جريدة الشاهد اليومية

الأحد, 23 سبتمبر 2018

خلت الديار فسدت غير مسوّدٍ ومن الشقاء تفرّدي بالسؤددِ

هذا بيت من الأبيات المعروفة ويعد من الأمثال السائرة يقوله حارثة بن بدر التميمي، وكثيراً ما استشهد به الناس في الماضي، فعندما تخلو الديار من عليّة القوم وخيارهم وأولي الأمر والنهي، يسود من ليس بسيد، ويترأس القوم من ليس أهلاً للرئاسة، وهذا ما لا يصلح. يقول الأفوه الأودي:
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
البيت لا يبتنى إلا على عمد
ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
صاحب بيت الشعر يستغرب الأمر الذي آل إليه، وكيف أصبح سيدا وتفرد بالرئاسة وهو ليس أهلاً لذلك، ولا شك ان هذا تواضع منه، واعتراف بفضل وسؤدد من سبقه، ووفاء لهم، ولو لم يكن أهلاً لتفرده بالسؤدد لما سوده قومه، ولبيت الشعر أكثر من قصة. روى صاحب «الأغاني» بسند متصل، قال: كانت في تميم حمالتان «ديتان» فاجتمعوا في مقبرة بني شيبان ليتدبروا أمرهم ويروا رأيهم، فقال لهم الأحنف بن قيس وهو سيدهم: لا تعجلوا حتى يحضر سيدكم، فقالوا: من سيدنا غيرك أبا بحر! قال: حارثة بن بدر، ثم قدم حارثة بمال كثير، وأخبر بما قال فيه الأحنف، فقال: أغرمنيها والله ابن «الزافرية» ثم جاء الى قومه كأنه لم يعلم فيما اجتمعوا، وقال لهم: فيمَ اجتمعتم؟ فأخبروه بالأمر فقال لهم: لا تسألوا أحداً فهما علي، ثم أتى منزله وقال:
خلت الديار فسدت غير مسود
ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وقال الأصفهاني في موضع آخر: اجتاز حارثة بن بدر التميمي بمجلس من مجالس قومه من بني تميم ومعه «كعب» مولاه، فكلما اجتاز بقوم قاموا إجلالا له، وقالوا: مرحباً بسيدنا، فلما ولّى قال له مولاه كعب: ما سمعت قط أقر لعيني، وألذ لسمعي من هذا الكلام الذي سمعته اليوم. فقال له حارثة: لكني لم أسمع كلاماً قط أكره لنفسي، وأبغض إليّ مما سمعته، قال: ولمَ؟ قال: ويحك يا كعب، انما سودني قومي حين ذهب خيارهم وآماثلهم فاحفظ عني هذا البيت:
خلت الديار فسدت غير مسود
ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وقد تمثل بهذا البيت الكثير من الفقهاء والقضاة ومنهم سفيان بن عيينة، فقد روي انه خرج يوماً ونظر الى اصحاب الحديث فقال: هل فيكم أحد من أهل مصر؟ قالوا: نعم، فقال لأهل مصر: ما فعل الليث بن سعد؟ فقالوا: توفي، رحمه الله، فنظر إلى الجماعة مرة ثانية، وقال: هل فيكم أحد من أهل الرملة؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل ضمرة بن ربيعة الرملي؟ قالوا: توفي، رحمه الله. فقال: هل فيكم من أهل حمص؟ فقالوا: نعم، قال: ما فعل بقية بن الوليد؟ فقالوا: توفي، رحمه الله. فقال: هل فيكم أحد من أهل دمشق؟ قالوا: نعم، قال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ قالوا: توفي، رحمه الله، فقال: هل فيكم أحد من أهل قيسارية؟ قالوا: نعم، فقال: ما فعل محمد بن يوسف الغريابي؟ فقالوا: توفي، رحمه الله، فبكى سفيان بكاء كثيراً وقال:
خلت الديار فسدت غير مسود
ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
ويعد حارثة بن بدر من الأمراء، والشعراء والفرسان الا انه كان مدمناً على الشراب، سأله عبيد الله بن زياد بعد مقتل الحسين بن علي: ما تقول فيّ وفي الحسين؟ قال: يأتي يوم القيامة يشفع له أبوه وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأتي يشفع لك أبوك وجدك، فاعرف من هاهنا ما تريد. ولا بأس أن نتعرف على هذا الشاعر، فهو حارثة بن بدر حصين بن قطن بن غُدانة «بضم الغين بن يربوع التميمي «الأغاني»، وأمه يقال لها: الصدوف بنت صدي من بني ضريم بن الحارث، ذكر انه ادرك النبي صلى الله عليه وسلم إلا انه لم يره، وهو من سن الاحنف بن قيس، وله قصص مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، وكان قريباً من زياد بن ابيه عندما كان أميراً للعراقيين، فلما توفي زياد وأمر ابنه عبيد الله بن زياد، فلم ير منه كما كان يرى من أبيه، وأخره بعض التأخير، فعاتبه حارثة على ذلك، فقال له عبيد الله: اترك الشراب وتكون أقرب الناس إليّ، فقال له: كان أبوك يعلم هذا مني ويقربني ويكرمني. فقال عبيد الله: إن أبي كان لا يخاف من القالة في تقريبك ما أخاف، وإن اللسان إليّ فيك لأسرع منه إلى أبي، ثم قربه بعد ذلك وعرف له حقه وصحبته لأبيه، وولاه وولاية.
وفي وفاة حارثة بن بدر اكثر من قول إلا أن صاحب الأغاني ذكر انه اشتكى وأشرف على الموت، فجعل قومه يعودونه، وقالوا له: هل لك من حاجة أو وصية توصي بها؟ قال: نعم، قالوا: ما هي؟ قال: اكسروا رجل مولاي كعب حتى يظل معي ولا يفارقني! فقاموا اليه وكسروا رجله فأنشأ حارثة يقول:
يا كعب مهلاً فلا تجزع على أحد
يا كعب لم يبق منا غير أجساد
يا كعب ما راح من قوم ولا بكروا
إلا وللموت في آثارهم حادي
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت
إلا تقرب آجالاً لميعاد
يا كعب كم من حمى قوم نزلت به
على صواعق من زجر وابعاد
فإن لقيت بواد حية ذكرا
فاذهب ودعني أمارس حية الوادي
توفي حارثة بن بدر سنة خمس وستين للهجرة، وبذلك يكون عمره تجاوز الثمانين عاماً، أما الأحنف بن قيس الذي ورد ذكره فهو الاحنف بن قيس بن معاوية بن حصين السعدي التميمي واسمه «الضحاك»، كان عالماً عابداً أميراً شجاعاً فاتحاً شاعراً، يعد سيد تميم في زمانه، وأحد التابعين، وهو الذي فتح «مرو الروذ» وكان في جيشه الحسن البصري ومحمد بن سيرين، روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي ذر الغفاري، قال لشعبي يوماً: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الآتي إلى مائدة لم يدعَ لها، والداخل بين اثنين في حديثهما ولم يدخلاه، والمتأمر على رب البيت في بيته، والمندلق بالدالة على السلطان، والجالس في مجلس ليس له بأهل، والمقبل بحديثه إلى من لا يسمع له، والطامع في فضل البخيل، والمنزل حاجته بعدوه، ثم قال: يا شعبي، ألا أدلك على الداء الدوي؟ قال: بلى، فقال له: الخلق الرديء، واللسان البذيء. فقال: دلني على مروءة ليس لها مزرية؟ فقال: بخ، بخ يا شعبي، سألت عظيماً، الخلق الشحيح والكف عن القبيح. توفي الأحنف سنة تسع وستين للهجرة، وكان قد زار أمير العراق مصعب بن الزبير بن العوام فمات عنده، فسار في جنازته حافياً بلا رداء «المنتظم لابن الجوزي»، وكان عمره حين وفاته فوق الثمانين... دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث