جريدة الشاهد اليومية

الخميس, 06 سبتمبر 2018

«حنانيك بعض الشر أهون من بعض»

هذا الشطر ضمن  بيت سائر يعد حكمة، فشر أهون من شر:
أبا منذر افنيت فاستبق بعضنا
حنانيك بعض الشر أهون من بعض
إذاً هذا البيت يضرب مثلاً عند ظهور الشرين بينهما تفاوت، وهو اشبه ما يكون بالمثل القائل: «إن من الشر خياراً» وايضا: بلاء اخف من بلاء. روى الطبري  وغيره،أن الخارجي البرك بن عبدالله التميمي لما ضرب معاوية بن أبي سفيان بسيفه أصاب وركه فجرح إليته، ثم جاء الطبيب وعاين جرح معاوية فقال له: اختر واحدة من اثنتين: إما أن أكوي مكان  الجرح فتبرأ ويستقيم امرك،  أو اسقيك دواء يبرئك إلا انه يقطع نسلك؟ فقال معاوية: لا طاقة لي بالنار، ولي في يزيد وعبدالله خلف، فاختار أهون الشرين وسقي الشراب فبرئ. وبالعودة الى بيت الشعر نجد كلمة «حنانيك» وهي تعبير لغوي معناه الاستعطاف الرقيق، وقد استخدم العرب «حنانيك» في شعرهم ونثرهم، مثل قول الشاعر الحضرمي حسين بن محمد البار «ت 1965م»:  
حنانيك يا من سكنت الحنايا
وحملت قلبي جميع الرزايا
أما صاحب بيت الشعر الذي جعل بين الشرين خياراً فهو: طرفة بن العبد الوائلي، شاعر جاهلي من اهل البحرين من اصحاب المعلقات صاحب البيت المشهور الذي يقول فيه: 
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالاخبار من لم تزود
وهذا البيت ضن معلقته التي بدأها بقوله:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشيم في ظاهر اليد
وطرفة ليس اسمه بل لقب غلب عليه، وانما اسمه: عمرو بن العبد، عاش هذا الشاعر ستة وعشرين عاماً فقط، ولد سنة 543م في البحرين وقتل بأمر الملك عمرو بن هند سنة 569م، فسمي «الغلام القتيل» واسمه بالكامل: طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة  بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، عرف بالحكمة في اشعاره،  كان من ندماء الملك عمرو بن هند اللخمي، ثم بلغ الاخير هجاء طرفه له فبعثه بكتاب الى واليه على البحرين وعمان لم  يدر طرفه  انه حمل حتفه بيده، فقتله المكعبر والي البحرين وعمان، فكما قال الناس: «ومن  الحب ما قتل»، ايضا «من الكتب ما قتل»، ومن اسباب قتله قوله للملك عمرو بن هند:
فليت لنا مكان الملك عمرو
رغوثا حول قبتنا تخور
والرغوث الشاة أو  البهيمة لا تكاد ترفع رأسها من المعلف، ولم يكتف طرفة  بهجاء الملك، بل هجا أخاه  قابوس فقال فيه:
لعمرك إن قابوس بن هند ليخلط ملكه «نوك» كثير!
وهو هنا  يصفه بالحماقة، فالرجل الانوك معناه الرجل الاحمق، فوصل خبر هذه الابيات الى عمرو بن هند، فغضب إلا انه أخفى غضبه، واظهر لطرفة حسن النية، ثم اعطاه كتابا واعطى خال طرفة  المتلمس كتابا ايضا الى واليه علىالبحرين، وذكر لهما ان في  الكتابين صلة ومكافأة لهما، فأوجس  المتلمس خيفة من الكتابين، ففض كتابه واعطاه لغلام من أهل الحيرة،  فقرأ كتابه فاذا به:  اذا جاءك المتلمس فاقطع يديه ورجليه واقتله، فقال لطرفة: تعلم انه كتب فيك ما كتب في!!  فرفض طرفة ان يفتح كتابه وقال: لا يجرؤ علي، وسار الى والي البحرين وهو بهجر فدفع اليه الكتاب، فقرأه  المكعبر، وقال له: تعلم  ما فيه؟ قال: نعم  أمرت أن تجيزني وتحسن إليّ!  فقال: ان بيني وبينك خؤولة، أنا لها راع، فاهرب من ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك، فاخرج قبل أن تصبح ويعلم بك الناس، فقال طرفة: اشتدت عليك جائزتي، وأحببت أن أهرب! لا أفعل ذلك أبداً، ولا أجعل لعمرو بن هند الي سبيلا، فأمر الوالي بحبسه وتكرم عن قتله وكتب الى عمرو بن هند، أبعث إلى بعاملك فإني غير قاتل الرجل، فبعث عمرو بن هند رجلاً من تغلب وامره  بقتل طرفة فقتله، وقبره كان معروفاً بهجر، وفيه تقول أخته:
عددنا له ستاً وعشرين حجة
فلما توفاها استوى سيداً  ضخماً
فجعنا به لما رجونا إيابه
على خير حال لا وليداً ولا قحماً
أما بيته الذي صار مثلا فهو ضمن ابيات يقول فيها:
أبا منذر  كانت غرورا  صحيفتي
ولم أعطكم  بالطوع مالي ولا عرضي
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
حنانيك! بعض الشر أهون من بعض
وقد اخذ هذا المعنى من طرفة بن العبد شاعر جاهلي إسلامي هو أبو خراش الهذلي، فقال يرثي اخاه عروة:
حمدت إلهي بعد عروة إذا نجا
خراش وبعض الشر أهون من بعض
وإلى بيت جديد،في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث