جريدة الشاهد اليومية

الثلاثاء, 21 أغسطس 2018

«بنات الدهر وأبو الطمحان» حنتني حانيات الدهر حتى كأني خاتل أدنو لصيد

هذا البيت فيه تصوير غاية في البلاغة لحال المرء بعد طعنه بالسن وتقدم  عمره، وقربه الشديد من مفارقة الأهل والأحبة، وقد بدأ صاحب هذا البيت المؤثر بكلمة «حنتني»، والأصل الانحناء، وعندما يطعن لانسان بالسن ينحني ظهره لأنه اصبح عجوزاً  فانياً ارتخت عظامه وتقوس ظهره واعوج،  ومال عن  استوائه،  وقد لعبت به بنات الدهر، وهنّ الشدائد، وتعاقب الايام والليالي يسابق بعضها بعضاً، صروف الدهر تضعف الانسان وقد فعلت أفاعليها بهذا الشيخ الفاني، حتى جعلت خطواته بطيئة حذرة ثقيلة ضعيفة من يره يرَ في مشيته هيئة صياد يتقدم لصيده في حذر متحيناً الفرصة لاصطيادها! هل رأيتم مثل هذا التصوير الرائع لشكل ابن ادم في كبره؟ حتى انه في بيته الثاني يعطينا صورة في غاية الوضوح لمعاناته الشديدة في صعوبة تحركه وقيامه  وجلوسه فيقول:
قصير الخطو يحسب من رآني
ولست مقيداً اني بقيد
تصوروا كيف يتحرك المقيد من مكان إلى مكان لتعرفوا ما فعل الدهر بهذا الشاعر الذي تجاوز المئة عام باقل تقدير للروايات  التي ذكرت كم عاش، تأملوا بيته الثالث:
تقارب خطو رجلك يا سويد
وقيّدك الزمان بشر قيد
هل للزمان سلاسل وحبال يقيد بها الناس؟ الإجابة: ليس للزمان قيد، وما قيد الزمان إلا بناته وصروفه وتقدم السن وما ينتج عنه من ضعف حركة وعزم وقلة نشاط. هذه الأبيات السائرة لشاعر من كبار شعراء الجاهلية والاسلام، وهو أبو الطمحان  القيني، واسمه حنظلة  بن الشرقي، من بني كنانة بن القين، شاعر معمر، كان هذا الشاعر نديماً للزبير بن عبدالمطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب افضل بيت مدح في الجاهلية حيث يقول:
اضاءت لهم  احسابهم  ووجوههم
دجى الليل حتى نظّم الجزع  ثاقبه
وقد اورده صاحبب كتاب المعمرين «أبي مخنف» وقال إنه عاش مئتي سنة، وكان أبو الطمحان بحسب كتاب الاغاني فارساً شاعراً  صعلوكاً لصاً خارباً كثير الجنايات، له وقائع مشهورة، فاسد الدين في الجاهلية والاسلام، مخاطراً بنفسه، نزل على الزبير بن  عبدالمطلب بمكة وظل عنده زمناً طويلاً ونادمه.
أما شعره ففي منتهى الجودة والمتانة  والرصانة،  مطبوع فصيح الالفاظ قوي التركيب وهو القائل في الموت:
ألا عللاني قبل نوح النوائح
وقبل ارتقاء النفس بين الجوانح
وقبل غد،  يا لهف نفسي على غد
إذا راح أصحابي ولست برائح
إذا راح أصحابي تفيض دموعهم
وغودرت في لحد على صفائحي
يقولون:  هل أصلحتم لأخيكم
وما اللحد في الأرض الفضاء بصالح
جنى ابو الطمحان  جناية فهرب من السلطان ولجأ الى بني فزارة، ونزل على رجل منهم يقال له: مالك بن سعد، أحد بني شمخ، فآواه  واجاره وضرب عليه بيتاً وخلطه بنفسه، فأقام مدة، ثم اشتاق يوماً إلى اهله، وقد شرب شراباً ثمل منه، فقال لمالك:  لولا ان يدي قاصرة عن دفع دية جنايتي، لعدت إلى اهلي، فقال له:  هذه ابلي فخذ ما شئت منها، ثم نام فلما أصبح،ندم على ما قاله، وكره مفارقة مكانه، ولم يأمن على نفسه، فأتى مالكا وأنشده:
سأمدح  مالكا في كل ركب
لقيتهم  وأترك كل رذل
فما أنا  والبكارة أو مخاض
عظام جلة سدس وبزل
وقد عرفت كلابكم ثيابي
كأني منكم ونسيت اهلي
نمت بك من بني شمخ زناد
لها ما شئت من فرع وأصل
فقال له مالك: مرحباً!!  فانك حبيب ازداد حباً، إنما اشتقت الى اهلك، وذكرت انه يحبسك عنهم ما تطالب من عقل أو دية، فبذلت لك ما بذلت، وهو لك على كل حال، فأقم في الرحب والسعة، فلم يزل مقيماً عنده حتى هلك، ويروى ان امرأته  عاتبته  على ركوبه الاهوال والمخاطر فقال لها:
ولو كنت في ريمان تحرس بابه
أراجيل أحبوش،  وأغضف آلف
اذاً لأتتني حيث كنت منيتي
يخب بها هاد بأمري قائف
فمن رهبة  آتي المتالف سادراً
وأية أرض ليس فيها متالف
ذكر ابن الأعرابي أن أبو الطمحان القيني أسره رجلان من طي واشتركا فيه في الحرب التي قامت بين  جديلة والغوث الطائفيين فاشتراه منهما «بجير بن أوس بن حارثة» لما  سمع ابياته التي يقول في بعضها:
إليكم  بني لأم تخب هجائها
بكل طريق صادفته شبارق
لكم نائل غمر وأحلام سادة
وألسنة يوم الخطاب مسالق
ولم يدعُ داع مثلكم لعظيمة
اذا وزمت  بالساعدين السوارق
ثم جز  «بجير» ناصيته واعتقه
دمتم سالمين، في أمان الله.

مشعل السعيد

مشعل السعيد

كلمات لا تنسى

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث