السبت, 18 أغسطس 2018

حواري مع فيلسوف

قال: أصدق الأفكار، تلك التي نعجز عن كتابتها، لأنها أعظم من أن تموت في سجون اللغة.
وقلت: نعم، نتفق بشكل كبير مع هذا القول، فكم من أفكارٍ تغير مجراها ما إن سقطت على محبرة الكاتب.
وقد قال: تلك الأفكار المتحجبة العصية على الخروج، انها آخر بقايا الصدق في جوفنا.
وقد قلت: فان شئت أسرناها بسجون عقولنا، وان تحررت أصبحت كائناً آخر.
وقد قال: لولا حماقتنا لما أتينا بهذه إلى دنيا العقول.
وقد قلت: هي من تنور الحياة، وقناديل الخير، وان شئت قل هي الخير نفسه.
وقد قال: فأين سيوف الشر وجيشه من بيداء العقول؟
وقد قلت: لا ينبت الخير الاّ ويلحقه الشر معه، فهل ولد هابيل دون قابيل؟
وقد قال: فان بقيت الأفكار بعقولنا، ماذا جنينا؟
وقد قلت: تبقى بنيات أفكارنا بأرحام عقولنا أفضل من اجهاضهن قُبيل اكتمالهن.
وقد قال: لا أخاف اجهاض أفكارنا فهل ستخاف وأدهن بالحياة؟
وقد صمت لُبرهة، ونظرت اليه: ستعيش أفكارنا كما عاشت أفكار أسلافنا، فما لجاهلية العقول عمرٌ مديد.
وقد قال: ألا تخاف عليهن وعلى رحم الأفكار من الاغتيال؟
وقد قلت: دعونا نتفاءل، فما سجون الطواغيت باقية ولا جلادوها خالدون.
وقد قال: هنيئاً لك شجاعتك وتفاؤلك.
وقد قلت: فلولا اقتران الفكرة بالشجاعة لما تطور الكون من حولنا.
وقد قال: صدقت، فكم فقدنا من جمال الأفكار واصدقها وأضف أيضاً براءتها بسبب جبن كاتب بمواجهة سوط جاهل.
وقد قلت: هنيئاً لنا بميلاد أفكار وخروجها من سجونها بخلايا عقولنا إلى دفء الحياة.
وقد قال وهو راحل: نهارك سعيد يا عزيزي.
وقد وقفت فودعته غصباً عني أنا والقلم والمحبرة وقلت: بحفظ الله ونهاركم سعيد أيضاً.
فاختفى رويداً رويداً حتى بات معدماً بالحياة ولم يبق منه الاّ شموع أفكاره وشمس تفاؤله.
ذاك كان حوارٌ ما بيني وبين فيلسوف خيالي جلسنا نتسامر بالليل بحوارنا إلى أن بزغ الفجر علينا وارتفع قرص الشمس وكأنه حان موعد رحيله إلى وطنه وطن الحرية.

•  نكشة:
الحرية مع الألم، أكرم من العبودية مع السعادة.
«أبوحامد الغزالي»

إضافة تعليق

إن التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع و الموقع لا يتحمل أي مسؤولية قانونية أو أي أعباء ماديه أو معنويه من جراء التعليق المنشور وبالتالي صاحب التعليق وحدة هو من يتحمل المسؤولية الكاملة.

مود الحماية
تحديث