جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 22 أغسطس 2018

الدين والسياسة والصلاح

وصلني من العديد من الاخوة الأعزاء مقال للطبيب والكاتب المصري الكبير علاء الأسواني تحت عنوان «التدين الشكلي»، ويناقش هذا المقال ظاهرة انفصام الشخصية المجتمعية «social schizophrenia»، الذي أصبح طابعاً عاماً في مجتمعاتنا العربية وهي ظاهرة تعكس الجهل التام بجوهر الأديان السماوية «holy ignorance» وقد شرح الدكتور الأسواني قصة عمله في إحدى الهيئات الحكومية الكبرى التي تضم آلاف العاملين،حيث اتضح له من اليوم الأول حالة التشدد الديني بين العاملين فيها لدرجة التوقف عن العمل وترك المريض لإداء الصلاة!!وقد أدى هذا التصرف إلى الخلاف بين الدكتور الأسواني وبعض العاملين في الهيئة الذين ينقطعون جميعاً عن العمل قبل أذان الظهر بنصف ساعة ويشرعون في الوضوء وفرش الحصير في الطرقات، استعداداً لأداء صلاة الجماعة. ولم يكن الدكتور الأسواني معترضاً على الالتزام الديني بل انه يرى أن يكون الإنسان ملتزماً ومتديناً من الأمور الحسنة والجميلة.
ولكن سرعان ما اكتشف أن كثيراً من العاملين بالرغم من التزامهم الصارم بأداء الفرائض الدينية يرتكبون انحرافات جسيمة وكثيرة في إساءة معاملة الناس والكذب والنفاق وظلم المرؤوسين وحتى الرشوة ونهب المال العام.وسوء الأخلاق والفساد الإداري والمالي في الهيئة.
وقد أوضح الدكتور الأسواني أن ما حدث في تلك الهيئة يحدث في معظم الهيئات في عالمنا العربي حيث يعتبر العالم العربي من أكثر الشعوب تديناًوفي نفس الوقت، يحتل مراكز متقدمة في الفساد والرشوة والتحرش الجنسي والغش والنصب والتزوير.
ويتساءل الدكتور الأسواني : هل تحول الملايين من رجال الدين في العالم العربي إلى نماذج من «تارتوف» رجل الدين الفاسد الذي يسعى إلى إشباع شهواته الإنسانية الرخيصة وهو يتظاهر بالتقوى؟
ويعتقد الدكتور الأسواني أن المشكلة أعمق من ذلك.. حيث يرى أن العرب والمسلمين متدينون فعلاً عن إيمان صادق ويراقبون ضمائرهم في كل ما يفعلونه ولكن كثيرا منهم يمارسون انحرافات بدون أن تعذبهم ضمائرهم حيث نجد ضباط الشرطة الذين يعذبون الأبرياء، والأطباء والممرضات الذين يسيئون معاملة المرضى الفقراء في المستشفيات العامة، والموظفين الذين يزورون بأيديهم نتائج الانتخابات لصالح الحكومة، والطلبة الذين يمارسون الغش الجماعي، معظم هؤلاء متدينون وحريصون على أداء الفرائض الدينية!!
ويقول الدكتور الأسواني :إن المجتمعات تمرض كما يمرض الإنسان. ومجتمعنا يعاني من انفصال العقيدة عن السلوك وانفصال التدين عن الأخلاق ومن أسباب ذلك النظم الاستبدادية التي تؤدي إلى شيوع الكذب والغش والنفاق والشكلية في الدين وممارسة العبادات!! بمعنى أنها لا تقدم الدين باعتباره مرادفاً للأخلاق وإنما تختصره في مجموعة إجراءات -وليس سلوكاً-إذا ما أتمها الإنسان صار متديناً.
ويرى الأسواني أن الأديان جميعا قد وجدت أساسا للدفاع عن القيم الإنسانية:الحق والعدل والحرية.. وكل ما عدا ذلك أقل أهمية وأن الذي يعمل وينفق على أهله أفضل عند الله من الناسك المنقطع للعبادة لكنه لا يعمل.وإن الفهم القاصر للدين سبب رئيسي في تردي الأوضاع في مصر وأن الفضيلة تتحقق بطريقتين لاثالث لهما: إما تدين حقيقي مرادف تماما للأخلاق وإما عن طريق الأخلاق وحدها حتى ولو لم تستند إلى الدين وإن التدين الحقيقي يجب أن يتطابق مع الأخلاق. .وإلا فإن الأخلاق بلا تدين أفضل بكثير من التدين بلا أخلاق ..
وبالرغم من اتفاقي مع معظم الآراء والأفكار التي طرحها الدكتور الأسواني إلا أنني أرى كثيراً من التيارات والأحزاب السياسية غير الدينية تُمارس عكس ما تدعوه إليه في مؤتمراتها وندواتها وما تنادي به قيمها ودساتيرها!! بل إنها أشد في عنصريتها وممارساتها الشكلية والإجرائية أكثر من رجال الدين الشكلي والإجرائي في عالمنا العربي والإسلامي، بل ان بعض المنتمين لهذه التيارات السياسية والحزبية لا يمنعهم دين ولا تردعهم أخلاق عن ممارسة بعض السلوكيات الظالمة والجائرة والتي تؤدي إلى انتهاج شتى أنواع وأساليب الفساد للوصول للمال والسلطة بدون رادع ولا ضمير !!
لا نريد أن نلقي اللوم على الدين ورجال الدين ومن يمارسون الدين شكلياً وإجرائياً ونبرئ الأحزاب والتوجهات السياسية الأخرى مما وصلنا له من فساد وظلم وتخلف وضياع .فالدين الإسلامي فيه من الصلاح والقيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية التي اذا ما طبقت فإنها تجعل من النظام العالمي جنة الله في الأرض.
ودمتم سالمين

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث