الأحد, 19 أغسطس 2018

عمموا حالة جوسلين متى

في حادثة فريدة من نوعها، قامت القاضية اللبنانية «جوسلين متى» – قاضية التحقيق في الشمال اللبناني- بإصدار حكم على ثلاثة من الشباب المسلم تتراوح أعمارهم بين 16 و 18 سنة .. بأن يحفظوا سورة «آل عمران» في القرآن الكريم .. كشرط لإطلاق سراحهم عقاباً لهم على «تشويههم لتمثال للسيدة العذراء مريم آل عمران».  وهنا نلحظ أن العقاب الذي أصدرته القاضية «جوسلين متى» في الحكم كان عقاباً تربوياً وهادفاً تقصد منه تقويم سلوك هؤلاء الشباب الصغار اتجاه «الآخر» وضرورة احترامهم له ولمعتقداته.  هذا الحكم يعكس منهجية ذكية اتبعتها القاضية «متى» في إصدار ذلك الحكم، والذي من شأنه أن يعزز توجهات ايجابية وجديدة سواء عند هؤلاء الشباب أو عند بقية الشعب اللبناني تجاه مسألة «التعايش» المشترك وأهميته في حياة الناس والمجتمع على المدى الحالي والبعيد، وبالتالي من شأن ذلك أن يؤدي – وغيره من التوجهات الإيجابية الأخرى- إلى تخفيف حدة الابعاد السيكولوجية في القضية الطائفية واثارها المدمرة على الفرد والوطن.
بزعمي الخاص، أن سلوك ومنهجية القاضية «جوسلين متى» من الضروري أن يعمم في المجتمعات العربية التي تعاني من سيادة «النمط التقليدي» في إصدار الاحكام والتي عادة ما تقوم على نزعة «سجن» المخالف للقانون دون اتباع نهج جديد في مسألة العقاب ذاته، ناهيك عن أن تكديس المسجونين - وخاصة الشباب – في السجون من شأنه أن يضر بمستقبلهم من جهة، وقد يعزز عندهم أهمية السلوك الذي عوقبوا عليه من جهة اخرى.  ولنا في ذلك مثال بعض الشباب الذين لم يمنعهم السجن من تطوير سلوكيات مدنية جديدة تجاه ما فعلوا، بل إن معظمهم خرج من السجن وهو أكثر تزمتاً في أفكاره الطائفية والعقائدية من ذي قبل.  وما يدعونا إلى اهمية تعميم نهج القاضية «جوسلين»، هو أن القضاة دائماً ما يمثلون قيمة عالية في المجتمع، ولهم احترام لا يصدق بين الناس، وبالتالي عندما ينزعون إلى مثل تلك التصرفات الإيجابية في أحكامهم، فإن الكثيرين من الناس سوف يقتدون بهم، لإيمان الناس بأن القاضي هو أحد أهم مصادر العدالة والمساواة في المجتمع.
شكراً للقاضية «جوسلين متى» على هذا السلوك الإنساني الراقي، ونتمنى أن يتفهم الجميع أن أوطاننا لا يمكن لها أن تتطور وتتقدم دون الإيمان بأهمية «العيش المشترك» بين الفئات الاجتماعية المتنوعة، والتمسك بأهمية رفض النزعة العدوانية تجاه  «الآخر»، هذا مع التأكيد على أن مسألة «قبول الآخر» والعيش معه بسلام هي حجر الزاوية في التقدم والرخاء الاجتماعي، فالتقدم لا يتحقق إلا بتوفر شرط السلام الاجتماعي العام والشامل في المجتمع.

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث