جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 18 أغسطس 2008

إذا كنت في‮ ‬روما فتصرف كالرومان

المحامي‮ ‬خالد خليل القطان
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

‮»‬ما جادلت عالما إلا‮ ‬غلبته،‮ ‬وما جادلني‮ ‬جاهلٌ‮ ‬إلا‮ ‬غلبني‮«.‬
تذكرت هذه المقولة الشهيرة،‮ ‬إثر تعرضي‮ ‬لموقف حدث في‮ ‬مطارنا الدولي،‮ ‬وشعرت بأنها تنطبق عليه تماما‮. ‬فقد كنت واقفا في‮ ‬ذلك الطابور الذي‮ ‬ينتهي‮ ‬الى موظف الكاونتر،‮ ‬لإجراء الحجز وشحن الأمتعة استعدادا لركوب الطائرة،‮ ‬وكان الزحام شديدا،‮ ‬ولكن ما خفف من وطأته ان الجميع حرصوا على الالتزام بترتيبهم في‮ ‬الطابور الذي‮ ‬بدا منظما،‮ ‬قبل ان‮ ‬يأتي‮ ‬شخص من خارج الطابور،‮ ‬ليعكر صفو النظام الذي‮ ‬كان الركاب ملتزمين به،‮ ‬فقد اخترق هذا الشخص في‮ ‬لحظات طابور الواقفين،‮ ‬متخطيا الجميع،‮ ‬ومتخطيا قبلهم الذوق والقواعد المرعية،‮ ‬وكأن هؤلاء الواقفين بالعشرات لا‮ ‬يملأون عينيه،‮ ‬واتجه قاصدا الكاونتر،‮ ‬يريد ان‮ ‬يستبق الجميع‮. ‬ولم أكن استثناء من حالة الغضب التي‮ ‬عمت الواقفين في‮ ‬الطابور الذين تململوا جميعا،‮ ‬وراحوا‮ ‬يطالعون هذا‮ »‬الدخيل‮« ‬بين متعجب ومستنكر،‮ ‬فذهبت اليه عامدا الى مناقشته‮:‬
أنا‮: ‬بكل احترام‮: ‬يعطيك العافية أخوي‮!‬
هو‮: ‬بكل برود‮: ‬نعم؟
أنا‮: ‬بأي‮ ‬حق تتخطى هؤلاء جميعا،‮ ‬بتصرفك هذا الذي‮ ‬يخلو من الذوق؟
هو محتفظا ببروده‮: ‬أنا مستعجل جدا،‮ ‬وأريد أن انتهي‮ ‬من إجراءاتي‮ ‬بسرعة‮.‬
أنا‮: ‬محاولا كتم‮ ‬غضبي‮ ‬المتزايد‮: ‬يا سيدي،‮ ‬نحن جميعا سنركب طائرة واحدة،‮ ‬فهل أنت بتصرفك هذا ستصل قبلنا؟
هو‮: ‬مستنكرا ردي‮: ‬يا أخي،‮ ‬لماذا اللضب؟ إن الفارق ثوان،‮ ‬وستأخذ دورك،‮ ‬ولا داعي‮ ‬للمهاوشة‮!‬
الحق انني‮ ‬حين وصل النقاش الى هذا الحائط السميك،‮ ‬شعرت بأنني‮ ‬كنت أخوض حوارا عبثيا،‮ ‬فقد كان واضحا ان هذا الشخص‮ ‬يتحدث لغة مختلفة وان اتفقت مع لغتي‮ ‬في‮ ‬حروفها وكلماتها،‮ ‬فكظمت‮ ‬غيظي،‮ ‬وتبادلت النظرات مع بقية الواقفين حولنا،‮ ‬الذين أذهلتهم اللامبالاة التي‮ ‬تفوق فيها هذا الراكب المتطفل،‮ ‬ولم أجد الا أن أعود الى مكاني‮ ‬في‮ ‬الطابور،‮ ‬وأنا أتأرجح بين الغيظ والدهشة،‮ ‬وأجد عزائي‮ ‬في‮ ‬المقولة المشهورة‮: »‬إلا الحماقة أعيت من‮ ‬يداويها‮«.‬
فمثل هذا المتمرد،‮ ‬الذي‮ ‬ضرب عرض الحائط بالقواعد والقوانين،‮ ‬ومصالح الآخرين،‮ ‬بل حتى لم‮ ‬يكترث للعادات والتقاليد،‮ ‬ولم‮ ‬يقم وزنا للذوق،‮ ‬مثله كيف‮ ‬يتعامل مع مجتمعه وهو‮ ‬يبتعد عشرات الكيلومترات عن السلوك القويم في‮ ‬مسألة بسيطة وتلقائية،‮ ‬كاحترام الطابور،‮ ‬وحق الآخرين في‮ ‬الاستفادة من ترتيبهم حسب الأسبقية؟
ووجدت نفسي‮ ‬استسلم لشريط من الصور التي‮ ‬أخذت تتوالى امام عيني‮ ‬لكثير من الأشخاص الذين‮ ‬يشبهون ذلك الدخيل المتمرد على الذوق العام،‮ ‬والذين نراهم كل‮ ‬يوم في‮ ‬الأسواق والجمعيات والمجمعات،‮ ‬وحتى في‮ ‬الطرقات،‮ ‬فهؤلاء لا‮ ‬يكفون عن ازعاج الآخرين،‮ ‬ومضايقتهم والاعتداء على خصوصياتهم،‮ ‬فهم في‮ ‬المواقف‮ ‬يحتلون الأماكن المخصصة للمعاقين،‮ ‬لكي‮ ‬يجنبوا أنفسهم المشي‮ ‬بضع خطوات اضافية،‮ ‬وهم في‮ ‬التجمعات‮ ‬يضايقون العائلات،‮ ‬ويناكفون خلق الله،‮ ‬وفي‮ ‬الطرقات‮ ‬يعرضون أنفسهم والآخرين للخطر،‮ ‬وربما للموت،‮ ‬لمجرد الاستعراض،‮ ‬أو للظهور‮ »‬المرضي‮« ‬بمظهر المتحدي‮ ‬للقانون والذوق العام،‮ ‬وهم لا‮ ‬يعرفون‮ - ‬وربما‮ ‬يتجاهلون‮ - ‬أنهم‮ ‬يعطون بذلك صورة مشوهة لعائلاتهم،‮ ‬ويؤذون مجتمعهم،‮ ‬ويسيئون لمعنى الأخلاق‮.‬
فليت هؤلاء‮ ‬يفهمون انهم حين‮ ‬ينتهكون التقاليد أو‮ ‬يخرقون القوانين،‮ ‬انما هم ظالمون لأنفسهم قبل ان‮ ‬يظلموا الآخرين،‮ ‬لأنهم‮ ‬يجب ان‮ ‬يدركوا أنهم بكسرهم للقانون‮ ‬يفتحون نافذة للآخرين ليكسروه ضدهم،‮ ‬والخاسر الوحيد حينئذ مجتمعنا،‮ ‬وهيبة القانون التي‮ ‬لا‮ ‬يرتقي‮ ‬المجتمع الا اذا جعلنا منها تاجا على رؤوسنا،‮ ‬وسياجا آمنا‮ ‬يحمينا جميعا‮.‬

كلمة أخيرة
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا‮ ‬يغرّ‮ ‬بطيب العيش إنسان
هي‮ ‬الأمور كما شاهدتها دول
من سرّه زمن ساءته أزمان

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث