮ ‬وكان الشارع خالياً‮ ‬وبلا شهود عيان،‮ ‬فإن المذنب‮ ‬يخرج من محفظته بطاقة شخصية تحمل عنوانه ورقم هاتفه ويضعها على المكان المتضرر،‮ ‬لماذا؟ ليس لأنه قديس أو ملاك‮  ‬ويختلف جوهرياً‮ ‬عن بقية البشر في‮ ‬آسيا وافريقيا،‮ ‬فالقانون،‮ ‬هو في‮ ‬نهاية المطاف عقد اجتماعي‮ ‬كالذي‮ ‬وصفه روسو،‮ ‬بل هو مقايضة متكافئة بين الأفراد،‮ ‬لأن من‮ ‬يعترف بخطأ ارتكبه بحق سواه‮ ‬ينتظر من الآخرين أن‮ ‬يعترفوا له بالخطأ الذي‮ ‬ارتكبوه ضده‮.‬
واعترف بأنني‮ ‬من المسافرين الذين‮ ‬يضيقون ذرعاً‮ ‬وتنفساً‮ ‬بالتفتيش وطقوسه الأيلولية الجديدة بدءاً‮ ‬من خلع الحزام والساعة حتى خلع الحذاء،‮ ‬لكن ما‮ ‬يساعدني‮ ‬على احتمال كل هذا هو ما أتذكره من مواقف في‮ ‬بعض المطارات العربية،‮ ‬عندما‮ ‬يسمح لكل ما هو محظور ومدون على البطاقة بالعبور سواء بسبب الرشوة،‮ ‬أو الجاه الاجتماعي‮ ‬أو الموقع الوظيفي،‮ ‬وقد تسقط طائرة ركاب بسبب آخر‮ ‬غير التفجير الإرهابي،‮ ‬أو الاختطاف،‮ ‬قد تسقط بسبب مادة محظورة قابلة للاشتعال اصطحبها أحد المسافرين الذين‮ ‬يظنون الطائرة حصاناً‮ ‬من حديد‮.‬
احترام القانون ليس تطوعاً‮ ‬أو فروسية‮ ‬يبادر إليها الايرلنديون أو الفرنسيون أو أي‮ ‬جنس آخر،‮ ‬انه احترام للذات أولاً‮ ‬بل هو دفاع مبكر واحترازي‮ ‬عن الذات وحقوقها،‮ ‬لأن ما‮ ‬يفرض علينا أن نفعله من أجل الاخرين سيفرض على الآخرين أيضاً‮ ‬في‮ ‬مناسبة مقبلة‮.‬
وحبذا لو‮ ‬يتدخل المشتغلون في‮ ‬حقل الحقوق والقوانين لانقاذ الناس مما‮ ‬يجهلون في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬لأن القانون كما‮ ‬يقول أصحابه‮: ‬لا‮ ‬يحمي‮ ‬المغفلين‮.‬
هذا التدخل التنويري‮ ‬يتلخص في‮ ‬أمرين،‮ ‬أولهما،‮ ‬التوضيح للناس أن القانون ليس‮ »‬أيقونة‮« ‬أو وثناً‮ ‬يعبد،‮ ‬وان احترامه ليس من أجله وأجل صياغته اللغوية والدستورية المجردة،‮ ‬إن احترامه‮ ‬يتأتى من دوافع ذاتية،‮ ‬يدرأ بها المرء أضراراً‮ ‬قبل وقوعها،‮ ‬ولو كان الإنسان مدنياً‮ ‬بالطبع كما وصفه ابن خلدون،‮ ‬فان القانون هو خلاصة تمدنه،‮ ‬لكن ابن خلدون قال ايضا ان الطبع‮ ‬يغلب،‮ ‬التطبع لهذا‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬يصبح القانون وراءنا لأسباب أقرب ما تكون إلى العلاقات الرعوية والنسيح البدائي‮.‬
ولو كنت ايرلندياً،‮ ‬لشعرت بالفخر بسبب موقف قد‮ ‬يبدو عابراً‮ ‬وسياحياً،‮ ‬وهو منع وزير السياحة الايرلندي‮ ‬من ركوب احدى الطائرات لأنه لا‮ ‬يحمل بطاقة شخصية،‮ ‬ويضاعف من أهمية الخبر،‮ ‬أن موظفي‮ ‬المطار تعرفوا الى الوزير على الفور،‮ ‬لكنهم رفضوا باسم القانون طلبه بالمغادرة على متن الطائرة‮.‬
ولدى الايرلنديين ما‮ ‬يفخرون به،‮ ‬بدءاً‮ ‬من شو وابسن وجويس وبتلر‮ ‬ييتس وليس انتهاء بذلك القس الثائر الذي‮ ‬قدم صورة أوروبية للعلاج،‮ ‬وتجلى في‮ ‬صورته وهو‮ ‬يخلع الخرقة ويعلن الحرب على الشقاء الأرضي‮.‬
لدى تلك البلاد ما تفخر به‮ ‬غير القانون،‮ ‬لكن القانون بالنسبة لبعض دول العالم الثالث هو آلة موسيقية،‮ ‬أو أي‮ ‬شيء آخر،‮ ‬لأن الواسطة أقوى منه وأشد نفوذاً،‮ ‬وقد‮ ‬يموت آلاف البشر في‮ ‬مختلف الأحداث بسبب التساهل وخرق القانون،‮ ‬فما من وزير أو مساعد‮ ‬يحمل الرقم عشرة للوزير‮ ‬يعاد إلى سيارته ويمنع من ركوب الطائرة لأنه لا‮ ‬يحمل بطاقة رسمية ممهورة وبصورة شخصية وتوقيع‮.‬
ولنأخذ عبرة كذلك من وزير المواصلات الياباني‮ ‬الأسبق فوجيموتسي‮ ‬تاكاهارا عندما تعطلت شبكة سكة الحديد‮ »‬القطارات‮« ‬لمدة نصف ساعة ما أدى إلى شل حركة المواصلات بطوكيو فلم‮ ‬يكتف بالاستقالة بعد ما شعر بالذنب وإنما وجدوه منتحراً‮ ‬على طريقة الساموراي‮.‬

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث