الأربعاء, 12 سبتمبر 2018

الدولة المدنية

لن تحل مشكلة البصرة بالسهولة التي يتوقعها اي مسؤول عراقي كبير. المشكلة اكبر من مجرد مدير شرطة متهم بالرشوة وعدم النظافة، او الادعاء على قياديين امنيين كبار اخرين. امر الرشوة شاع في كل العراق، فلم اقتصار الازمة بمدير الشرطة؟ العراق يعاني من مشكلة مدمرة غير قابلة للاصلاح ابدا. الا بالعودة للدولة المدنية. الطائفية بلاء كبير صعب ان يبرأ منه العراقيون وسيظلون يحاربون بعضهم بعضاً الى يوم يبعثون، مالم يتخلصوا مما هم فيه. المذهبية داء يحتاج الى دعم دولي واعادة برمجة للضمير وللوعي العراقي ليعودوا الى طبيعتهم وهو امر لن يتأتى بلوغه بدون عودة الدولة المدنية الى العراق. لا دخل لا لاميركا ولا لاسرائيل ولا لتركيا ولا لايران ولا للسعودية في الصراع المذهبي السائد حاليا في العراق والذي تسبب في نجاح مؤامرة ما يسمى بتنظيم داعش الارهابي. العراقيون الذين يتقاسمون حكم العراق وامواله من الفصائل والاحزاب الدينية المسلحة الموالية لاطراف ودول اخرى هي التي سقطت في الامتحان وضعفت امام اغراءات السلطة والمال. هذه الاطراف لم تعد تصلح للحكم حتى وان اسقطت العمامة او اي رداء ديني اخر وارتدت اي بدلة بربطة عنق او بدونها. لا يجوز ان تظل لا البصرة ولا اي مدينة عراقية اخرى تحت رحمة سلطة هذه الاحزاب المسلحة التي تلغي دور الدولة وتتقاسم الوظائف والترقيات والمناصب القيادية لافرادها وابنائهم فإن لم تكن عضوا او فردا في اي من هذه الاحزاب فإنك لن تجد وظيفة ولا عملا تزاوله. نعم مشكلة العراق اكبر من مشكلة البصرة التي تتعرض لانتقام ايراني منها لانها كانت الساحة الاكبر في الحرب العراقية الايرانية. لم تكن هنالك مصلحة لاي عراقي، وليس لاهل البصرة، في الدخول في حرب مع ايران. ايران جارة تاريخية عزيزة ويجب ان ينشأ بينها وبين الوضع العراقي الجديد في مرحلة ما بعد صدام نوع من التعاون الاستراتيجي على كل المستويات. وهذا الامر يجب ان يشمل المنطقة برمتها اذ لا داعي لافتعال صراع مذهبي ينعكس على السياسة والعلاقات الدبلوماسية والتعاون في المجالات الامنية والعسكرية والدفاعية والنفطية والنقل وامور اخرى يجب ان توظف لخدمة الاستقرار والتنمية لا التصعيد والشحن والاحتقان والعداء. الا ان الامر المؤسف ان ادارات الحكم في ايران والعراق ودول اخرى في المنطقة غير الكويت، لاتزال تعمل بانعكاس للتراث الذي يمجد الخلاف الطائفي ويحرض على العنف. العراق في وضع سيئ وسيصل الى الاسوأ مع الوقت مادام العامل الطائفي لا الاستحقاق التأهيلي والمزايا التأهيلية المرتبطة بالنزاهة وعامل الخبرة هي اساس التاهيل للحكم. واوضاع ايران تصب في نفس الاتجاه، وكذلك ثلاث او اربع اخرى من دول المنطقة. وبالتالي العلاج يجب ان يشمل المنطقة باكملها للخلاص من المذهبية التي تفرق ولا تجمع وهو ايضا علاج مطلوب لكل الدول العربية والاسلامية التي يجب ان تحكم مدنيا وان تعتمد الشريعة فيها اساسا لقواعدها الدينية وليس المصدر الوحيد للتشريع. اذ ان العرب والمسلمين جزء من العالم وليسوا كل العالم, وها هي روسيا وايران وتركيا تشرع لنفسها باتفاق قادة الدول الثلاث في قمة طهران، التبادل التجاري بالعملات المحلية بدلا من الدولار. من الجهل الاعتقاد بأن الدول المدنية على خلاف مع الاديان والدين الاسلامي مثلا لا شيء فيه ناقص او مشجع على الخلاف. والنواهي والمحرمات متروكة للمسلم وهي رهن بمدى التزامه دينيا او قناعته. المسلمون في الهند اقل من خمس السكان ومع ذلك ترأس الدولة الهندية مسلمون لان كفاءتهم اوجبت ذلك وعمدة لندن مسلم وعمدة ورؤساء حكومات 6 مقاطعات بريطانية اخرى مسلمون. هم لا يفرقون بين مواطنيهم على اساس الاديان، ونحن نفرق بين الاشقاء على اساس المذهب.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث