جريدة الشاهد اليومية

الإثنين, 17 سبتمبر 2018

ولو أنني استغفر الله كلما ذكرتك لم تكتب علي ذنوب

تأملوا هذا البيت، أعيدوا النظر إليه وتدبروه. صاحب هذا البيت يقول: لو ذكرت الله واستغفرته بقدر ما أذكر من شغل تفكيري ما كتب الله علي ذنوباً! تالله لم أجد أعجب من هؤلاء الشعراء، هذا الشاعر جعل نفسه مفتياً وشاعراً في آن واحد، فهل كل من استغفر الله ضمن مغفرة الله تعالى، أو كل من استغفر الله قبل الله استغفاره ومحا ذنوبه؟ كيف بمن يستغفر الله وقلبه أسود من الفحم، كيف بمن يستغفر الله ونيته باطلة، وهل نحن عباد الله الضعفاء بمكانة نعرف فيها أن من استغفر الله قبل الله استغفاره؟ أنتأله على الواحد الأحد؟ لا تذهبوا بعيداً، فالشاعر يجوز له ما لا يجوز لغيره، العجيب أن كل كاذب يقال له: أخزاك الله. إلا الشاعر كلما كذب في شعره قيل له: أحسنت، عافاك الله، زدنا لا فض الله فاك! بالرغم من أن شيخ شعراء الجاهلية: زهير بن أبي سلمى يقول:
وأن أحسن بيت أنت قائله ... بيت إذا أنشدته قال الناس قد صدقا
نعود إلى عنوان موضوعنا وهو قول الشاعر:
ولو أنني استغفر الله كلما ... ذكرتك لم يكتب علي ذنوب
هذا البيت ضمن أبيات في غاية الجمال لشاعر من شعراء الدولة العباسية اسمه: غصين بن براق أبو هلال الاحدب، وهو من أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر الشاعر العباسي: دعبل بن علي الخزاعي في كتابه «طبقات الشعراء» أن هذا الشاعر أعرابي رحل من المدينة المنورة إلى عاصمة الخلافة العباسية بغداد، فأقام بها حتى مات، وأضاف دعبل في ترجمة هذا الشاعر أنه مغنٍ، وقال إن محمد بن زكريا رأى غصيناً هذا فقال له: أنشدني شيئاً من شعرك؟ فقال:
فلو أن ما بي بالحصى فتت الحصى ... وبالريح لم يوجد لهن هبوب
ولو أنني استغفر الله كلما ... ذكرتك لم يكتب علي ذنوب
ولو أن أنفاسي أصابت بحرها ... حديداً إذا ظل الحديد يذوب
أما صاحب كتاب طبقات الشعراء دعبل بن علي الخزاعي فهو من شعراء الدولة العباسية، وهو مشهور جداً في خلافة المأمون والمعتصم وهو شاعر آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله فيهم قصائد كثيرة، وكان أهجى شعراء وقته على الاطلاق، لم يسلم من هجائه لا شريف ولا وضيع، وهو القائل يهجو عبدالله المأمون الخليفة العباسي السابع:
أيسومني المأمون خطة عاجز ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد
أني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
وهو القائل أيضاً في الخليفة العباسي الثامن المعتصم:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم تأتنا في ثامن منهم الكتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... خيار إذا عدوا وثامنهم كلب
وقد أفرط دعبل في هذا الهجاء حتى قيل له أما تخاف أن تقتل؟ قال إني أحمل خشبتي منذ خمسين عاماً لأصلب عليها، وكان لدعبل ما أراد، حيث قتله مالك بن طوق التغلبي أمير الرحبة بعدما هجاه، وهذه رواية تخالفها روايات أخرى وربما سأل البعض عن معنى اسم دعبل؟ ومعناه: بيض الضفدع والناقة القوية، واليكم أشهر ما قاله هذا الشاعر وهي قصيدته: مدارس آيات، في آل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اخترت لكم منها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالركن والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر ... وحمزة والسجاد ذي الثفنات
ديار لعبدالله والفضل صنوه ... نجي رسول الله في الخلوات
منازل كانت للصلاة وللتقى ... وللصوم والتطهير والحسنات
منازل جبريل الأمين يحلها ... من الله بالتسليم والزكوات
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم ... أكفا عن الأوتار منقبضات
سأبكيهم ما ذر في الأرض شارق ... ونادى منادي الخير بالصلوات
أما البيت السائر لهذا الشاعر فهو قوله:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
عاش دعبل بن علي الخزاعي قرابة المئة عام، فقد ولد في خلافة أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني العام 146 هجري وقيل 148 وتوفي العام 248 هـ، ودعبل ليس اسما له انما لقب، واسمه عبدالرحمن وقيل محمد بحسب ما ذكره ابن الجوزي في كتابه المنتظم، ودعبل لقب أطلقته عليه دايته لدعابة به، ومن قصائده الرنانة قصيدته الفضلية التي يقول مطلعها:
نصحت فأخلصت النصيحة للفضل ... وقلت فسيرت المقالة في الفضل
ألا إن في الفضل بن سهل لعبرة ... إذا اعتبر الفضل بن مروان بالفضل
وللفضل في الفضل بن يحيى مواعظ ... إذا فكر الفضل بن مروان بالفضل
دمتم سالمين في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث