الخميس, 06 سبتمبر 2018

البحث عن عقل

أشرت مرة الى اني كنت في تايبيه عاصمة دولة تايوان او فرموزة او الصين او الوطنية او مجموعة الجزر التي شكلت منها تايوان دولتها، وسألت وزيرة التجارة والتنمية فيها وكان ذلك في عام 1986، سألتها عما لا تستطيع بلادها الصغيرة المتواضعة ان تصنعه؟ كنت قد زرت تايبيه لإنتاج بضاعة صناعية  بسيطة الا انها صعبة الصنع او اغلى بكثير فيما لو جرى تصنيعها في اي دولة عربية. وقتها اصطحبتني شابة اقصر مني طولا وأكثر حيوية وذكاء  من نفس الوزارة. هي التي استقبلتني في المطار. لم اتصل بأحد قبل مغادرة الكويت سوى بسفارة تايوان في احدى الدول الخليجية للحصول على الفيزا وكنت احمل الجواز العراقي وربما أثار الحقل المتعلق بالمهنة في الجواز  صحافي «Journalist» فضول السفارة او أثار مخاوف لدى الجهة المعنية بالسفارة فأبلغت من يعنيه الامر في تايوان لاتخاذ الحيطة والحذر مني. كنت اصغر عمراً في ذلك الوقت بأكثر من ثلاثين عاما الا اني كنت قد ذاكرت جيدا لمعرفة البيانات الضرورية عن هذه الدولة الصغيرة العجيبة التي انفصلت عن اكبر دولة عدداً بالسكان في العالم وثاني اكبر دولة شيوعية بعد الاتحاد السوفييتي وبفكر ماوتسي تونغ الرجل الذي صنع معجزة الصين وسيجعل منها فكره واستبداده ودكتاتوريته، اكبر قوة بشرية في التاريخ . في المطار بعد وصولي الى تايبيه وجدت من يحمل يافطة صغيرة باسمي باللغة الانكليزية. واصطحبتني الفتاة بسيارة الوزارة مع سائق الى الفندق الذي كنت قد حجزت غرفة فيه من احدى الشركات في الكويت وهي واحدة من الخدمات المتطورة التي علمت الكويت المنطقة برمتها على اصولها. سألتني الموظفة بعد ضيافة قصيرة في الفندق عن سبب الزيارة  فأبلغتها بما اريد واظهرت لها نموذجا من البضاعة، فقالت لي ان هنالك عشرات الورش التي يمكن ان تنتج لي ما أريد، الا انها بينت لي ان عوامل السرعة والجودة تختلف حسب السعر، ففضلت ان اذهب الى الورش لارى واختار . واصطحبتني في اليوم التالي الى سبع او ثمان ورش  بسيطة وفي مناطق صناعية صغيرة  لأن البضاعة المطلوبة كانت نوعاً من الهدايا الخفيفة التي يمكن ان تظل باليد طوال الوقت على شكل علاقة مفاتيح «Keychain». كانت تايوان في وقتها افضل من الصين البلد الام في القدرات الصناعية وكانت الولايات المتحدة بالتأكيد وراء فكرة انفصال تايوان او فرموزة عن الصين الشعبية. ولهذا السبب ربما كانوا يخافون ان يكون هنالك سبب اخر وراء الزيارة. الا ان الموظفة المرافقة ربما اعطت انطباعا جيدا عني لعد اهتمامي بالسهر او الشرب او التدخين والنوم المبكر وعدم الافراط في طرح الاسئلة والتنقل طوال اليوم كما يفعل الكثيرون. كنت وقتها زرت دولا كثيرة في اوروبا وفي آسيا ولم اجد فرقا كبيرا بين الدول وتايوان يومها، لم تكن بلد ناطحات سحاب او اسواقاً تجارية عالمية عملاقة بقدر ما كانت بلدا صناعيا خاصة في المجالات المكتبية والساعات  والاقلام والهدايا  وهي امور كان بامكان اغلب الدول العربية ان تفعل مثلها بدلا من الانشغال في معارك مع شعوبها او مع جيرانها وهي ميزة تنفرد بها الكويت وسلطنة عمان. في اليوم الرابع من الزيارة وكنت سأعود ليلا الى دبي ومنها الى الكويت، كانت الموظفة المرافقة لي قد رتبت لي موعدا مع وزيرة التجارة والتنمية، وللامانة، لا اذكر ان كنت انا الذي اقترحته عليها ام ان الجهات الحكومية ارادت مني ان انقل انطباعاتي واعجابي بما شهدته من قدرات صناعية  ام انهم ارادوا ان يستمعوا مني الى كيفية فتح اسواق لبضائعهم في الخليج وهو امر لم اكن متحفزاً له. خلال المقابلة التي تحولت الى لقاء صحافي مع الوزيرة، سألتها ضمن امور اخرى كثيرة : هل هنالك ما تعجزون عن صناعته؟ فأجابت: بإمكاننا ان نصنع كل ما يخطر على بالك الا الانسان. ولأني مؤمن بقدرات الخالق عز وجل. شكرتها وانصرفت وانا متيقن انها صادقة في اجابتها. الآن بعد اربعين عاما،الصين الشعبية تفوقت لأن امكاناتها اكبر الا ان اي دولة عربية لم تتحرك قيد انملة الى الامام في المجال الصناعي، مالم تكن قد تأخرت رغم الامكانات المالية والبشرية  والدعم الحكومي.

د. هشام الديوان

د. هشام الديوان

بين السطور

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث