جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 28 أغسطس 2018

الصمت حكمة وقليل فاعله

يقول أبو العتاهية الشاعر العباسي:
رحم الله امرأ أنصف من
نفسه إن قال خيراً أو سكت
وعلى نفس المعنى يقول صالح بن عبدالقدوس في زينبيته:
وزن الكلام اذا نطقت ولا تكن
ثرثارة في كل ناد تخطب
أيها السادة، الصمت حكمة وقليل فاعله، فإذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب، إن كثرة الكلام تطيح من قدر المرء، وتضعف شخصيته أمام الناس، لأن كثرة الكلام تجعلك عرضة للزلل، ويقول ابن عبدالقدوس أيضاً:
احفظ لسانك واحترز من لفظه
فالمرء يسلم باللسان ويعطب
وقد صور الامام الشافعي اللسان كالثعبان حيث يقول:
احفظ لسانك أيها الانسان
لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه
كانت تهاب لقاءه الاقران
والحقيقة انه ما من شيء احق بطول حبس من اللسان، وقد قال المولى عز وجل: «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»، الآية 18 ق.
ومن وصايا لقمان الحكيم لابنه: يا بني، إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر بحسن صمتك. وقد روي عن عبدالله بن عمرو بن العاص، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صمت نجا» - رواه أحمد والترمذي - وكان الصمت حلية النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن كثر مزاحه، استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل مات قلبه «انتهى». يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «الصمت حكمة وقليل فاعله»، ويقول الرجل الصالح عبدالله بن المبارك:
الصمت أزين بالفتى
من منطق في غير حينه
وللصمت سبع فوائد هي: عبادة من غير عناء، وزينة من غير حلي، وهيبة من غير سلطان، وحصن من غير حائط، والاستغناء عن الاعتذار، وراحة للكرام الكاتبين، وستر للعيوب. يقول أبو العتاهية في هذا الصدد:
قد أفلح الساكت الصموت
كلام راعي الكلام قوت
ما كل نطق له جواب
جواب ما تكره السكوت
وقد قال الحكماء: ليس من شيء أطيب من اللسان، والقلب اذا طابا، وليس من شيء أخبث منهما اذا خبثا، يقول عمرو بن العاص السهمي: الكلام كالدواء، إن أقللت منه نفع، وان اكثرت منه قتل: وقد بين يعقوب بن السكيت فقال:
يصاب الفتى في عثرة من لسانه... وليس يصاب المرء في عثرة الرجل فعثرته في القول تودي برأسه.. . وعثرته بالرجل تبرأ على مهل
وقد قيل في الأمثال: جرح السنان، ولا جرح اللسان. وما اجمل قول يعقوب الحمدوني:
وجرح السيف تأسوه فيبرأ
وجرح الدهر ما جرح اللسان
ومن الحكم المأثورة قول أبي العتاهية وهو مبدع في هذا الجانب:
ان كان يعجبك السكوت فإنه
قد كان يعجب قبلك الاخيارا
ولئن ندمت على سكوتك مرة
فلقد ندمت على الكلام مراراً
ان السكوت سلامة ولربما
زرع الكلام عداوة وضرارا
وقد اخذ ابياته هذه من قول لقمان لابنه: يا بني إن غلبت على الكلام، فلا تغلب على الصمت، فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول:
إني ندمت على الكلام مرارا ولم أندم على الصمت مرة واحدة.
وكان يقال: لسانك عبدك، فإذا تكلمت صرت عبده، وفي علم النفس: سلاح الصمت اقوى سلاح، وليس الغرض ان يكون المرء اصم ابكم ولكن اتحدث عندما يكون للحديث موضع، واصمت حين ينبغي لي الصمت، ومع ذلك فاللسان ثمرة القلب ما أحسن استخدامه، وقيل لعيسى بن مريم عليه السلام: ما مبدى علم القلب وجهله؟ قال: اللسان، فقيل له: فمتى يلزم المرء الصمت؟ قال: عند من هو أعلم منه، وعند الجاهل إذا جالسه.
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث