جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 24 سبتمبر 2018

جحدر والأسد «1-2» وقولا جحدر أمسى رهيناً يحاذر وقع مصقول يماني

هذا البيت من يطالعه يعرف ان صاحبه ينتظر الموت بين الحين والآخر، لذا فهذا الرجل قطعا لم تغفل عيناه لحظة واحدة لأنه يعرف أن السياف ينتظر الأمر ليقوم بقتله، ولكن الله سبحانه وتعالى ماض في أمره، وكل يوم هو في شأن، لذلك لم يفقد هذا الرجل بصيص أمل، هذا هو «جحدر» الرجل الفاتك، ذكر ابن الاعرابي، انه كان هناك رجل من بني حنيفة يقال له: جحدر بن مالك وكان فتاكاً شجاعاً، وقد أغار على هجر وناحيتها وآذى الناس حتى خافه القريب والبعيد، وبلغ الحجاج ذلك، فكتب الى عامله باليمامة يؤنبه ويوبخه لتلاعب جحدر به، ويأمره بالاجتهاد في طلبه والتجرد في أمره، فلما وصل الكتاب اليه، ارسل الى فتية من بني يربوع بن حنظلة، فجعل لهم جعلا عظيماً ان هم قتلوا «جحدر» أو أتوا به أسيرا، فانطلق الفتية حتى كانوا قريبين منه، ثم أرسلوا الى جحدر انهم يريدون صحبته والانقطاع اليه، والتحرز به فاطمأن لهم، ووثق بهم، فلما أصابوا منه غفلة شدوه وثاقاً وبعثوا به الى عامل اليمامة، فوجه بهم معه الى الحجاج، وكتب العامل يثني عليهم خيراً، وأنهم السبب في أسر جحدر.
نظر الحجاج الى جحدر فقال له وهو غاضب: من أنت؟ قال: أنا جحدر بن مالك الحنفي، قال: ما حملك على ما كان منك؟ قال: جرأة الجنان، وجفاء السلطان، وكلب الزمان. قال الحجاج: ما هذه الجرأة فيك حتى يجفوك سلطانك ويكلبك زمانك؟ قال: أصلح الله الأمير لو بلوتني لوجدتني من صالح الأعوان، وبهم الفرسان، ولوجدني أنصح رعيته له، وذلك أني ما لقيت فارساً قط، الا كنت عليه في نفسي مقتدراً، قال الحجاج: إنا قاذفون بك في حائر فيه اسد عاقر ضار، فإن هو قتلك كفانا مؤنتك، وان أنت قتلته خلينا سبيلك، ففرح جحدر فرحاً شديداً وقال: أيها الأمير أصلحك الله، اعطيت المنية وعظمت المنة، وقربت الفرج. قال الحجاج: اننا لسنا بتاركيك تقاتله الا وانت مكبل بالحديد، ثم أمر به فغلت يمينه الى عنقه وارسل به الى السجن، فقال جحدر لبعض من يخرج الى اليمامة، احمل عني شعراً وانشأ يقول:
ألا قد زادني فازددت شوقاً
بكاء حمامتين تجاوبان
تجاوبنا بلحن أعجمي
على غصنين من غرب وبان
فقلت لصاحبي وكنت احزو
ببعض الطير ماذا تحزوان
فقالا الدار جامعة قريب
فقلت، بل انتما متمنيان
فكان البان ان بانت سليمى
وفي الغرب اغتراب غير دان
أليس الليل يجمع ام عمرو
وإيانا فذاك بنا تدان
بلى وترى الهلال كما تراه
ويعلوها النهار اذا علاني
اذا جاوزتما نخلات نجد
وأودية اليمامة فانعياني
وقولا: جحدر أمسى رهينا
يحاذر وقع مصقول يماني
كتب الحجاج بن يوسف الى عامل له، ان يوجه اليه بأسد ضار عات يجر على عجل، فلما وصل كتاب الحجاج اليه اصطاد بعد جهد جهيد أسداً كريه المنظر وأرسله الى الحجاج، فلما ورد الأسد على الحجاج، أمر به فجعل في حائر، واجيع ثلاثة أيام، وارسل الى جحدر فأتي به من السجن، ويده اليمنى مغلولة الى عنقه، واعطي سيفا، وأدخل الحائر مع الأسد والحجاج جالس وأصحابه في منظرة لهم يشاهدون ما يجري، فلما نظر جحدر الى الاسد انشأ يقول:
ليث وليث في مجال ضنك
كلاهما ذو انف ومحك
وشدة في نفسه وفتك
ان يكشف الله قناع الشك
فهو أحق منزل يترك
فلما نظر اليه الأسد زأر زأرة شديدة لشدة جوعه، وتمطى واقبل نحوه يشتد، فلما صار منه على قدر رمح وثب وثبة شديدة، فتلقاه جحدر بالسيف، فضربه ضربة حتى خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، وسقط جحدر على ظهره من شدة وثبة الأسد، وموضع الكبول، فكبر الحجاج والناس جميعاً وانشأ جحدر يقول:
يا جمل انك لو رأيت كريهتي
في هول يوم مسدّف وعجاج
وتقدمي والليث اشقر موثقاً
كيما ابادره على الاخراج
شتن براثنه كأن نيوبه
زرق المعاول أو شباه زجاج
يسمو بناظرتين تحسب فيهما
لهباً اجدهما شعاع سراج
لعلمت اني ذو حفاظ ماجد
من نسل اقوام ذوي ابراج
ثم التفت الى الحجاج بن يوسف فقال:
ولئن قصدت لي المنية عامدا
اني لخيرك يا ابن يوسف راج
علم النساء بأنني لا أنثني
اذ لا يثقن بغيرة الأزواج
وعلمت اني ان كرهت نزاله
اني من الحجاج لست بناج

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث