جريدة الشاهد اليومية

الأربعاء, 22 أغسطس 2018

أعلّمه الرماية كل يوم فلما «استدّ» ساعده رماني

كثير من الناس يقولون «اشتد»، والصحيح «استد» بالسين المبهمة، والمراد هنا السداد في الرمي، ذكر ذلك علماء اللغة مثل الخليل بن أحمد في «العين» والجوهري في «الصحاح» وابن منظور في «اللسان»، قال ابن منظور: «واما السداد بالفتح فإنما معناه الاصابة في المنطق، ان يكون الرجل مسدداً، ويقال إنه لذو سداد في منطقه وتدبيره». هذا البيت يضرب مثلا لمن يقابل الاحسان بالاساءة، كفعل النعمان ابن شقيقة ملك الحيرة بالمهندس المعماري النبطي «سنمار» الذي بنى له قصراً لا نظير له في الدنيا فجازاه على ذلك بأن رماه من أعلى القصر، يقول الشاعر معن بن أوس المزني:
فيا عجباً لمن ربيت طفلاً
ألقمه بأطراف البنان
أعلمه الرماية كل يوم
فلما استد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي
فلما قال قافية هجاني
أعلمه الفتوة كل وقت
فلما طر شاربه جفاني
ومعن هذا شاعر مخضرم عاصر الجاهلية والإسلام، أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعد أشعر أهل الإسلام لمتانة شعره وجزالته، كان معاوية بن ابي سفيان يستحسن شعره ويتمثل به ويقدمه على غيره، ومن حكمه السائرة قوله:
لعمرك ما أهويت كفي لريبة
ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها
ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم حقاً لم تصبني مصيبة
من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي
ولست بماش ما حييت لمنكر
من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي
ولا مؤثراً نفسي على ذي قرابة
وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي
تزوج معن أخت صديق له، ثم طلقها، فأقسم أخوها ألا يكلمه، فقال في ذلك:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل
على أينا تعدو المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل
إن ابزاك خصم او نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة
وأحبس مالي ان غرمت فأعقل
وإن سؤتني يوما صفحت الى غد
ليعقب يوماً منك آخر مقبل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته
على طرف الهجران إن كنت تعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه
إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد
إليه بوجه آخر الدهر تقبل
وذكر الزبير بن بكار الزبيدي أن معناً هو القائل:
لسنا وإن كرمت أوائلنا
يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
روي أن عبيدالله بن العباس مر بمعن بن أوس وقد كف بصره فقال له: كيف حالك يا معن؟ فقال له: ضعف بصري وكثر عيالي، وغلبني الدين، قال: وكم دينك؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فبعث بها إليه، ثم مر به عبيدالله في الغد، فقال له: كيف أصبحت يا معن؟ فقال:
أخذت بعين المال حتى نهكته
وبالدين حتى ما أكاد أدان
وحتى سألت القرض عند ذوي الغنى
ورد فلان حاجتي وفلان
فقال عبيدالله: الله المستعان، إنا بعثنا لك بالأمس بلقمة فما لكتها، حتى انتزعت من يدك! فأي شيء للأهل والقرابة والجيران! ثم بعث له بعشرة آلاف درهم أخرى، فقال معن يمدحه:
وإنك فرع من قريش وإنما
تمج الندى منها البحور الفوارع
ثووا قادة للناس بطحاء مكة
لهم وسقايات الحجيج الدوافع
ومن أشعاره الحكيمة السائرة:
ورثنا المجد عن آباء صدق
أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلته
بنات السوء أوشك أن يضيعا
لا يعرف تاريخ ميلاد معن بن أوس، فقد ولد في الجاهلية ولم يذكر أحد سنة ميلاده إلا أن صاحب كتاب الاعلام ذكر أن وفاته سنة 64 هـ وهذه السنة مات فيها الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية، وفيها وقعت الفتنة بين عبدالله بن الزبير ومروان بن الحكم، وظني انه توفي بعد هذه السنة بقليل لأنه دخل على عبدالله بن الزبير في مكة عندما بويع بالخلافة، التي بدأت منذ سنة 65 هـ وانتهت بمقتله سنة 73 هـ، وقد ورد ذكر عبيدالله بن عباس ولا يمكن تجاوزه دون ذكر شيء من ترجمته، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثالث أبناء العباس بن عبدالمطلب، سبقه الفضل وعبدالله وتلاه قثم، وعبدالرحمن ومعبد والحارث وكثير وعون وتمام، وأم عبيد الله أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، كان أجود أهل زمانه وأنداهم كفاً، وسيماً طويلاً أبيض يشبه أباه في الجمال، ولد قبل الهجرة بعامين ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يحبه إلا أنه لم يرو عنه، خرج يوماً في مسير له ومعه مولاه، فرأى خيمة أعرابي في الصحراء فمال إليها، فلما رأى الأعرابي هيئته وجماله أعظمه وأجله، فذهب إلى امرأته وقال لها: ماذا عندك لضيفنا هذا؟ قالت: ليس عندنا إلا هذه الشويهة التي حياة ابنتك منها! قال: لابد من ذبحها، فحاولت أن تمنعه إلا أنه أصر على ذبحها إكراماً لعبيد الله ومولاه، فأخذ الشفرة وذبح الشاة وسلخها وهو يقول مرتجزاً:
يا جارتي لا توقظي البنية
إن توقظيها تنتحب عليه
وتنزع الشفرة من يديه
ثم هيأها طعاماً وقدمها لعبيدالله ومولاه، وكان عبيد الله قد سمع محاورته لامرأته في الشاة، ولما أراد أن يرتحل سأل مولاه: ماذا بقي معك من نفقتنا؟ فقال: خمسمئة دينار، قال عبيدالله: ادفعها للأعرابي، فقال المولى: سبحان الله! تعطيه خمسمئة دينار! إنما ذبح شاة قيمتها خمسة دراهم؟! فقال: ويحك! هو والله أسخى وأجود لأننا أعطيناه بعض ما نملك، وجاد هو بكل ما يملك وآثرنا على مهجة نفسه وولده، ثم وهب الأعرابي ما معه.
قال خليفة بن خياط: توفي عبيد الله بن العباس سنة ثمان وخمسين للهجرة، وقال أبوعبيد القاسم بن سلام: توفي سنة سبع وثمانين بالمدينة المنورة.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث