الثلاثاء, 04 سبتمبر 2018

وَحــقــك أَنت المنى وَالــطَلَب وَأَنتَ الــمـُراد وَأَنـــتَ الأرب

القسم بغير الله شرك، هذا ما أخبرنا به سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن الشاعر يجوز له ما لا يجوز لغيره، ولا يحق لنا أن نفتي في ذلك فنحن كتّاب ولسنا فقهاء، لذلك أقول: ان هذا الشاعر بدأ بيته بالقسم بحق محبوبه، ولاشك أنه حق كبير فمكانته كبيرة ومنزلته عظيمة للغاية، والدليل حلفه به، فهو بالنسبة له المنى والطلب والمراد والأرب، وعندما يقول الشاعر المراد فمحبوبه بالنسبة له أقصى ما يتمناه ويريده، وهو رغبته ومبتغاه، وعليكم أن تتصوروا عظم محبة هذا الشاعر لمحبوبه ثم يقول بعد ذلك:
ولي فيك يا آسري صبوة
تحير في وصفها كل صب
هو في شوق وحنين لمن قيده بوثاق الحب، أسير عنده، والأسير تحت حكم من أسره يفعل به ما يشاء، والصبوة هنا تعني اللهفة الشديدة، هذه المعاناة جعلت المحبين في دهشة، صبابتي فاقت كل صبابة وحبي فاق كل حب، تعالوا لنرى الأبيات كاملة:
وَحــقــك أَنت المنى وَالــطَلَب
وَأَنتَ الــمـُراد وَأَنـــتَ الأرب
وَلي فيكَ يــــا آسري صَبوة
تـحير فـي وَصفِها كـــل صَبّ
أَبيت أُســـــــامِر نجم السَــــما
إذا لاحَ لي في الدُجى أَو غـرب
وَأَعرِضت عَن عاذِلي في هَواكَ
إِذا نَمّ يـــــا مُنيَتي أَو عَـــتب
أَمـــَولايَ بـــالِلّهِ رفــــقاً بـِمَن
إلَيكَ بذلّ الــغَـرامِ اِنتَسَـــــــب
فَإنّي حســـــيبُكَ مــن ذا الجَفا
وَيا ســــيدي أَنتَ أَهل الحسب
وَيـــا هاجِري بَعد ذاكَ الرِضا
بـحَـقِّكَ قــل لي لِهذا سَــــــبَب
فَاِنّي مُحب كَــــمــا قَد عَهِدت
وَلــكِنّ حبك شَــــيء عَــجــَب
أَمــا وَالَّذي زانَ مِنكَ الــجَبين
وَأَودَع فـي اللَحظِ نبت العنب
وَأَنبَتَ في الخدّ روَض الجمال
وَلـــكِن سَــــــقاه بِـماء اللَهَب
لئن جرت أو جدت أنت المراد
ومالي ســـــــواك مليح يحب
هذه الأبيات الجميلة يقولها سابع شيوخ الازهر الشريف أبو محمد جمال الدين عبدالله بن محمد بن عامر بن شرف الدين الشبراوي المصري مولداً ونشأة شيخ عصره الشافعي، العثماني العصر، الاديب الشاعر، يعتبر فاتحة لعصر النهضة والتحرر، ولد في القاهرة سنة 1092 هـ، ونبغ منذ صغره فكان بعد ذلك شاعراً متميزاً، وكاتباً ألوذياً، آية في علم الفقه والحديث والكلام، تولى مشيخة الأزهر وله من العمر أربعة وثلاثون، وصف الشيخ الشبراوي بأنه كريم النفس، واسع الأفق، رحب الصدر، حكيم، متسامح، سمح للأقباط بزيارة بيت المقدس، قال في ترجمته الشيخ الجبرتي: الإمام، الفقيه المحدث، الأصولي، المتكلم، الماهر الشاعر الأديب، اجتمعت له الوراثة الصالحة والبيئة العلمية المناسبة، فنمت مواهبه وأينعت وتفتحت عن أطيب الثمرات في عصره، فجده عامر بن شرف الدين الحافظ الذكي، وقد نال الشيخ الشبراوي شهرة عظيمة وكانت له مكانة مرموقة عند الحكام والولاة. قال الجبرتي: لم يزل يترقى في الأحوال والاطوار، ويفيد ويملي ويدرس حتى صار ذا جاه ومنزلة عند رجال الدولة والأمراء، ونفذت كلمته وقبلت شفاعته، وصار لأهل العلم في مدته رفعة مقام، ومهابة عند الخاص والعام، وأقبلت عليه الأمراء وهادوه بأنفس ما عندهم، ورغم هيبته وجلاله وعلو منصبه فإنه كان يستجيب لنوازع المشاعر الوجدانية، فيعبر عن ذلك بشعر رقيق ومن أعذب قصائده قوله:
إن العواذل قد كووا
قلبي بنار الهجر كي
ومرادهم أسلو هواك
وأنت نقطة مقلتي
عذلوا وما عذروا وكم
وصل الأسى منهم إلي
كم شنعوا وتفوهوا
وتقولوا كذباً عليّ
وأنا وحقك لا تؤثر
عندي الأشياء شيّ
حاشا يكون لقولهم
يا منيتي أثر لدي
يا حادي الأظعان يطوي
البيد بالأظعان طيّ
مهلا بهم حتى أمتع
ناظري منهم شوي
يا عاذلي فيهم لقد
اسمعت لو ناديت حي
قل لي: بأي سنة
الحب عار أم بأي
يا صاحبي ومن قضى
اني أحاور صاحبي
ما حلت عن عهدي ولو
قطع العواذل أخدعي
لا يا أخي ولا أقول
لعاذلي لا يا أُخيّ
لا والذي جعل الهوى
في شرع أهل الغي غي
ما همت يوماً بالرباب
ولا بهندٍ ولا بميّ
لكن شغفت بحب آل البيت
بيت بنى قصيّ
المنتمين بذلك النسب
الشريف إلى لؤي
قوم إذا أتاهم
ذو كربة نادوه هيّ
هم عمدتي ووسيلتي
مهما لواني الدهر لي
عاش الشيخ الشبراوي قرابة السبع والسبعين سنة، وتوفي في يوم مبارك وهو السادس من ذي الحجة سنة 1171 هـ الموافق بالتاريخ الميلادي 1758 م- رحمه الله تعالى.
دمتم سالمين.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث