الثلاثاء, 11 سبتمبر 2018

هوّن الأمر تعش في راحة قلّما هوّنت إلا سيهون

لا تكن الدنيا أكبر همك، ودع عنك ليت ولعل، إن أردت أن تعيش مرتاح البال، و«هون الأمر» هنا تعني: سهل الأمر، لذلك فأنت كلما سهلت الأمر لم يصبح شغلك الشاغل، وسارت الأمور، فما بعد العسر إلا اليسر، وقد قال نابغة بني شيبان عبدالله بن المخارق:
من يلق بؤساً يصبه بعده فرح
الناس بين ذوي روح ومكروب
ويقول أيضاً عنبر بن لبيد العذري:
استقدر الله خيراً وارضين به
فبينما العسر إذ دارت مياسير
وفي هذا الأمر يقول عبيد بن الأبرص:
من يسأل الناس يحرموه
وسائل الله لا يخيب
ولله در الصلتان العبدي حيث يقول:
نروح ونغدو لحاجاتنا
وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته
وتبقى له حاجة ما بقي
فلا تندم على ما فاتك، فأنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين» هود «6»، وبالعودة الى بيت الشعر، فهو ضمن أبيات حكمة، قالها شاعر جاهلي اسمه عمرو بن حلّزة بن مكروه بن يزيد بن عبدالله بن مالك، اليشكري البكري الوائلي، عاش ومات قبل الإسلام، أخوه الحارث بن حلزة أحد أصحاب المعلقات، وهو شاعر قديم لم ينل حظاً من الشهرة كأخيه الحارث، وقد قال عمرو أبياتاً يرثي بها أخاه تضمنت البيت المشار اليه في البداية، ورغم انه جاهلي إلا انه أشار بوضوح الى التسليم بقضاء الله وقدره، وفي ذلك يقول المولى عز وجل «ما اصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، ان ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور» الحديد «22». هناك من ينسب هذا البيت الى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو وهم وخطأ، فالبيت لعمرو بن حلزة كما جاء في معجم الشعراء للمرزباني محمد بن عمران، وورد أيضا في كتاب المؤتلف والمختلف لابن القيسراني شرف الدين محمد بن نصر المخزومي الخالدي، وكذلك في معجم الشعراء الجاهليين، وديوان شعراء بكر وغير ذلك، وبكر قبيلة هذا الشاعر، وهي تنسب إلى بكر بن وائل بن قاسط بن أقصى بن دعمىبن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وهي من أشهر قبائل ربيعة على الاطلاق في العصر الجاهلي وصدر الاسلام والخلافة الاموية والعباسية، وتعد من اكبر القبائل العربية عدداً وعدة، وهم أبناء عمومة تغلب وأحد طرفي حرب البسوس التي دامت أربعين عاماً، وقد خرج معظمها الى العراق، وديار بكر جنوب تركيا، وبكر واحدة من جماجم العرب الكبرى، وينحدر منها عدة قبائل أهمها: بنوشيبان، بنوعجل، بنوحنيفة، بنوذهل، بنو تيم اللات بن ثعلبة، بنو قيس بن ثعلبة، وإليكم قصيدة عمرو بن حلزة اليشكري:
يأمن الأيام مغتر بها
ما رأينا قط دهراً لا يخون
والملمات فما أعجبها
للملمات ظهور وبطون
هون الأمر تعش في راحة
قلما هونت إلا سيهون
ربما قرت عيون بشجى
مرمض قد سخنت منه عيون
لا تكن محتقرا شأن امرئ
ربما كان من الشأن شؤون
ولا بأس ان نحدثكم قليلاً عن الحارث بن حلزة شقيق هذا الشاعر، فهو من أشهر شعراء الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات، ومعلقته التي بدأها بقوله:
آذنتنا ببينها أسماء
رب ثاو يمل منه الثواء
آذنتنا ببينها ثم ولت
ليت شعري متى يكون اللقاء
وقد أنشد قصيدته هذه بين يدي الملك عمرو بن هند، وقد توفي قبل الهجرة بخمسين عاماً، دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث